وقال ابن هشام: أمهما جرهمة. ولما أدرك إلياس بن مضر، أنكر على بنى إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله عليهم ولان جانبه لهم، حتى جمعهم على رأيه، ورضوا به رضا لم يرضوه بأحد من ولد إسماعيل بعد أدد.
فردهم إلى سنن آبائهم، حتى رجعت سنتهم تامة على أولها.
وهو أول من أهدى البدن إلى البيت، أو فى زمانه.
وأول من وضع الركن للناس بعد هلاكه، حين غرق البيت وانهدم زمن نوح ﵇.
فكان أول من سقط عليه إلياس، أو فى زمانه، فوضعه فى زاوية البيت للناس.
ومن الناس من يقول: إنما هلك الركن بعد إبراهيم وإسماعيل ﵉. وهو الأشبه، إن شاء الله.
ولم تبرح العرب تعظم إلياس بن مضر تعظيم أهل الحكمة، كلقمان وأشباهه.
فولد إلياس بن مضر ثلاثة نفر: مدركة، وطابخة، وقمعة.
وأمهم خندف بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، واسمها ليلى، واسم مدركة عامر، واسم طابخة عمرو، واسم قمعة عمير.
وإنما حالت أسماؤهم إلى الذى ذكرنا أولا عنهم، فيما ذكروا، أن أرنبا أنفرت إبل إلياس بن مضر، فصاح ببنيه هؤلاء أن يطلبوا الإبل والأرنب.
فأما عمير فاطلع من المظلة ثم قمع. فسمى قمعة.
وخرج عامر وعمرو فى آثار الإبل، وخرجت أمهم ليلى تسعى خلفهم.
فقال لها زوجها إلياس: أين تخندفين؟ أى أين تسعين. فسميت خندف «١» .
ومر عامر وعمرو بظبى، فرماه عمرو فقتله، ويقال: بل رمى الأرنب التى أنفرت الإبل، فقال له عامر: اطبخ صيدك، وأنا أكفيك الإبل. فطبخ عمرو، فسمى طابخة.
وأدرك الإبل عامر، فسمى مدركة.
_________________
(١) قال ابن حجر فى فتح البارى (٦/ ٦٣٣): خندف هى بكسر المعجمة وسكون النون وفتح الدال بعدها فاء، وهو اسم امرأة إلياس بن مضر، واسمها: ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، لقبت بخندف لمشيتها والخندف: الهرولة.
[ ١ / ١٥ ]
واشتهر بنو خندف هؤلاء بأمهم خندف للذى سار من فعلها فى الناس.
وذلك أنه لما مرض زوجها إلياس وجدت لذلك وجدا شديدا، ونذرت إن هلك، ألا تقيم فى بلد مات فيه، ولا يظلها بيت بعده، وأن تسيح فى الأرض. وحرمت الرجال والطيب.
فلما هلك إلياس خرجت سائحة فى الأرض حتى هلكت حزنا.
وكانت وفاته يوم الخميس، فكانت كلما طلعت الشمس من ذلك اليوم تبكيه حتى تغيب، فصارت خندف وما صنعت عجبا فى الناس، يتحدثون به ويذكرونه فى أشعارهم.
فقيل لرجل من إياد، أو همدان، وقد هلكت امرأته: ألا تبكى عليها؟
فقال: لو كان ذلك يردها لفعلت كما فعلت خندف على إلياس. ثم اندفع يقول:
لو أنه يغنى بكيت كخندف على إلياس حتى ملها الشر تندب
إذا مونس لاحت خراطيم شمسه بكت غدوة حتى ترى الشمس تغرب
ولم تر عيناها سوى الدفن قبره فساحت وما تدرى إلى أين تذهب
فلم يغن شيئا طول ما بلغت به وما طلها دهر وعيش معذب
وفقدت امرأة من غسان أخاها ثم أباها، فمكثت دهرا تبكى عليهما، فنهاها قومها، فقالت:
تلحون سلمى أن بكت أباها وقبل ما قد ثكلت أخاها
فحولوا العذل إلى سواها عصتكم سلمى إلى هواها
كما عصت خندف من نهاها خلت بنيها أسفا وراها
تبكى على آلياس فما أتاها
فولد مدركة بن إلياس نفرا، منهم خزيمة بن مدركة، وهذيل بن مدركة.
وأمهما امرأة من قضاعة، قيل: هى سلمى بنت سويد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وقيل غير ذلك.
[ ١ / ١٦ ]