المبحث الثاني: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاجتماعية
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في كيفية تعامله ﷺ مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم.
المطلب الثاني: في كيفية تعليمه ﷺ لبعض الصحابة وتربيته لهم.
المطلب الثالث: في كيفية تعامله ﷺ مع بعض المشكلات الاجتماعية.
[ ١٨ ]
المطلب الأول: في كيفية تعامله ﷺ مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم
لقد سلك النبي ﷺ طريقة عجيبة في كيفية دعوة الناس إلى الإسلام، ستظل نبراسًا لكل من أراد الاهتداء بهديه سالكًا طريقته ﵊، إنّها طريقة الصابرين ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠] .
إنّ سيرة النبي ﵊ مليئة بالمواقف العجيبة التي تَجَلَّى فيها حلمه ﵊ وصبره على الأذى من أجل المحافظة على العلاقة الاجتماعية.
١- لما نزلت الآية الكريمة ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] .
صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي – لبطون قريش – حتى اجتمعوا، فجعل الرَّجُل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلًا بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصدِّقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (١) [المسد:١-٢] .
_________________
(١) البخاري رقم (٤٧٧٠)، ومسلم رقم (٢٠٤) واللفظ للبخاري.
[ ١٩ ]
فانظر إلى موقف أبي لهب العجيب من النبي ﷺ يصدقه أولًا، ثم يكذبه ويسخر منه ومن مقولته، بل إن مجيئه ابتداء وتلبيته لنداء النبي ﷺ يدل على تصديقه، لكنه ما تمالك نفسه حتى نال من النبي الكريم ﷺ وهو الصادق المصدوق ﵊.
والحق أن الأعجب من ذلك هو موقف النبي ﷺ من أبي لهب، فلم يرد عليه مقولته؛ لأنّه يعلم يقينًا إِنْ ردّ عليه فسينقسم الناس إلى قسمين، قسم مؤيد لأبي لهب مستنكرين رَدَّ النبي ﷺ بحكم موقع أبي لهب النَّسَبي، فهو عَمُّه، وعمُّ الرجل صنو أبيه (١)، وقد يَعُدُّ بعضهم ذلك الرد تطاولًا من النبي على عمِّه، وقسم مؤيد للنبي ﷺ، وبهذا يفسد الهدف الذي من أجله كان الاجتماع، وهو دعوتهم إلى الله، وإقامة الحجة عليهم فآثر السكوت ﵊، مفوضًا أمره إلى الله ﷾، فلم يكن النبي ﷺ فحاشًا ولا صخابًا، فتولى الباري جل وعلا الرد على أبي لهب، فأنزل في شأنه سورة تتلى إلى يوم القيامة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ الآيات [المسد:١-٣] .
٢- قال ابن إسحاق: «ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله ﷿، فخرج إليهم وحده (٢)، فلما وصل إليهم ودعاهم إلى الإسلام ردُّوه أقبح رد، وأغلظوا له القول، بل وحرَّشُوا
_________________
(١) جزء من حديث، أخرجه مسلم، رقم (٩٨٣) وغيره.
(٢) سيرة ابن إسحاق (ابن هشام) (١/٤١٩) .
[ ٢٠ ]
عليه الصبيان والسفهاء، فآذوه ورموه بالحجارة حتى سال الدم من عقبيه الشريفين ﵊، فكان موقفًا أليمًا، رجل يدعو قومه إلى الله ﷿، وهم يكذبونه ويتجهمونه، عن عروة عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حدثته أنها قالت للنبي ﷺ: «هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يُجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ، وأنا مهموم على وجهي (١)، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (٢)، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل"، فنادى فقال: «إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: «يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (٣)، فقال النبي ﷺ: "بل أرجو أن يخرج الله مِن أصلابهم مَن يعبده وحده لا يشرك به شيئًا" (٤) .
فانظر إلى صبر النبي ﷺ وحلمه، الدم يسيل من عقبيه الشريفين، ويسأله ملَك الجبال إن كان يريد أن يطبق عليهم الأخشبين يفعل، ومع ذلك يتضرع إلى الله سبحانه، ويدعوه أن يخرج مِنْ أصلابهم مَنْ يعبده وحده، لا يشرك به
_________________
(١) أي على الجهة المواجهة لي، الفتح (٦/٣١٥) تحت شرح حديث رقم (٣٢٣١) .
(٢) قرن الثعالب، هو ميقات أهل نجد، ويقال له أيضًا قرن المنازل. المصدر السابق. وهو على طريق الطائف من مكة المار بنخلة اليمانية، يبعد عن مكة ثمانين كيلًا، ومن الطائف ثلاثة وخمسين كيلًا. المعالم الأثيرة في السنة النبوية، لمحمد شراب.
(٣) المراد بالأخشبين: جبلا مكة، أبو قبيس، والذي يقابله وكأنه قُعَيْقِقَان، وسميا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما، والمراد بإطباقهما: أن يلتقيا على من بمكة. الفتح (٦/٣١٦)، تحت شرح حديث رقم (٣٢٣١) .
(٤) البخاري مع الفتح (١٦/٣١٦) حديث رقم (٣٢٣١) .
[ ٢١ ]
شيئًا! سبحان الله! ما أعظمها من دروس، أين دعاة اليوم من هذه الدروس العظيمة في الصبر والحلم والعفو والصفح؟
فلو دعا عليهم ووافق الملَك فيما أُمر به لهلكت قريش، ولكن ثم ماذا؟ فإذا هلكت قريش وهي ريحانة العرب فماذا بقي؟
لكن يظهر أيضًا أن القضية أكبر من ذلك، فهي دروس تعليمية للدعاة من أمته ﵊، فلو أن كل من أصابه بلاء انتقم لنفسه لم يبق للصبر ثمرة، كيف وقد رتب الله عليه أعظم الأجر، حيث قال جل شأنه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥-١٥٧] .
وما هي إلا سنوات قلائل، وتفتح مكة على يد النبي ﷺ، في السنة الثامنة من الهجرة وتتحقق دعوته ﷺ، ويُسْلم بقية أهل مكة بعد أن عفا عن كل من ناصبه العداء، ثم تأتي ثقيف فتدخل في الإسلام، ويعم الخير العظيم هاتين القبيلتين، وشاء الله أن يقبض نبيه ﷺ ويتوفاه بعد فترة وجيزة تقارب السنتين، ويرتد كثير من العرب عن الإسلام، لكن العجب أن قبائل قريش وثقيف لم يرتد منهم أحد، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (١) . فقد كانت قريش من خيار العرب، وكيف لا يكونون كذلك والرسول الكريم ﷺ منهم؟ وهكذا نرى آثار تلك الدعوات الصادقة قد آتت ثمارها، وذلك الحِلْم والعفو والصبر والصفح أثمر غراسه، فصلى الله عليه وسلم.
٣- خرج النبي ﷺ في السنة السابعة من الهجرة لفتح خيبر، وكانت
_________________
(١) البخاري، رقم ٠٣٣٥٣)، ومسلم، رقم (٢٣٧٨) .
[ ٢٢ ]
معقل يهود بعد إجلاء بني النضير إليها، فلما وصلها ﷺ حاولت يهود قتله ﷺ بطريقة حقيرة ودنيئة تنم عن خبث ومكر اليهود، فعن أنس ﵁: «أن امرأة (١) يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ، فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، قال: "ما كان الله ليسلطك على ذاك"، قال: أو قال: "عليّ" قال: قالوا ألا نقتلها؟ قال: "لا" (٢) .
فانظر إلى سماحة الإسلام، لم يأمر ﷺ بقتلها مع أنها اعترفت بجريمتها وظفر بها، ومع ذلك عفا عنها؛ لأنّ الإسلام دين السماحة والعفو.
٤- لما خرج النبي ﷺ لفتح مكة في السنة الثامنة (٣) من الهجرة وبالتحديد في شهر رمضان (٤) كان عدد جيش المسلمين عشرة آلاف رجل، فرأت قريش أنه لا طاقة لها بقتال النبي ﷺ، وظنت أنه سيبطش بها، لكن النبي ﷺ عفا عن الجميع، فأسلم عدد كبير منهم، بل وعندما جاءت غنائم حنين، جعل ﷺ يعطي بعضهم عطاء جزلًا، فقد أعطى صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة (٥)، وعندما غضبت الأنصار من ذلك، ذكر لهم الرسول ﷺ أنه إنما
_________________
(١) اسمها: زينب بنت الحارث، أخي مرحب، وهي امرأة سلاَّم بن مِشْكم، ذكر ذلك ابن إسحاق (ابن هشام) (٢/٣٣٧)، وابن سعد في الطبقات (٢/٢٠١) .
(٢) صحيح مسلم، رقم (٢١٩٠) وقد ذكر عبد الرزاق في المصنف، رقم (١٩٨١٤) عن الزهري أنها أسلمت، وكذلك ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/٤٩٧-٤٩٨) نقلًا عن مغازي سليمان التيمي أنها أسلمت أيضًا.
(٣) صحيح البخاري، رقم (٤٢٧٦) .
(٤) المصدر السابق.
(٥) كصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، انظر قصة هروبهما، الموطأ رقم (٤٤)، وابن إسحاق (ابن هشام) (٢/٤١٧-٤١٨)، وفيه ضعف لكن قال ابن عبد البر في التمهيد (١٢/١٩): «وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده» إن شاء الله.
[ ٢٣ ]
أعطاهم من أجل أنه يتألفهم لأنهم حديثو عهد بكفر (١) .
إنّ القصد من ذكر تلك الأمثلة المتقدمة هو أنه ﷺ كان يحاول جاهدًا تجنب المصادمة والمواجهة مع القبائل القرشية في المرحلة المكية، وحرص على تألفهم بعد الهجرة مرورًا بقصة الحديبية عندما قال لهم: ”يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة " الحديث (٢)، وانتهاءً بقصته معهم بعد حنين.
هكذا تتجلى سماحة الإسلام في تألُّف الناس، والتودد إليهم، والصفح عن مسيئهم؛ لتقوية آصرة الروابط الاجتماعية.
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم، رقم (٢٣١٣) .
(٢) السيرة النبوية لابن إسحاق (ابن هشام) (٢/٣٠٨-٣٠٩) بسند جيد.
[ ٢٤ ]