وبدء: نذكر تلك الشبه العاتية في نظر أصحابها الواهية المتداعية أمام الحق الصاح والعدل الرادع ثم نعقبها بمناقشتها والرد عليها حتى لا تقوم لأحد حجة في التخلي عن شرع الله وتطبيقه في أرض الله على عباد الله!!
_________________
(١) انظر: في هذه المسألة المراجع الآتية: - شبهات حول الإِسلام: محمد قطب ص ١٧٦، أثر تطبيق الحدود في المجتمع من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإِسلامي الذي عقدته جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية بالرياض سنة ١٣٩٦ هـ - (مقال الأستاذ الغزالي خليل عيد ص ١٦٥: ١٨٣). - وانظر أيضًا: الإِسلام في مواجهة التحديات المعاصرة لأبي الأعلى المودودي ص ٢١٦، ٢٢٥ طبع دار القلم - الكويت - الطبعة الثالثة ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
[ ٢٥٥ ]
إن أول ما يتذرع به شياطين الإنس في عصرنا ومن لف لفهم وحذا حذوهم هو أن:
العقوبات الإِسلامية قاسية لا تساير روح العصر ولا تتقدم مع ركب المدنية ولا تتفق والنظرية الجديدة في تحليل نفسية المجرم إلخ ما قالوا من العبارات الطنانة والكلمات الجوفاء!.
ثم أنبت الشيطان وجنوده من الشبهة السابقة شبهة ثانية فقالوا:
ولماذا. كان حد المحصن رجمًا بالحجارة أليس ذلك تحقيرًا له وازدراء لإنسانيته.
ثم إن إقامة الحدود تقتضي إزهاقًا للأرواح وتقطيعًا للأطراف وبذلك تفقد البشرية كثيرًا من الطاقات وينتشر فيها المشوهون والمقطوعون والمكسحون.
ثم قالوا -ولبئس ما قالوا-: إن إقامة الحدود ردة تاريخية ونكسة إنسانية ولا يليق بإنسان عاقل متمدن يعيش في القرن العشرين الميلادي أن يأخذ بقانون نشأ بين جبال مكة وجلاميد الصحراء.
وأخيرًا يسوقون شبهة يضفون عليها من لحن القول ما يموهون به على السذج وضعفاء العقول: إن إقامة الحدود فيها تضييق على الأقليات غير الإِسلامية وإكراه لهم على أن يأخذوا بخلاف ما تقرره أديانهم وفي هذا سلب للحرية واعتداء على أناس ليسوا بمسلمين ولا تسري عليهم شرائع الإِسلام!!.
إلخ ما حاكوه من الشبهات والإتهامات الضالة المضلة التي تقوم على الإفتيات والمغالطة!!
[ ٢٥٦ ]
وقبل أن ندحض هذه الشبهات ونكذب تلك الإتهامات والإفتراءات نوضح الأسباب والدوافع التي جعلتهم يستفظعون هذه العقوبات ويرون فيها قسوة زائدة وإهدارًا لكيان الفرد واستهتارًا بشأنه!!.
السبب الأول:
الجهل بحكمة التشريع الإِسلامي في العقوبات.
السبب الثاني:
أنهم ينظرون نظرة سطحية عند تقويم خطورة الجرائم التي أنيطت بها الحدود فيستقلونها دون أن يرجعوا في ذلك إلى أي اعتبار لحكمة المشرع وتقويمه لها.
السبب الثالث:
أنهم يضعون أمام أعينهم ذلك النظام الفاسد للحياة الإجتماعية والاقتصادية والخلقية الذي يسود العالم اليوم. ومع ذلك يريدون أن يكونوا لأنفسهم رأيًا عن عقوبات قطع اليد والرجم والجلد بمقارنة جرائم كثيرة الحدوث كالسرقة والزنا وشرب الخمر إلخ.
فالظاهر أنهم لابد أن يجدوا عقوبات الإِسلام وحدوده قاسية ورهيبة في هذه المقارنة وحق لهم أن ترتجف قلوبهم هلعًا وفزعًا.
إذ أن مجتمعًا تشيع فيه الفاحشة وتروج فيه الرذيلة وتكون فيه المثيرات الجنونية من السينما العارية والأفلام الخليعة والصحافة المريبة والأغاني المبتذلة والفتنة الهائجة إذا طبقت فيه شريعة الإِسلام في مثل هذه الأوضاع فقد لا يسلم من الجلد ظهر أحد من الناس، كما ستقطع أيدي الآلاف منهم ويرجم آلاف منهم كل يوم وهذا لا ريب فيه ما فيه من الظلم والتعسف.
[ ٢٥٧ ]
السبب الرابع:
أنهم لم يدرسوا نظرة الإِسلام للجريمة والعقاب على حقيقتها ولهذا يتصورون خطأ أنها كعقوباتهم "المدنية" ستطبق كل يوم فيتصورون في المجتمع الإِسلامي حدوث مجزرة هائلة كل يوم هذا يجلد وهذا يقطع وهذا يرجم ولكن الواقع خلاف ما يتصورون) (١).
وبعد: فهذه أهم الأسباب التي يتجنون عليه ويتصورون أنه بمعزل عن الحياة أو أنه قد استنفد أغراضه!! ساء ما يتصورون ولبئس ما يفكرون.
إنهم يزعمون أن في إقامة الحدود ضربًا من القسوة العاتية التي تتنافى مع الإنسانية الرحيمة ومع الشفقة التي يجب أن يتحلى بها الناس والتي تساير المدنية الحديثة والحضارة الراقية، ولكن نقول لهم:
نعم: إن في إقامة الحدود مظهرًا من مظاهر القسوة والشدة، ولابد لكل عقوبة أن يكون فيها مظهر قسوة أيًا كانت حتى تأديب الرجل لولده فيه مظهر من مظاهر القوسة والشدة، والعقوبة إن لم تشتمل على شيء من القسوة فأي أثر لها في الزجر والردع؟!. ثم إن العقوبة في ظاهرها قسوة وشدة وفي حقيقتها ومخبرها رحمة وشفقة بل هي الرحمة والشفقة بعينها؛ إذ لو ترك العضو المريض ونار الألم تتوهج وتستشري لأودى بحياة المريض بل وسار سرطان الجريمة في أوصال المجتمع كله فكان من الواجب ومن الحكمة أن يبتر عضو فاسد مفسد؛ إبقاء وإنقاء ليكان المجتمع كله.
على أن الإِسلام قبل أن يحكم على إنسان بالقتل أو بالقطع أو بالرجم أو بالجلد قدم له من وسائل الوقاية ما يكفي عن إِبعاده عن الجريمة لو كان
_________________
(١) انظر: شبهات حول الإِسلام: محمد قطب من ص ١٣٨، ١٤٠
[ ٢٥٨ ]
إنسانًا حيًا له قلب يعقل أو ألقى السمع وهو شهيد ولكنه أغلق قلبه وألغى إنسانيته فكان جزاؤه من جنس عمله جزاءً وفاقًا (ولا يفل الحديد إلَّا الحديد) (١).
(وهكذا فإن الإِسلام يقرر عقوبات رادعة قد تبدو قاسية فظة لمن يأخذها أخذًا سطحيًا بلا تمعن ولا تفكير، ولكنه لا يطبقها أبدًا حتى يضمن أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مبرر ولا شبهة اضطرار.
فالإسلام يقرر قطع يد السارق ولكنه لا يقطعها أبدًا إذا كانت هناك شبهة بأن السرقة نشأت من جوع. والإسلام يقرر رجم الزانية والزاني ولكنه لا يرجمهما إلَّا أن يكونا محصنين، وإلَّا أن يشهد عليهما أربعة شهود بالرؤية القاطعة، وهذا يعني أن العقوبات لا تنفذ جزافًا أو تسلط على الناس بلا حساب) (٢).
وعمر بن الخطاب من أبرز فقهاء الإِسلام لم ينفذ حد السرقة في عام الرمادة (٣)، عام الجوع حيث كانت الشبهة قائمة في اضطرار الناس للسرقة بسبب الجوع.
فهذا مبدأ صريح لا يحتمل التأويل وهو أن قيام ظروف وملابسات تدفع إلى الجريمة يمنع تطبيق الحدود عملًا بحديث رسول الله - ﷺ -: "ادرأوا
_________________
(١) انظر: أثر تطبيق الحدود في المجتمع ص ١٦٨، ١٦٩.
(٢) شبهات حول الإِسلام - محمد قطب ص ١٣٧.
(٣) سمي عام الرمادة لأن الريح كانت تسفي ترابًا كالرماد. وكان ذلك سنة ١٨ هـ وقد أصاب الناس في هذه السنَّة مجاعة وجدب وقحط. انظر: الفاروق عمر بن الخطاب - ص ٢١٥.
[ ٢٥٩ ]
الحدود بالشبهات، وأقيلوا الكرام عثراتهم إلَّا في حد من حدود الله -تعالى-) (١).
وروي أن غلمانًا لإبن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مُزَيْنَةَ فنحروها فأُتي بهم عمر، فأقروا فأمر عمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم فلما ولى رده ثم قال: أما والله لولا أنِّي أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه لحل له لقطعت أيديهم ثم وجه القول لإبن حاطب بن أبي بلتعة فقال: (وأيم الله إذا لم تفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك ثم قال: يا مُزَنيُّ بكم أريدت منك ناقتك قال: بأربعمائة. قال عمر لإبن حاطب: اذهب فأَعطه ثمانمائة) (٢).
وهكذا وهكذا في جميع العقوبات التي قررها الإِسلام.
إنهم يزعمون أن قتل المحصن رجمًا بالحجارة فيه تحقير وازدراء بإنسانيته وهذا هو دأب أعداء الإِسلام ينازعون في كل أمر ويشككون في كل شيء فبعد أن نازعوا في أصل القتل واتهموا الإِسلام فيه بالوحشية والهمجية ينازعون الآن في كيفية القتل وطريقته ولكننا نقول لهم:
أمن الإزدراء والتحقير بالإنسانية أن تقام حدود الله؟ وليس من الإزدراء والتحقير بالإنسانية إذلال الإنسان وتعذيبه بخلع أظافره وإحراق جسمه وتسليط الصدمات الكهربائية على مخه وأعصابه وعصب رأسه بطوق حديدي يقضقض عظمه وكيه بالنار وقلع شعره والعبث بكرامته وآدميته كما يتعرض لذلك المعارضون في الرأي والسياسة في البلاد التي تتشدق
_________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ١/ ٢٢٧ حديث رقم ٣١٤.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٧٨ - كتاب السرقة باب ما جاء في تضعيف الغرامة.
[ ٢٦٠ ]
بالحريات الديمقراطية والإشتراكية والشيوعية وتتباهى بقوانينها ونظمها.
ثم إن قتل المحصن رجمًا لا يراد منه إزهاق روحه فقط وكفى وإلَّا فكان السيف والصعق الكهربائي ونحوهما أسرع في تحقيق الغرض المنشود كما يقولون. وإنما المراد من هذا القتل الزجر والردع عن مقارفة الجريمة الشنعاء، إنه ارتكب جرمًا أهدر فيه كرامة الإنسان، وضيع معالم النسب الإنساني فضلًا عن القتل المادي والوأد الظاهر أو الخفي الذي ألحقه بمجموعة من سلالة الإنسان، فكان من مقاصد الشارع الحكيم أن يقتل المرجوم رجمًا زيادةً له في الإيلام وتنفيرًا لغيره عن مقارفة تلك الجريمة النكراء وعبرة لمن تسول له نفسه أو يزين له الشيطان أن يقع في مثل ما وقع فيه.
ثم فوق هذا كله: إن الذي فرض العقوبة وقدرها وبين كيف تكون إنما هو العليم الخبير الذي يعلم دروب النفس وخباياها) (١).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (٢)، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (٣).
يقولون: إن إقامة الحدود تقتضي إزهاقًا للأرواح وتقطيعًا للأطراف وبذلك تفقد الإنسانية من الطاقات وينتشر فيها المشوهون والمقطوعون والمكسحون إلخ ما قالوا.
_________________
(١) انظر: أثر تطبيق الحدود في المجتمع ص ١٦٩، ١٧٠، ١٧١.
(٢) سورة البقرة: آية ٢٢٠.
(٣) سورة الملك: آية ١٤.
[ ٢٦١ ]
ونحن نقول لهؤلاء:
إن القتل رتقطيع الأطراف في الحدود لفئات شريرة تعطل العمل والإنتاج يؤدي إلى حفظ مئات الأرواح وآلاف الأطراف سليمة طاهرة عاملة منتجة، مع ملاحظة أن المشوهين والمقطوعين والمكسحين لا يكادون يشاهدون في البلاد التي يقام فيها شرع الله تعالى وها هي ذي المملكة العربية السعودية مثلًا حيًا وواقعًا ملموسًا مشهودًا تقيم شرع الله وترعى حدوده ويسير فيها الراكب من أدناها إلى أقصاها وربما لا يرى فيها مشوهًا واحدًا أو مكسحًا بسبب إقامة حد وليس ذلك لأنهم لا يقيمون للحدود وزنًا كلا كلا بل لأن إقامتهم للحدود قد حالت بين الناس وبين الجرائم التي تقام بسببها الحدود فقلت الجرائم وبالتالي قل من تقام عليه الحدود. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ (١).
وبهذا يظهر كذب هذه الفرية ويفتضح أمر مدبريها المتقولين على الإِسلام.
يقولون: إن في إقامة الحدود تضييقًا على الأقليات غير المسلمة وإكراهًا لهم على أن يأخذوا بخلاف ما تقرره أديانهم وفي هذا سلب للحريات واعتداء على أناس ليسوا مطالبين بشريعة الإِسلام.
وقد أشبعت هذا الموضوع بحثًا واستوفيت جميع جوانبه (٢).
ويتلخص في أن الشريعة الإِسلامية تسوي بين المسلمين والذميين في تطبيق أحكام الشريعة في كل ما كانوا فيه متساويين أما ما يختلفون فيه فلا تسوية بينهم فيه ومعنى هذا:
_________________
(١) سورة البقرة: آية ١٧٩.
(٢) انظر ص ٢٢٧: ٢٤٩.
[ ٢٦٢ ]
أَن عقوبة الجرائم في الشريعة قسمان:
قسم عام يعاقب على إتيانه المسلم وغير المسلم -أعني كل المقيمين في دار الإِسلام-. وقسم خاص يعاقب على إتيانه المسلمون دون غيرهم وأساس هذا القسم هو الدين وذلك كالجرائم التي أساسها ديني محض كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير يعاقب على إتيانها المسلم فقط ولا يعاقب غير المسلم عليها إذ أنها في معتقدهم غير محرمة ولكن يعاقب غير المسلم على الجرائم القائمة على أساس ديني إذا كان إتيانها محرمًا في عقيدته أو يعتبر في دينه رذيلة أو كان إتيانها مفسدًا للأخلاق العامة أو ماسًا بشعور الآخرين أو يتضمن تعديًا على الأرواح والأموال، فمثلًا شرب الخمر ليس محرمًا في عقيدة أهل الذمة ولكن السكر محرم عندهم أو هو رذيلة فضلًا عن أنه مفسد للأخلاق العامة، ومن ثم فإنه يعاقب الذمي على السكر دون الشرب فمن شرب حتى سكر عوقب ومن شرب ولم يسكر فلا عقوبة عليه (١) وهكذا.
• • •
_________________
(١) انظر ص ٢٤٤.
[ ٢٦٣ ]
نستطيع بعد هذا البيان والرد على تلك المزاعم ودحض تلك الشبهات أن نخلص إلى الحقائق التالية: