مما يدل على أن الدين الإسلامي دين العدل والرحمة والمساواة تلك الضوابط التي وضعها الشارع على الجيوش الإسلامية، وهي ضوابط وقيود خاصة لا يشاركه فيها أي جيش في العالم، والسيرة النبوية مليئة بذلك، فلا قتال دون سابق إنذار إلا لمن بلغتهم الدعوة، ولا قتال يتسم بالعنف الهمجي الذي يجهز على إزهاق الأنفس بحق وبغير حق. عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش، أو سريّة أوصاه في خاصته بتقوى الله ﷿، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزُوهم باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر، اغزوهم فلا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال – أو خلال – فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام " الحديث (١) .
قال النووي ﵀: «وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي تحريم الغدر، وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا، وكراهية المثلة، واستحباب وصية الإمام أمراءه وجيوشه بتقوى الله تعالى والرفق بأتباعهم وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم وما يجب عليهم ويحل لهم وما يحرم عليهم وما يكره وما يستحب» (٢) .
_________________
(١) صحيح مسلم، رقم الحديث (١٧٣١) .
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢/٣٧) .
[ ٤٦ ]
فهذه الوصايا الجامعة الشاملة من الرسول الكريم ﷺ ليست لجيشه فقط، وإنما هي للأمة الإسلامية عامة، فمن تمسك بهذه الضوابط كان الفلاح والنصر حليفه إن شاء الله.
وهناك أمثلة أخرى كثيرة، لكن المقام لا يتسع لذكرها، منها قصة علي بن أبي طالب ﵁ مع أهل خيبر (١)، وقصة معاذ بن جبل ﵁ مع أهل اليمن (٢) إلخ.
_________________
(١) مسلم، رقم الحديث (٢٤٠٤) .
(٢) البخاري، رقم الحديث (٤٣٤٧) .
[ ٤٧ ]