وَلَا يَصِحُّ لِشَاهِدٍ شَهَادَةٌ بِشَيْءٍ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ؛ إذْ لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ إلَّا بِمَا عُلِمَ وَقُطِعَ بِمَعْرِفَتِهِ لَا بِمَا شُكَّ فِيهِ وَلَا بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَعْرِفَتُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا) وَقَدْ يَلْحَقُ الظَّنُّ الْغَالِبُ بِالْيَقِينِ لِلضَّرُورَةِ فِي مَوَاضِعَ يَأْتِي ذِكْرُهَا، كَالشَّهَادَةِ فِي التَّفْلِيسِ وَحَصْرِ الْوَرَثَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَالْعِلْمُ يُدْرَكُ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ.
الْأَوَّلُ: الْعَقْلُ بِانْفِرَادِهِ، فَإِنَّهُ يُدْرِكُ بِهِ بَعْضَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ مِثْلَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاحِدِ، وَيَعْلَمُ بِهِ حَالَ نَفْسِهِ مِنْ صِحَّتِهِ وَسَقَمِهِ وَإِيمَانِهِ وَكُفْرِهِ، وَتَصِحُّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الثَّانِي: الْعَقْلُ مَعَ الْحَوَاسِّ، حَاسَّةِ السَّمْعِ وَحَاسَّةِ الْبَصَرِ وَحَاسَّةِ الشَّمِّ وَحَاسَّةِ الذَّوْقِ وَحَاسَّةِ اللَّمْسِ، فَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ السَّمْعِ الْكَلَامَ، وَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ الْبَصَرِ جَمِيعَ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْمُبْصَرَاتِ، وَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ الذَّوْقِ جَمِيعَ الطُّعُومِ وَالْمَذُوقَاتِ، وَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ اللَّمْسِ جَمِيعَ الْمَلْمُوسَاتِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا.
الثَّالِثُ: حُصُولُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ بِالْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمْ وَدُعَائِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَعَالِمِ الدِّينِ، وَكَذَلِكَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ الصَّحِيحَةُ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَوِلَايَةِ الْقَاضِي وَعَزْلِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَوْعَبْت ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ.
الرَّابِعُ: الْعِلْمُ الْمُدْرَكُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ بِمَا عُلِمَ مِنْ جِهَةِ الضَّرُورَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الْحُكَمَاءِ فِي قِدَمِ الْعُيُوبِ وَحُدُوثِهَا، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي قِدَمِ الضَّرَرِ وَحُدُوثِهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى شَهَادَةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلنَّبِيِّينَ عَلَى أُمَمِهِمْ بِالْإِبْلَاغِ، وَشَهَادَةُ الْمُؤْمِنِ بِأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّهُ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا.
وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ مِنْ جِهَاتِ النَّظَرِ أَوْ الِاسْتِدْلَالِ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.