فجاءه جبريل كما كان يصنع، فقال رسول الله ﷺ: «يا خديجة، هذا جبريل قد جاءنى»، قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذى اليسرى، فقام فجلس عليها، قالت:
هل تراه؟ قال: «نعم» . قالت: فتحول فاقعد على فخذى اليمنى، فتحول فقعد على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: «نعم» . قالت: فتحول فاجلس فى حجرى، فتحول فجلس فى حجرها، ثم قالت له: هل تراه؟ قال: «نعم»؛ فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله ﷺ جالس فى حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: «لا» . قالت: يا ابن عم، اثبت وأبشر، فو الله إنه لملك ما هذا بشيطان «١» .
ويروى أن خديجة أدخلت رسول الله ﷺ بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل، وابتدىء رسول الله ﷺ بالتنزيل فى رمضان.
يقول الله ﷿: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨١]، وقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:
١] إلى خاتمة السورة.
وقال: حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: ١، ٤]، وقال: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: ٤٢]، يعنى ملتقى رسول الله ﷺ والمشركين ببدر، وذلك يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان.
هكذا أورد ابن إسحاق «٢» ﵀ هذه الآيات كالمستشهد بها على ابتداء التنزيل فى شهر رمضان على رسول الله ﷺ. وفى صورة هذا الاستشهاد نظر. فإن ظاهر قوله سبحانه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عموم نزول القرآن بجملته فيه.
وكذلك قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ.
ولم يقع الأمر فى إنزاله على رسوله ﷺ هكذا، بل أنزله الله عليه فى رمضان وفى غيره متفرقا، آيات وسورا، بحسب سؤال السائلين، أو أحداث المحدثين، أو ما شاء الله من هداية العالمين.
وقد قيل فى قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ أى
_________________
(١) انظر الحديث فى: الجامع الكبير (٢/ ٧٢١) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٠٤) .
[ ١ / ١٦٦ ]
الذى أنزل فى شأنه القرآن، أى نزل الأمر من الله ﷿، بصيامه كتابا يتلى وقرآنا لا يدرس ولا يبلى.
كما يقال: «نزل القرآن بالصلاة» أى نزل جزء منه بفرضها و«نزل القرآن فى عائشة» ﵂، وإنما نزلت منه آيات ببراءتها من الإفك. ومثل هذا الإطلاق موجود فى الأحاديث والآثار كثيرا.
ولنسلم أن معنى قوله: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أى ابتدىء فيه إنزاله، فقد قيل ذلك وليس ببعيد فى المفهوم ولا مما تضيق عنه سعة الكلام، ثم نجرى ذلك المجرى الآيتين الأخيرتين، وهما: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وإن بعد ذلك فيهما لما ورد من الآثار المصححة لحكم عمومهما حسبما نذكره بعد، فما بال الآية الأخرى التى هى: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ تنتظم فى هذا النظام، وقد أعقبها مفسرا بأن المعنى بذلك يوم بدر، وهو الحق؟!.
وهل كان يوم بدر إلا فى السنة الثانية من الهجرة، وبعد اثنتى عشرة سنة من البعث ونزول الوحى، أو بعد خمس عشرة سنة، على ما ورد من الخلاف فى مدة مكث رسول الله ﷺ بمكة بعد النبوة، وما زال القرآن المكى والمدنى ينزل فى ماضى تلك السنين!.
فإن كان ابن إسحاق عنى ما ذكرناه عنه ونسبناه إليه فقد بينا وجه رده واستوفينا التنبيه عليه، وإن كان عنى غير ذلك فقصر عنه تحرير عبارته أو سقط على الناقل من كلامه ما كان يفى لو بقى بإفهامه، فالله تعالى أعلم. والرجل أولى منا بأن يصيب ويسلم، إلا أنه لا ينكر أن يغلط هذا البشر.
ونعوذ بالله أن نقصد بهذا الاعتداء على ذى علم أو الغض من ذى حق، فإن العلماء هم آباؤنا الأقدمون وهداتنا المتقدمون، بأنوارهم نسرى فنبصر ونستبصر، وإلى غاياتهم نجرى فطورا نصل وأطوارا نقصر، فلهم دوننا قصب السبق، ولهم علينا فى كل الأحوال أعظم الحق، إذا أصابوا اعتمدنا، وإذا أخطأوا استفدنا، وإذا أفادوا استمددنا، فجزاهم الله عنا أفضل الجزاء، ووفقنا لتوفية حقوق الأئمة والعلماء.
وبعد: فمن أحسن ما يتقلد فى تلك الآيات الثلاث التى صدر بها كلامه، مما يحفظ حكم عمومها ويطابق ظاهر مفهومها، ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃ أجمعين، أن القرآن أنزل جملة واحدة فى شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل فى بيت العزة، ثم أنزل على النبى ﷺ شيئا فشيئا إلى حين وفاته.
[ ١ / ١٦٧ ]
وقيل للشعبى: شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن، أما كان ينزل فى سائر السنة؟
قال: بلى، ولكن جبريل ﵇، كان يعارض محمدا ﷺ فى شهر رمضان ما أنزل فى ماضى السنة فيمحو الله ما يشاء ويثبت.
قال ابن إسحاق «١»: ثم تتام الوحى إلى رسول الله ﷺ، وهو مؤمن بالله مصدق لما جاءه منه، قد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم. وللنبوة أثقال ومؤنة لا يحملها، ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله وتوفيقه، لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاؤا به عن الله ﷿.
فمضى رسول الله ﷺ على أمر الله على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.
وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، وآزرته على أمره. فكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدق بما جاء منه.
فخفف الله بذلك عن رسوله، لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس. يرحمها الله «٢» .
ثم فتر عن رسول الله ﷺ الوحى حتى شق عليه وأحزنه. فجاءه جبريل بسورة وَالضُّحى، يقسم له ربه جل وعلا، وهو الذى أكرمه بما أكرمه به، ما ودعه ولا قلاة.
فقال: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى، يقول: ما حرمك فتركك، وما أبغضك منذ أحبك، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى أى لما عندى من مرجعك إلى خير لك مما عجلت لك من الكرامة فى الدنيا، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى من الفلج فى الدنيا والثواب فى الآخرة، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى «٣» .
يعرفه بما ابتدأه به من كرامته فى عاجل أمره، ومنه عليه فى يتمه وعيلته وضلالته، واستنفاذه من ذلك برحمته، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ أى لا تكن جبارا ولا متكبرا ولا فحاشا فظا على الضعفاء من بعاد الله، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ اذكرها وادع إليها «٤» .
_________________
(١) انظر: السيرة (١/ ٢٠٤) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٠٥) .
(٣) انظر: السيرة (١/ ٢٠٦) .
(٤) انظر: السيرة (١/ ٢٠٧) .
[ ١ / ١٦٨ ]
فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن به إليه من أهله. وافترضت عليه الصلاة، فصلى صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته.
قالت عائشة رحمها الله: افترضت الصلاة على رسول الله ﷺ أول ما افترضت ركعتين ركعتين كل صلاة، ثم إن الله أتمها فى الحضر أربعا وأقرها فى السفر على فرضها الأولى ركعتين «١» .
وعن بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبة فى ناحية الوادى فانفجرت له منه عين، فتوضأ جبريل ورسول الله ﷺ ينظر، ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله ﷺ كما رأى جبريل توضأ، ثم قام به جبريل فصلى به وصلى رسول الله ﷺ بصلاته، ثم انصرف جبريل فجاء رسول الله ﷺ خديجة فتوضأ ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها ثم صلى بها كما صلى به جبريل فصلت بصلاته «٢» .
وعن نافع بن جبير بن مطعم، وكان كثير الرواية عن ابن عباس، قال: لما افترضت الصلاة على رسول الله ﷺ أتاه جبريل فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر. ثم صلى به الظهر حين كان ظله مثله، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأول، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق. ثم قال: يا محمد، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس «٣» .
_________________
(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (١/ ٤٦٤)، سنن أبى داود (١١٩٨)، النسائى (١/ ٢٢٥)، أحمد فى المسند (٦/ ٢٧٢) .
(٢) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (١/ ٥٣٥، ٥٣٦)، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٢٢٣، ٢٢٤)، وذكره السهيلى فى الروض الأنف (١/ ٢٨٣، ٢٨٤) .
(٣) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (١/ ٣٩٣)، سنن الترمذى (١٤٩)، مسند الإمام أحمد (٣٠٨١)، مستدرك الحاكم (١/ ١٩٣) . وذكره السهيلى فى الروض الأنف (١/ ٢٨٤)، وقال: هذا الحديث لم يكن ينبغى له أن يذكره فى هذا الموضع، لأن أهل الصحيح متفقون على أن هذه القصة كانت فى الغد من ليلة
[ ١ / ١٦٩ ]
قال ابن إسحاق «١»: ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله ﷺ وصلى وصدق بما جاءه من الله ﵎، علىّ بن أبى طالب ﵁، وهو ابن عشر سنين يومئذ.
وكان مما أنعم الله به عليه أنه كان فى حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام. وذلك أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله ﷺ للعباس عمه، وكان من أيسر بنى هاشم: «يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه»، قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لى عقيلا فاصنعا ما شئتما، ويقال: عقيلا وطالبا، فأخذ رسول الله ﷺ عليّا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علىّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيا فاتبعه على وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه «٢» .
وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه على بن أبى طالب مستخفيا من أبى طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا. فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله: يا ابن أخى، ما هذا الدين الذى أراك تدين به؟! قال: «أى عم، هذا دين الله ودين ملائكته ورسله، ودين أبينا إبراهيم» . أو كما قال ﷺ. «بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت أى عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه وأعاننى عليه» . أو كما قال.
فقال أبو طالب: أى ابن أخى، إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشىء تكرهه ما بقيت «٣» .
_________________
(١) - الإسراء، وذلك بعد ما نبئ بخمسة أعوام، وقد قيل: إن الإسراء كان قبل الهجرة بعام ونصف، وقيل: بعام، فذكره ابن إسحاق فى بدء نزول الوحى، وأول أحوال الصلاة.
(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٠٨- ٢٠٩) .
(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ١٦٢) .
(٤) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٣١٣) .
[ ١ / ١٧٠ ]
وذكروا أنه قال لعلى: أى بنى ما هذا الدين الذى أنت عليه؟. فقال: يا أبت، آمنت برسول الله وصدقت بما جاء به وصليت معه لله واتبعته. فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.
قال ابن إسحاق «١»: ثم أسلم زيد بن حارثة الكلبى مولى رسول الله ﷺ فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد على بن أبى طالب، وعن غير ابن إسحاق أن زيدا أصابه فى الجاهلية سباء فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد وقيل: بل وهبه لها، فوهبته خديجة لرسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه، وذلك قبل أن يوحى إليه، وكان حارثة أبوه قد جزع عليه جزعا شديدا وبكى عليه حين فقده، فقال:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحى فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدرى وإنى لسائل أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل
ويا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة فحسبى من الدنيا رجوعك لى بجل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره فيا طول ما حزنى عليه وما وجل
سأعمل نص العيس فى الأرض جاهدا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتى أو تأتى على منيتى فكل امرىء فإن وإن غره الأمل
ثم إن أناسا من كلب حجوا فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، فأعلموا أباه ووصفوا له موضعه وعند من هو. فخرج أبوه حارثة وعمه كعب ابنا شراحيل لفدائه.
وقدما مكة فسألا عن النبى ﷺ فدخلا عليه فقالا: يا ابن عبد المطلب بن هاشم، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العانى وتطعمون الأسير، جئناك فى ابننا عبدك، فامنن عليه وأحسن إلينا فى فدائه. قال: «من هو؟» قالوا: زيد بن حارثة.
فقال رسول الله ﷺ: «فهلا غير ذلك؟» قالوا: ما هو؟ قال: «أدعوه فأخيره، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارنى فو الله ما أنا بالذى أختار على من اختارنى أحدا» .
قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت.
فدعاه فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم. قال: «من هذا؟» قال: أبى وهذا عمى.
قال: «فأنا من قد علمت ورأيت صحبتى لك فاخترنى أو اخترهما» . قال زيد: ما أنا بالذى اختار عليك أحدا، أنت منى مكان الأب والعم!، فقالا: ويحك يا زيد! أتختار
_________________
(١) انظر: السيرة (١/ ٢١٠) .
[ ١ / ١٧١ ]
العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذى أختار عليه أحدا أبدا. فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ أخرجه إلى الحجر فقال: «يا من حضر، اشهدوا أن زيدا ابنى يرثنى وأرثه» . فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما، فانصرفوا «١» .
فدعى: زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام فنزلت: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الآية [الأحزاب: ٤] . فدعى من يومئذ زيد بن حارثة «٢» .
قال ابن إسحاق «٣»: ثم أسلم أبو بكر بن أبى قحافة، واسمه عتيق، وقيل: عبد الله، وعتيق لقب، لحسن وجهه وعتقه، فيما قال ابن هشام. واسم أبى قحافة عثمان بن عامر ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى.
فلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله. وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه.
قال «٤»: فأسلم بدعائه فيما بلغنى، عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وسعد بن أبى وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له فأسلموا وصلوا.
فكان رسول الله ﷺ يقول فيما بلغنى «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه» «٥» .
_________________
(١) انظر الحديث فى: معجم الطبرانى الكبير (٥/ ٦٦، ١٢/ ١١٤)، تفسير ابن كثير (٣/ ٤٦٩) كنز العمال للمتقى الهندى (٣٦٤٩٣، ٣٦٤٩٦) .
(٢) ذكره الهيثمى فى المجمع (٩/ ٢٧٤) .
(٣) انظر: السيرة (١/ ٢١١) .
(٤) انظر: السيرة (١/ ٢١٢٩) .
(٥) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٠٨، ٣/ ٢٧)، الدلائل للبيهقى (٢/ ١٦٤) .
[ ١ / ١٧٢ ]
قال «١»: فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام فصلوا وصدقوا رسول الله ﷺ وصدقوا بما جاءه من الله، ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر.
وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والأرقم بن أبى الأرقم بن أسد أبى جندب بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى.
وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصى، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى.
وامرأته فاطمة بنت عمه الخطاب بن نفيل أخت عمر بن الخطاب، وأسماء بنت أبى بكر الصديق، وعائشة بنت أبى بكر الصديق وهى صغيرة، وخباب بن الأرت حليف بنى زهرة، وعمير بن أبى وقاص، أخو سعد بن أبى وقاص، وعبد الله بن مسعود الهذلى، حليف بنى زهرة، وجماعة سوى هؤلاء سماهم ابن إسحاق «٢» .
قال: ثم دخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به، ثم إن الله ﷿ أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادى الناس بأمره ويدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستسر به إلى أن أمره الله بإظهار ثلاث سنين فيما بلغنى، من مبعثه، ثم قال الله له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤]، ثم قال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١١٤، ١١٥] . وفى موضع آخر:
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: ٨٩] .
قال «٣»: وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلوا ذهبوا فى الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فى شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم ناس من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا
_________________
(١) انظر: السيرة (١/ ٢١٢) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٢١٢- ٢١٦) .
(٣) انظر: السيرة (١/ ٢١٧) .
[ ١ / ١٧٣ ]
عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب سعد يومئذ رجلا من المشركين بلحى بعير «١» فشجه. فكان أول دم هريق فى الإسلام.
فلما بادى رسول الله ﷺ قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون.
وحدب «٢» على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله ﷺ على أمره الله مظهرا له، لا يرده عنه شىء.
فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ لا يعتبهم من شىء أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إلى أبى طالب، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وأبو سفيان بن حرب، وأبو البخترى بن هشام، والحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصى، والأسود ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو جهل بن هشام بن المغيرة، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل، ومن مشى منهم.
فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيه. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شرى الأمر «٣» بينه وبينهم، حتى تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها، فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه.
ثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. أو كما قالوا له.
_________________
(١) لخى بعير: اللحى العظم الذى على الخد، وهو من الإنسان العظم الذى تنبت عليه اللحية.
(٢) حدب: أى عطف عليه ومنعه، يقال: فلان حدب على فلاذن، إذا كان عاطفا عليه مانعا له.
(٣) شرى الأمر: أى كثر واستفحل، يقال: شرى البرق إذا كثر لمعانه، ويقال: شرى الرجل إذا غضب.
[ ١ / ١٧٤ ]
ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ ولا خذلانه. وذكر أن أبا طالب حين قالت له قريش هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ.
فقال له: يا ابن أخى، إن قومك قد جاؤنى فقالوا كذا وكذا، للذى قالوا له فأبق على وعلى نفسك ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال له: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته!»، ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى! ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن أخى، فأقبل عليه، فقال: اذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشىء أبدا «١» .
ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى فى قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذى خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله، فإنما هو رجل كرجل، قال: والله لبئس ما تسوموننى! أتعطوننى ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابنى تقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبدا. فقال المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف:
والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال له أبو طالب: والله ما أنصفونى، ولكنك قد أجمعت خذلانى ومظاهرة القوم على، فاصنع ما بدا لك أو كما قال. فحقب الأمر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضا «٢» .
_________________
(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٤٨)، الألبانى فى السلسلة الضعيفة (٩٠٩)، وقال: هذا إسناد ضعيف معضل، يعقوب بن عتبة هذا من ثقات أتباع التابعين مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقد وجدت للحديث طريقا أخرى بسند حسن لكن بلفظ: «ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك، على أن تستشعلوا لى منها شعلة» يعنى الشمس، وقد خرجته فى الأحاديث الصحيحة (٩٢) .
(٢) قال فى السيرة بعد أن ذكر ما أورد ابن هشام هنا: فقال أبو طالب عند ذلك، يعرض بالمطعم ابن عدى، ويعم من خذله من بنى عبد مناف، ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه، وما تباعد من أمرهم:
[ ١ / ١٧٥ ]
قال «١»: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من فى القبائل منهم من أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا معه. فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. ومنع الله ﵎، رسوله منهم بعمه أبى طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون فى بنى هاشم وبنى المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليهم، إلا ما كان من أبى لهب.
فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جدهم وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر قديمهم وفضل رسول الله ﷺ فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره، فقال:
إذا اجتمعت يوما قريش لمخفر فعبد مناف سرها وصميمها «٢»
فإن حصلت أشراف عبد منافها ففى هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإن محمدا هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها علينا فلم تظفر وطاشت حلومها «٣»
وكنا قديما لا نقر ظلامة إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
_________________
(١) - ألا قل لعمرو والوليد ومطعم ألا ليت حظى من حياطتكم بكر من الخور حبحاب كثير رغاؤه يرش على الساقين من بوله قطر تخلف خلف الورد ليس بلا حق إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر أرى أخوينا من أبينا وأمنا إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر بلى لهما أمر ولكن تجرجما كما جرجمت من رأس ذى علق صخر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر هما أغمزا للقوم فى أخويهما فقد أصبحا منهم أكفهما صفر هما أشركا فى المجد من لا أبا له من الناس إلا أن يرس له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم وكانوا لنا مولى إذا بغى النصر فو الله لا تنفك منا عداوة ولا منهم ما كان من نسلنا شفر فقد أسفهت أحلامهم وعقولهم وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر انظر: السيرة (١/ ٢١٩- ٢٢٠) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٢٠) .
(٣) سرها وصميمها: أى خالصها وكريمها.
(٤) غثها وسمينها: الغث اللحم الضعيف، والسمين الماقبل أو العكس. طاشت حلومها: أى ذهبت عقولها.
[ ١ / ١٧٦ ]
ونحمى حماها كل يوم كريهة ونضرب عن أحجارها من يرومها
بنا انتعش العود الذوى وإنما بأكنافنا تندى وتنمى أرومها
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول فيه، قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول: كاهن. قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة «١» الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه «٢» ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده «٣»، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق «٤» وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ فانتشر ذكره فى بلاد العرب كلها «٥» .
فلما خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التى يعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم فى ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله ﷺ ولا تاركه لشىء أبدا حتى يهلك دونه.
وأولها:
_________________
(١) زمزمة الكاهن: أى كلام خفى لا يهم.
(٢) التخالج: اختلاج الأعضاء وتحركها عن غير إراده.
(٣) نفثه وعقده: هذه إشارة إلى ما كان يفعل الساحر إذ كان يأخذ خيطا فيعقده ثم ينفث عليه بلا ريق.
(٤) العذق: الكثير الشعب والأطراف، ومن رواه عذق فمعناه كثير الماء، والعذق: كل غصن له شعب، وأيضا هو النخلة عند أهل الحجاز. انظر: اللسان (مادة عذق) .
(٥) انظر: السيرة (١/ ٢٢٢- ٢٢٤) .
[ ١ / ١٧٧ ]
ولما رأيت القوم لاود فيهم وقد قطعوا كمل العرى والوسائل «١»
وقد صارحونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قوما علينا أظنة يعضون غيظا خلفنا بالأنامل «٢»
صبرت لهم نفسى بسمراء سمحة وأبيض عضب من تراث المقاول
وأحضرت عند البيت رهطى وإخوتى وأمسكت من أثوابه بالوصائل
قياما معا مستقبلين رتاجه لدى حيث يقضى حلفه كل نافل
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم بمفضى السيول من إساف ونائل
موسمة الأعضاء أو قصراتها مخيسة بين السديس وبازل
ترى الودع فيها والرخام وزينة بأعناقها معقودة كالعثاكل
أعوذ برب الناس من كل طاعن علينا بسوء أو ملح بباطل
ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة ومن ملحق فى الدين ما لم نحاول
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه وراق ليرقى فى حراء ونازل
وبالبيت حق البيت من بطن مكة وبالله إن الله ليس بغافل
وبالحجر الأسود إذ يمسحونه إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل
وموطىء إبراهيم فى الصخر وطأة على قدميه حافيا غير ناعل
وأشواط بين المروتين إلى الصفا وما فيهما من صورة وتماثل
ومن حج بيت الله من كل راكب ومن كل ذى نذر ومن كل راجل
وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له إلال إلى مفضى الشراج القوابل «٣»
وتوقافهم فوق الجبال عشية يقيمون بالأيدى صدور الرواحل
وليلة جمع والمنازل من منى وهل فوقها من حرمة ومنازل
وجمع إذا ما المقربات أجزنه سراعا كما يخرجن من وقع وابل «٤»
وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها يؤمنون قذفا رأسها بالجنادل
وكندة إذ هم بالحصاب عشية تجيز بهم حجاج بكر بن وائل
حليفان شدا عقد ما اختلفا له وردا عليه عاطفات الوسائل
_________________
(١) الوسائل: جمع وسيلة، وهى الوصلة والقربة، وقيل: هى المنزلة عند الملك.
(٢) أظنة: جمع ظنين، وهو المتهم الذى تظن به التهمة.
(٣) إلال: بالفتح هو جبل بعرفات، وسمى إلال لأن الحجيج إذا رأوه الوا فى السير واجتهدوا ليدركوا الموقف.
(٤) المقربات: الخيل التى تقرب مرابطها من البيوت لكرمها. وابل: المطر الشديد.
[ ١ / ١٧٨ ]
وحطمهم سمر الصفاح وسرحه وشبرقه وخد النعام الجوافل «١»
فهل بعد هذا من معاذ لعائذ وهل من معيذ يتقى الله عاذل
يطاع بنا الأعدا وودوا لو أننا تسد بنا أبواب ترك وكابل
كذبتم وبيت الله نترك مكة ونظعن إلا أمركم فى بلابل
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم فى الحديد إليكم نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل «٢»
وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه من الطعن فعل الأنكب المتحامل
وإنا لعمرو الله إن جد ما أرى لتلتبسن أسيافنا بالأماثل
بكفى فتى مثل الشهاب سميدع أخى ثقة حامى الحقيقة باسل «٣»
وما ترك قوم لا أبالك سيدا يحوط الذمار غير ذرب مواكل «٤»
وأبيض يستسقى الغمام بكفه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده فى رحمة وفواضل «٥»
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا عقوبة شر عاجلا غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل
_________________
(١) سمر: يحتمل أن يكون أصله سمرا بفتح فضم وهو من شجر الطلح. الصفاح: هو جمع صفح، وهو عرض الجبل، ويقال: أسفله حيث يسيل ماؤه، سرحه: السرح: شجر. شبرقة: الشبرق بالكسر نبات غض، وقيل: شجر منبته نجد وتهامة، وثمرته شاكة صغيرة الجرم حمراء مثل الدم وواحدته شبرق. وخد النعام: الوخد ضرب من سير الإبل وهو سعة الخطوة فى المشى.
(٢) الروايا: الإبل التى تحمل الماء. الصلاصل: واحدتها صلصلة وهى الصوت وذات الصلاصل: الزادات التى فيها بقية من الماء يسمع لها صوت حين تسير الإبل.
(٣) سميدع: السيد من الرجال. الباسل: الأسد لكراهة منظره وقبحه، والبسالة الشجاعة، والباسل الشديد، وقيل الشجاع، والجمع بسلاء وبسل.
(٤) جاء فى السيرة قبل هذه البيت بيت آخر وهو: شهورا وأياما وحولا مجرما علينا وتأتى حجة بعد قابل وما ترك قوم مواكل انظر: السيرة (١/ ٢٢٦) .
(٥) ذكر بعد هذا البيت فى السيرة أبيات آخر لم يذكرها هنا. انظرها فى: السيرة (١/ ٢٢٧- ٢٢٨) .
[ ١ / ١٧٩ ]
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا بنى خلف قيضا بنا والغياطل «١»
ونحن الصميم من ذؤابة هاشم وآل قصى فى الخطوب الأوائل
وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا علينا العدى من كل طمل وخامل
فعبد مناف أنتم خير قومكم فلا تشركوا فى أمركم كل واغل «٢»
لعمرى لقد وهنتم وعجزتم وجئتم بأمر مخطىء للمفاصل «٣»
فإن يك قوما نتئر ما صنعتم وتحتلبوها لقحة غير باهل «٤»
فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل
ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة إذا ما لجأنا دونهم فى المداخل
ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم لكنا أسى عند النساء المطافل
فإن نك كعب من لوى صميمة فلا بد يوما مرة من تزايل «٥»
فكل صديق وابن أخت نعده لعمرى وجدنا غبه غير طائل
سوى أن رهطا من كلاب بن مرة براء إلينا من معقة خاذل «٦»
ونعم ابن أخت القوم غير مكذب زهير حساما مفردا من حمائل
أشم من الشم البهاليل ينتمى إلى حسب فى حومة المجد فاضل «٧»
لعمرى لقد كلفت وجدا بأحمد وإخوته دأب المحب المواصل
فلا زال فى الدنيا جمالا لأهلها وزينا لمن والاه رب المشاكل
فمن مثله فى الناس أى مؤمل إذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش يوالى إلها ليس عنه بغافل «٨»
_________________
(١) انظر: السيرة (١/ ٢٢٨) .
(٢) الواغل: هو الداخل على القوم فى شرابهم وهو الذى يهجم على الشراب ليشرب معهم وليس منهم.
(٣) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيتان لم يذكرهما. انظرهما فى: السيرة (١/ ٢٢٨) .
(٤) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت أبيات لم يذكرها هنا، انظرهما فى: السيرة (١/ ٢٢٩) .
(٥) هذا البيت لم يذكره فى السيرة.
(٦) ذكر فى السيرة بعد هذ البيت أبيات لم يذكرها هنا، انظرها فى: السيرة (١/ ٢٢٩) .
(٧) أشم: قيل: جبل أشم أى طويل الرأس. البهاليل: جمع بهلول وهو العزيز الجامع لكل خير، وقيل: هو الحيى الكريم.
(٨) الأبيات التى وردت هنا بعد هذا البيت غير موجود فى السيرة بهذا التريتب فقد ذكرها هناك بترتيب أخر وهو:
[ ١ / ١٨٠ ]
فأيده رب العباد بنصره وأظهر دينا حقه غير باطل
فو الله لولا أن أجئ بسبة تجر على أشياخنا فى القبائل
لكنا ابتعناه على كل حالة من الدهر جدا غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمد فى أرومة تقصر عنها سورة المتطاول
حدبت بنفسى دونه وحميته ودافعت عنه بالذرى والكلاكل
والقصيدة أطول من هذا، وإنما تركنا ما تركنا منها اختصارا.
وذكر ابن هشام أن بعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها «١»، قال: وحدثنى من أثق به قال: أقحط أهل المدينة فأتوا رسول الله ﷺ فشكوا إليه ذلك، فصعد المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحى يشكون منه الغرق. فقال رسول الله ﷺ: «اللهم حوالينا ولا علينا» . فانجاب السحاب عن المدينة، فصار حواليها كالإكليل «٢»، فقال رسول الله ﷺ: «لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره»، فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت لقوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
قال: «أجل» «٣» .
_________________
(١) - فو الله لولا أن أجىء بسبة تجر على أشياخنا فى المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعنى بقول الأباطل فأصبح فينا أحمد فى أرومة تقصر عنها سورة المتطاول حدبت بنفسى دونه وحميته ودافعت عنه بالذرا والكلاكل فأيده رب العباد بنصره وأظهر دينا حقه غير باطل رجال كرام غير ميل نماهم إلى الخير آباء كرام المحاصل فإن تك كعب من لؤى صقيبة فلا بد يوما مرة من تزايل انظر: السيرة (١/ ٢٣٠) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٣٠) .
(٣) الإكليل: هو شبه عصابة مزينة بالجواهر، وقيل: يريد أن الغيم تقشع عنها واستدار بآفاقها، وقيل: هو منزل من منازل القمر وهى أربعة أنجم. انظر: اللسان (مادة كلل) .
(٤) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٢/ ١٥، ٣٥، ٣٧، ٣٨، ٤٠، ٨/ ٩٢)، مسلم كتاب الاستسقاء (٨/ ٩)، النسائى (٣/ ١٦٠، ١٦١، ١٦٢، ١٦٦، ١٦٧)، سنن ابن ماجه-
[ ١ / ١٨١ ]
قال ابن إسحاق «١»: فلما انتشر أمر رسول الله ﷺ فى العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يك حى من العرب أعلم بأمر رسول الله ﷺ حين ذكر وقبل أن يذكر من الأوس والخروج، وذلك لما كانوا يسمعون من أخبار يهود، وكانوا لهم حلفاء ومعهم فى بلادهم.
فلما وقع ذكره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف، قال أبو قيس بن الأسلت الأوسى، وكان يحب قريشا، وكان يقيم فيهم السنين بامرأته أرنب بنت أسد ابن عبد العزى بن قصى، قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشا عن الحرب ويذكر فضلهم وأحلامهم، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض وعن رسول الله ﷺ، ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه الفيل عنهم فقال:
ويا راكبا إما عرضت فبلغن مغلغلة عنى لؤى بن غالب «٢»
رسول امرىء قد راعه ذات بينكم على النأى محزون بذلك ناصب
وقد كان عندى للهموم معرس ولم أقض منها حاجتى ومآربى
أعيذكم بالله من شر صنعكم وشر تباغيكم ودس العقارب
وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة كوخز الأثافى وقعها حق صائب «٣»
فذكرهم بالله أول وهلة وإحلال إحرام الظباء الشوازب «٤»
_________________
(١) - (١٢٦٩)، مسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٤، ١٨٧، ١٩٤، ٢٦١، ٢٧١، ٤/ ٢٣٦)، البيهقى فى السنن الكبرى (٣/ ٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦، ٤/ ٢٢١)، الدر المنثور للسيوطى (٦/ ٢٨)، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ١٢)، مشكاة المصابيح للتبريزى (٥٩٠٢)، نصب الراية للزيلعى (٢/ ٢٣٩)، فتح البارى (٢/ ٤١٣، ٥٠١، ٥٠٨، ٥١٠، ٥١٢، ٥١٩، ١٠/ ٥٠٤، ١١/ ١٤٣)، صحيح ابن خزيمة (١٤٢٣، ١٧٨٩)، شرح السنة للبغوى (٤/ ٤١٤)، كنز العمال للمتقى الهندى (٢٣٥٤٠، ٢٣٥٤٨)، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٧/ ١٩٥)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٠٧، ٥/ ٨٩، ٦/ ١٠٢، ١٠٦)، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٨٩، ٦/ ١٣٩، ١٤٤)، طبقات ابن سعد (١/ ١/ ١٧، ١/ ٢/ ٤٢)، المعجم الكبير للطبرانى (١٠/ ٣٤٦)، مصنف ابن أبى شيبة (١٠/ ٢١٩، ٣٤٦، ١١/ ٤٨١) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٣٢) .
(٣) مغلغله: قال السهيلى: المغلغلة: الداخل إلى أقصى ما يراد بلوغه منها أى محموة من بلد إلى بلد وقيل: المسرعة من الفلفلة وهى سرعة السير. انظر: اللسان (مادة غلغل) .
(٤) الوخز: الطعن الغير نافذ، وقيل: هو الطعن النافذ فى جنب المطعون. الأشافى: جمع إشفى، وهى حديدة يفرز بها الأسكافى.
(٥) أحرام الظباء: التى يحرم صيدها فى الحرم. الشوازب: المضمرات، وقيل: الشازب الضامر اليابس من الناس وغيرهم.
[ ١ / ١٨٢ ]
وقل لهم والله يحكم حكمه ذروا الحرب تذهب عنكم فى المراحب
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة هى الغول للأقصين أو للأقارب
تقطع أرحاما وتهلك أمة وتبرى السديف من سنام وغارب «١»
فإياكم والحرب لا تغلقنكم وحوضا وخيم الماء مر المشارب «٢»
تزين للأقوام ثم يرونها بعاقبة إذ بينت أم صاحب «٣»
تحرق لا تشوى ضعيفا وتنتحى ذوى العز منكم بالحتوف الصوائب
ألم تعلموا ما كان فى حرب داحس فتعتبروا أو كان فى حرب حاطب
وكم قد أصابت من شريف مسود طويل العماد ضيفه غير خائب
وماء هريق فى الضلال كأنما أذاعت به ريح الصبا والجنائب «٤»
يخبركم عنها امرؤ حق عالم بأيامها والعلم علم التجارب
فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا حسابكم والله خير محاسب
ولى امرىء فاختار دينا فلا يكن عليكم رقيبا غير رب الثواقب
أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم لنا غاية قد يهتدى بالذوائب
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة تؤمون والأحلام غير عوازب
وأنتم إذا ما حصل الناس جوهم لكم سره البطحاء شم الأرانب «٥»
تصونون أجسادا كراما عتيقة مهذبة الأنساب غير أشائب
ترى طالبى الحاجات نحو بيوتكم عصائب هلكى تهتدى بعصائب
_________________
(١) تبرى: تقطع. السديف: هو اللحم الذى يكون فى أعلى ظهر الإبل، وهو ما يسمى بالسنام، والغارب: أعلى الظهر.
(٢) ذكر فى السيرة قبل هذا البيت بيتان لم يذكرهما هنا وهما: وتستبدلوا بالأتحمية بعدها شليلا وأصداء ثياب المحارب وبالمسك الكافور غبرا سوابغا كأن قتيريها عيون الجنادب انظر: السيرة (١/ ٢٣٤) .
(٣) بينت: أى ظهر أمرها واتضح. أم صاحب: قال السهيلى فى الروض الأنف: أى عجوز كأم صاحب لك إذا لا يصحب الرجل إلا الرجل فى سنه.
(٤) ريح الصبا: ريح معروفة تقابل الدبور، وقيل: الصبا ريح ومهبها المستوى أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وينحتها الدبور، وقيل: الصبا ريح تستقبل البيت. انظر: اللسان (مادة صبا) .
(٥) سرة: قيل: سرة الشىء، خيره وأعلاه. الشم: ارتفاع فى قصبة الأنف مع استواء أعلاه وإشراف الأرنبة قليلا. الأرانب: جمع أرنبة وهى القصبة التى فيها ثقب الأنف.
[ ١ / ١٨٣ ]
لقد علم الأقوام أن سراتكم على كل حال خير أهل الجباجب «١»
فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء ومصدق غداة أبى يكسوم هادى الكتائب
كتيبته بالسهل تمسى ورجله على القاذفات فى رؤس المناقب «٢»
فلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم جنود إله بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب إلى قومه ملحبش غير عصائب
فإن تهلكوا نهلك وتهلك عصائب يعاش بها قول امرىء غير كاذب
ثم إن قريشا اشتد أمرهم، للشقاء الذى أصابهم، فى عداوة رسول الله ﷺ ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله ﷺ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، رسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفى به، مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم.
فحدث عروة بن الزبير أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابوا من رسول الله ﷺ فيما كانوا يظهرون من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط! سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا، لقد صبرنا معه على أمر عظيم. أو كما قالوا. فبينما هم فى ذلك طلع رسول الله ﷺ فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول.
قال: فعرفت ذلك فى وجه رسول الله ﷺ ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك فى وجه رسول الله ﷺ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أتسمعون يا معشر قريش؟! والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذبح» . قال:
فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى أن أشدهم وصاة فيه قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولا. قال: فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان الغد
_________________
(١) الجباجب: بالضم هو المستوى من الأرض وهى هنا أسماء منازل بمنى سميت به لأنه كروش الأضاحى تلقى فيها أيام الحج.
(٢) القاذفات: أعالى الجبال، وقيل: هى كل ما أشرف من رؤس الجبال وأعاليها. المناقب: جمع منقبة، الطريق الضيق بين دارين أو جبلين لا يستطاع سلوكه.
[ ١ / ١٨٤ ]
اجتمعوا فى الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه!.
فبيناهم فى ذلك طلع رسول الله ﷺ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا وكذا، للذى يقول من عيب آلهتهم. فيقول رسول الله:
«نعم أنا الذى أقول ذلك» . فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكى ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله!! ثم انصرفوا عنه. فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه قط «١» .