من علماء الطبقة الثانية من مؤلفي المغازي والسير، وهو مدني -أي من أهل المدينة- وكان جده الأعلى عمرو ابن حزم أحد صحابة رسول الله -ﷺ- وقد ولاه الرسول على نجران، وكتب له كتابًا حين بعثه، أمره فيه بتقوى الله في أمره كله، ثم أمره بقبض الصدقات وتوزيعها على مستحقيها، وأن يعلمهم القرآن والسنة ويفقههم في الدين. أما جده المباشر، محمد بن عمرو فقد قيل: إن له رؤية - أي رأى رسول الله -ﷺ- وتوفي عام ٦٣هـ أما أبوه أبو بكر فقد ولي قضاء المدينة المنورة أثناء ولاية عمر بن عبد العزيز عليها من سنة ٨٧ إلى سنة ٩٣هـ. وذلك في خلافة الوليد بن عبد الملك
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي، ج٥، ص٣١٤.
[ ٣٣ ]
ابن مروان ٨٦- ٩٦هـ. ثم أصبح واليًا على المدينة في خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان ٩٦- ٩٩هـ. وخلافة عمر بن عبد العزيز ٩٩- ١٠١هـ.. وقد عُرف بمقدرته الفائقة في رواية الحديث، وكان من الثقات، ولذلك عهد إليه عمر بن عبد العزيز -أثناء خلافته- بجمع أحاديث رسول الله -ﷺ.
يقول عنه الذهبي١: "أمير المؤمنين ثم قاضي المدينة، أحد الأئمة الأثبات، وقيل: كان أعلم أهل زمانه بالقضاء.
وقال عنه الإمام مالك بن أنس: "ما رأيت مثل ابن حزم، أعظم مروءة وأتم حالًا، ولا رأيت من أوتي مثل ما أوتي: ولاية المدينة، والقضاء، والموسم"٢ وهو من شيوخ ابن إسحاق.
فعبد الله بن أبي بكر نشأ إذن في بيت علم وقضاء وإمارة، وورث عن أبيه مواهبه، واختص برواية الحديث -خاصة الأحاديث المتصلة بالمغازي- وكان حجة في ذلك، وهو أحد مصادر كبار علماء السيرة والمؤرخين، فقد روى عنه ابن إسحاق، ومحمد بن عمر الواقدي، ومحمد بن سعد -كاتب الواقدي- والطبري. خاصة الروايات التي تتصل بأخبار الرسول في المدينة ووفود القبائل، إلى رسول الله -في عام الوفود- وأخبار تتعلق بحروب الردة، وكانت زوجته فاطمة بنت عمارة راوية للحديث، وكانت تروي عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وعمرة كانت
_________________
(١) ١ المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة. ٢ انظر سير أعلام النبلاء للذهبي، ج٥، ص٣١٤.
[ ٣٤ ]
تروي عن السيدة عائشة أم المؤمنين -﵂- وكان هو يروي عن زوجته، بل كان يسمح لها أن تحدث الغير بما عندها من أخبار عن السيرة النبوية، فقد أخبر الطبري، عن محمد بن إسحاق أنه دخل على عبد الله بن أبي بكر -ابن حزم- فقال عبد الله لامرأته فاطمة: "حدثي محمدًا ما سمعتِ من عمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: سمعت عمرة تقولك سمعت عائشة تقول إلخ، ويروي الطبري عن محمد بن إسحاق -أيضًا- عن عبد الله بن أبي بكر قال: كان جميع ما غزا رسول الله -ﷺ- بنفسه ستًّا وعشرين غزوة، أول غزوة غزاها: ودَّان، ثم بواط.. إلخ.
وعلى الجملة فقد كان عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عظيم الأثر في كتب السير والمغازي، وكان له من بيته العظيم في الأنصار -وهو بيت علم وقضاء وإمارة- وتزوِّجه من فاطمة بنت عمارة الأنصارية، والتي كانت تروي عن عمرة بنت عبد الرحمن، التي تروي بدورها عن السيدة عائشة أم المؤمنين -﵂- كان له من كل ذلك ما يسر له جمع الأحاديث التي تتصل بالمغازي١، وأن يصبح مصدرًا كبيرًا من مصادرها، وأحد أعلام الطبقة الثانية من علماء المغازي والسير.
_________________
(١) ١ ضحى الإسلام -أحمد أمين، ج٢، ص٣٢٤- ٣٢٥.
[ ٣٥ ]