الْحَالِ، وَكَتَبَ لَهُ نُسْخَةً أَيْضًا، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِمْ.
وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَذَلِكَ، ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَبْرَأَ الْمَرِيضُ، أَوْ يَمُوتَ. فَإِنْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ أَخَذَ الطَّبِيبُ أُجْرَتَهُ وَكَرَامَتَهُ، وَإِنْ مَاتَ حَضَرَ أَوْلِيَاؤُهُ عِنْدَ الْحَكِيمِ (^١) الْمَشْهُورِ، وَعَرَضُوا عَلَيْهِ النُّسَخَ الَّتِي كَتَبَهَا لَهُمْ الطَّبِيبُ، فَإِنْ رَآهَا عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ وَصِنَاعَةِ الطِّبِّ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَقْصِيرٍ مِنْ الطَّبِيبِ أَعْلَمَهُمْ، وَإِنْ رَأَى الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: " خُذُوا دِيَةَ صَاحِبِكُمْ مِنْ الطَّبِيبِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ بِسُوءِ صِنَاعَتِهِ وَتَفْرِيطِهِ ". فَكَانُوا يَحْتَاطُونَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الشَّرِيفَةِ إلَى هَذَا الْحَدِّ، حَتَّى [لَا] يَتَعَاطَى الطِّبَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا يَتَهَاوَنُ الطَّبِيبُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ.
وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِمْ عَهْدَ بُقْرَاطَ (^٢) الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَطِبَّاءِ، وَيُحَلِّفَهُمْ أَلَّا يُعْطُوا أَحَدًا دَوَاءً مُضِرًّا، وَلَا يُرَكِّبُوا (^٣) لَهُ سُمًّا، وَلَا يَصِفُوا التَّمَائِمَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعَامَّةِ، وَلَا يَذْكُرُوا لِلنِّسَاءِ الدَّوَاءَ الَّذِي يُسْقِطُ الْأَجِنَّةَ، وَلَا لِلرِّجَالِ الدَّوَاءَ الَّذِي يَقْطَعُ النَّسْلَ؛ وَلْيَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَنْ الْمَحَارِمِ عِنْدَ دُخُولِهِمْ عَلَى الْمَرْضَى، وَلَا يُفْشُوا الْأَسْرَارَ، وَلَا يَهْتِكُوا الْأَسْتَارَ.
[فَصْلٌ] (^٤)
وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ جَمِيعُ آلَاتِ الطِّبِّ عَلَى الْكَمَالِ، وَهِيَ كَلْبَاتُ
_________________
(١) الواضح من هذه التسمية، ومن العبارة كلها، أن تلك الإجراءت هي أصل فكرة الطب الشرعى وأعماله في العصور الحديثة.
(٢) بقراط (Hippocrates) طبيب يوناني قديم، ويطلق عليه أب الطب؛ وقد ولد بجزيرة كوس (Cos) حوالي سنة ٤٦٠ ق. م، وتعلم صناعة الطب من أبيه وجده، ومارسها في أثينا وغيرها من بلاد اليونان. ثم رأى بقراط أن يذيع أسرار هذه الصناعة خشية أن تزول بوفاته، فعلمها ولديه وتلميذا له وبعض الغرباء، ووضع لهم عهدا وناموسا، ووصية عن الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتعلم صناعة الطب؛ وكانت وفاته عن خمس وتسعين سنة. (ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء، ج ١، ص ٢٤ - ٢٧؛. Ency. Brit) Art. Hippocrates) .
(٣) وردت الأفعال بهذه الجملة كلها في س وسائر النسخ بثبوت النون، والتصويب الوارد بالمتن تتطلبه اللغة.
(٤) الإضافة من ل.
[ ٩٨ ]
الْأَضْرَاسِ (^١)، وَمَكَاوِي الطِّحَالِ (^٢)، وَكَلْبَاتُ الْعَلَقِ (^٣)، وَزَرَّاقَاتُ الْقُولَنْجِ (^٤)، وَزَرَّاقَاتُ الذَّكَرِ، وَمِلْزَمُ (^٥) الْبَوَاسِيرِ، وَمِخْرَطُ (^٦) الْمَنَاخِيرِ، وَمِنْجَلُ (^٧) النَّوَاصِيرِ، وَقَالِبُ (^٨) التَّ شْمِيرِ، وَرَصَاصُ التَّثْقِيلِ (^٩)، وَمِفْتَاحُ الرَّحِمِ، وَبَوَّارُ (^١٠) النِّسَاءِ، وَمُكَمِّدَةُ الْحَشَا (^١١)، وَقَدَحُ الشَّوْصَةِ (^١٢)، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ، غَيْرَ آلَةِ الْكَحَّالِينَ والجرائحيين، مِمَّا يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. وَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْتَحِنَ الْأَطِبَّاءَ بِمَا ذَكَرَهُ حُنَيْنُ (^١٣) بْنُ إِسْحَاقَ
_________________
(١) كلبات الأضراس - والمفرد كلبة - أدوات تستخدم لخلع الأضراس، وهي أنواع مختلفة الأحجام، وتشه الواحدة منها ما يعرف بالكماشة في مصر. (الزهراوي: التصريف لمن عجز عن التأليف، ج ١، ص ١٨٦).
(٢) مكاوي الطحال على أنواع مختلفة، والواضح من هذه التسمية أن أمراض الطحال كانت تعالج بالكى. (الزهراوي: التصريف لمن عجز عن التأليف، ج ١، ص ٦٤ - ٦٥).
(٣) كانت هذه الكلمات أغلظ من المرود قليلا، وطرفها معقوف، لإخراج العَلَق وغيره مما يوجد في الحلق. (أحمد عيسى: آلات الطب والجراحة والكحالة عند العرب، ص ١١؛ الزهراوي: المصدر السابق، ج ١، ص ٤٤).
(٤) القولنج اعتقال الطبيعة لانسداد القولون، وهو الاسم الطبي للأمعاء الغليظة. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ٩٨). والزراقة آلة شبيهة بالمحقن، إلا أنها طويلة العنق، وكانت تستخدم لسكب الأدوية في الأمعاء. (ابن سينا: القانون، ج ص ٥٧٦).
(٥) ملزم البواسير آلة كملزم مَجَلد الكتب، تزم بها البواسير لقطعها. (أحمد عيسي: آلات الطب والجراحة والكحالة عند العرب، ص ٢١).
(٦) مِخرَط المناخيز آلة تستعمل لاستئصال اللحم الزائد بداخل الأنف. (الزهراوي: التصريف لمن عجز عن التأليف، ج ١، ص ١٧٤).
(٧) في س "منخل"، وما هنا من ل، هـ. والمنجل مِجَسّ ينتهي برأس يدخل في فم الناصور إلى أن ينتهي إلى آخره، تمهيدا لقطعه بالمبضع. أما الناصور (fistula) فهو خراج يتولد عن جروح في المقعدة. (المجوسي: كامل الصناعة الطبية، ج ص ٤٩٠ ابن سينا: القانون، ج ص ٤٨٧).
(٨) قالب التشمير أداة لرفع الجفن حتَّى يتمكن الطبيب من قطع الشعر الزائد. (الزهراوي: التصريف .. الخ، ج، ص ١٤٣ - ١٤٤).
(٩) في س "المتيقيل"، والتصويب من ص، ل، هـ، م. ورصاص التثقيل قطع من الرصاص تكون مدورة أو مثلثة أو مستطيلة، على قدر النتوء. (أحمد عيسي: آلات الطب … الخ، ص ١٢٤).
(١٠) لم يتيسر للناشر أن يجد شرحا لهذا اللفظ في الكتب والمراجع المتداولة بهذه الحواشي، غير أن فعل بار في اللغة معناه اختبر الأنثى، لمعرفة إن كانت لاقحًا أو عاقرا (تاج العروس)، ومن ذلك يتضح أن المقصود بتلك التسمية آلة لمعرفة حمل النساء.
(١١) مكمدة الحشا آلة تستعمل للضماد، وتقابل اللبنة في العصر الحاضر. (أحمد عيسي: آلات الطب، الخ، ص ١٩).
(١٢) الشوصة ريح تنعقد في الأضلاع (الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ٩٧)، وربما كان المقصود بقدح الشوصة إناء يستخدم في جذب الهواء، كالمعروف في العصر الحاضر "بكاسات الهواء".
(١٣) كان مولد هذا الطبيب الشهير سنة ١٩٤ هـ (٨٠٩ م) بالحيرة، من أب نصراني نسطوري، وقد درس الطب بمدرسة جنديسابور بخوزستان من أعمال فارس، ولكنه ترك المدرسة بمجرد =
[ ٩٩ ]