معاملة النبي - ﷺ - مع الخدم وصغار الموظفين
تشكو كثير من مجتمعاتنا اليوم من سوء معاملة الخدم من أصحاب البيت أو العمل، أو خادمة تضربها صاحبة المنزل، وتحولت هذه المعاملة السيئة إلى ظاهرة مقلقة في الكثير من بلاد العالم، ووصل - وللأسف - بعض شررها إلى المسلمين.
منهج النبي - ﷺ - في المعاملة مع إساءات الخدم وأضرابهم
وإزاء هذه الظاهرة المقيتة نرصد هدي الرحمة المسداة - ﷺ - وتعامله مع الخدم وأضرابهم، حال إساءتهم وخطئهم، ولن نتحدث عن حال إحسان العبد أو الخادم؛ إذ المفترض في هذه الحال الشكر ومقابلة الإحسان بالإحسان.
وبداية، فإنه يحسن بنا التأكيد على أن الضرب سوء وجفاء في معاملة هؤلاء وغيرهم، لذا نقلت أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه (ما ضرب رسول الله - ﷺ - خادمًا ولا امرأة قط) (١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٧٨٦).
[ ٣٥ ]
وورد عن رسول الله - ﷺ - النهي عن ذلك، فقد أتى رجلٌ رسولَ الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن لي خادمًا يسيء ويظلم، أفأضربه؟ فقال - ﷺ -: «تعفو عنه كل يوم سبعين مرة» (١)، والمراد من السبعين الكثرة لا التحديد، فإن "العفو مندوب إليه مطلقًا دائمًا لا حاجة فيه إلى تعيين عدد مخصوص .. والمراد بالسبعين الكثرة دون التحديد" (٢).
فهل نصنع مثل هذا مع خدمنا؟! هل يصبر الواحد منا على سبعين خطأ في كل يوم؟! إن واحدًا من خدمنا لا يخطئ في اليوم عُشر هذا، فما بالنا لا نعفو عن هفواتهم، ولم لا نتجاوز عنها، أما لنا قدوةٌ حسنةٌ بالنبي - ﷺ - وهو يأمر بالعفو عن سبعينَ خطأ في كل يوم.
وأما اللجوء إلى ضرب الخدم (٣) ففعل موجب غضبَ الله تعالى لما فيه من الاضطهاد والتجبر على هؤلاء المستضعفين
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٥٦٠٣)، والترمذي ح (١٩٤٩)، وأبو داود ح (٥١٦٤).
(٢) تحفة الأحوذي (٥/ ١٨٠).
(٣) بعض النصوص التي نذكرها في مسألة الخدم إنما تتعلق بالحقيقة بحق العبيد والإماء ومعاملتهم، ولكن ورودها في هؤلاء يجعلها تنطبق على الخدم من باب أولى، فهم أحرار كاملو الحرية في حين أن النصوص تتحدث عن الرقيق.
[ ٣٦ ]
الذين لا يجدون سوى الله ناصرًا لهم، وليصغ الذين يضربون خدمهم إلى ما يرويه لنا أبو مسعود البدري بقوله: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي: «اعلم أبا مسعود» فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني؛ إذا هو رسول الله - ﷺ -، فإذا هو يقول: «اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» قال: فقلت لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا.
وفي رواية: فقلتُ: يا رسول الله، هو حر لوجه الله. فقال - ﷺ -: «أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار» (١).
وإذا كان هذا الضرب حرامًا للملوك المقيد حريته؛ فهو أشد حرمة وإثمًا في الخادم والسائق وأمثالهما؛ لكمال الحرية وتمامها.
ويستنبط النووي بعض الفوائد من الحديث فيذكر منها: "الحث على الرفق بالمملوك، والوعظ والتنبيه على استعمالِ العفو وكظمِ الغيظ، والحكمِ [بالرحمة] كما يحكم الله على عباده" (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (١٦٥٩).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٥٩).
[ ٣٧ ]
وللحد من ظلم العبيد والتطاول عليهم بالضرب جعل النبي - ﷺ - ضرب المملوك من موجبات عتقه، حتى يخلص ضاربه من إثم الضرب والتطاول عليه، وقد أعتق ابن عمر مملوكًا له، ثم أخذ من الأرض عودًا فقال: ما فيه من الأجر ما يسوى هذا [أي أن عتاقه لغلامه ليس فيه أجر]، إلا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه» (١) فابن عمر إنما يعتق مملوكه لأنه ضربه، وكل ما يرقبه من عِتاقه أن يتجاوز الله عنه، ولا يرى أنه مستحق من الأجر ما يستحقه المتبرع بذلك ابتداء.
وفي موقف آخر عالج النبي - ﷺ - بمثل هذا الدواء تطاول البعض على مستخدميهم، فيقول معاوية بن سويد: كنا بني مقرن على عهد رسول الله - ﷺ - ليس لنا إلا خادم واحدة، فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: «أعتقوها» قالوا: ليس لهم خادم غيرُها. فقال: «فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها» (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (١٦٥٧).
(٢) أخرجه مسلم ح (١٦٥٨).
[ ٣٨ ]
وحتى لا يقع المرء في ضرب خادمه أو الإساءة إليه أمر النبي - ﷺ - بالتخلص من المملوك الذي لا يلائم مالكه، حتى لا يكون خلاف الطباع بينهما سببًا في ظلمه واضطهاده، فقد قال - ﷺ -: «من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تلبسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله» (١)، وقياسًا عليه يمكن القول بأن الخادم أو السائق أو المستخدم الذي لا يلائم صاحب العمل في طباعه؛ فالأفضل مفارقته؛ والبحث عن غيره، حتى لا يقع رب العمل في ظلمه والإضرار به.
وهذا الأدب في التعامل مع الخدم المسيئين نبه عليه النبي - ﷺ - رجلًا قعد ذات يوم بين يدي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يُكذِّبونَني ويخونونَني ويعصونَني؛ وأشتمُهم وأضربُهم، فكيف أنا منهم؟ فأجابه - ﷺ - ناصحًا وواعظًا: «يحسب ما خانوك وعصوك وكَذّبوك، وعقابُك إياهم، فإن كان عقابُك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابُك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل».
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٥١٦١)، وأحمد ح (٢٠٩٧٢).
[ ٣٩ ]
فتنحى الرجل، فجعل يبكي ويشهق لما يعلم من حاله مع مملوكيه وما ينتظره بين يدي الله الديان يوم القيامة، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما تقرأ كتاب الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: ٤٧)»، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدكم أنهم أحرار كلهُم (١).
وقد حذر النبي - ﷺ - في حديث آخر من سوء المعاملة أبلغ تحذير وأشده حين قال: «لا يدخل الجنة سيئ الملَكة» (٢)، والمراد سيء المعاملة مع العبيد والخدم، ويقاس عليه الخدم وغيرهم.
وفي رواية لابن ماجه زاد فيها: «فأكرموهم ككرامة أولادكم، وأطعموهم مما تأكلون» (٣).
وهكذا فالله يحسِب لنا وعلينا معاملتنا مع أولئك المساكين الذين يقومون بخدمتنا، والعاقل يضِنُّ بآخرته أن يفسدها معاملتُه لمثل هؤلاء الذين لا تلائمه طباعهُم، فالأفضل
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٥٨٦٥)، والترمذي ح (٣١٦٥).
(٢) أخرجه أحمد ح (٣٢).
(٣) أخرجه ابن ماجه ح (٣٦٩١)، وفيه ضعف.
[ ٤٠ ]
مفارقتُهم والسلامة من ظلمهم ومن الوقوف بين يدي الله يوم الحساب للقصاص لهم.
وما فتئ النبي - ﷺ - يزجر الذين يقسون على خدمهم، ومن ذلك أن عميرًا مولى آبي اللحم قال: أمرني مولاي أن أجفف لحمًا، فجاءني مسكين، فأطعمته منه، فعلم بذلك مولاي فضربني، فأتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له، فدعاه فقال: «لم ضربتَه؟» فقال: يعطي طعامي بغير أن آمرَه. فقال - ﷺ -: «الأجر بينكما» (١) فأرشده النبي - ﷺ - إلى الخير الذي ساقه إليه غلامُه، فحق هذا الغلام عليه الشكر؛ لا الزجر والضرب.
وحتى اليوم الأخير من حياة النبي - ﷺ - لم يخل من وصاته - ﷺ - بالمستضعفين والمساكين؛ رغم ضعف جسده ووهنه وألام النزع، يقول أنس بن مالك: كانت عامة وصية رسول الله - ﷺ - حين حضره الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول الله - ﷺ - يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه (٢)، فهل ترانا نقدر على تصور حال النبي - ﷺ - وهو في النزع الشديد، فلا يمنعه ذلك من الوصاة بكل ضعيف مستضعف،
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (١٠٢٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه ح (٢٦٩٧)، وأحمد ح (١١٧٥٩)، واللفظ له.
[ ٤١ ]
فهل ترانا نعمل بوصية نبينا - ﷺ - الأخيرة ونتأسى به في الامتناع عن إيذاء من يعملون في خدمتنا؟
والوصاة بهؤلاء لا تتوقف عند منع الإساءة إليهم، بل ترتفع إلى المطالبة بحسن معاملتهم وعدم إرهاقهم بتكالف العمل، بل وبالاهتمام بهم ومشاركتهم في الملبس والمطعم، فقد قال - ﷺ -: «إخوانكم خولُكم [أي خدمكم وعطية الله لكم] جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده؛ فليُطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (١).
وفي حديث آخر قال - ﷺ -: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» (٢)، وفي هذا الحديث "النهي عن سب الرقيق وتعييرهم بمن ولدهم، والحث على الإحسان إليهم والرفق بهم، ويلتحق بالرقيق من في معناهم من أجير وغيره، وفيه عدم الترفع على المسلم والاحتقار له .. وإطلاق الأخ على الرقيق، فإن أريد القرابة فهو على سبيل المجاز لنسبة الكل إلى آدم" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٠)، ومسلم ح (١٦٦١).
(٢) أخرجه مسلم ح (١٦٦٢).
(٣) فتح الباري ح (٥/ ١٧٥).
[ ٤٢ ]
من حقوق الخدم والمستخدمين:
ومما يوصي به النبي - ﷺ - في حق الخادم أن يطعمه صاحب العمل من طعامه، لا بل يوصيه - ﷺ - أن يأكل معه، لا أن ينفرد عنه في الطعام كبرًا وترفعًا، فقد قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي علاجه [أي طبخه]) (١).
وقد سبق النبي - ﷺ - إلى هذه الخلة الجميلة، إطعام الخادم، فقد أهدى الصحابي الجليل أنس بن مالك لرسول الله - ﷺ - ثلاثة طوائر، فأطعم خادمَه طائرًا (٢).
أما حين يقصر صاحب العمل بمسؤوليته فلا يؤدي حقوق خدمه عليه، فإن شرع الله يجعله محلًا للعقوبة والزجر، فحين أساء حاطب بن أبي بلتعة إلى رقيقه، فقصر في إطعامهم سرقوا، فرفع الأمر إلى عمر، فغرمه بذنبهم، وعفا عنهم.
وتفصيل القصة يحكيه لنا يحيى بنُ عبد الرحمن بن حاطب، فيذكر أن رقيقًا لجده حاطب سرقوا ناقة لرجل من
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٥٥٧)، ومسلم ح (١٦٦٣).
(٢) أخرجه أحمد في المسند ح (١٢٦٣١)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب ح (٥٤٥).
[ ٤٣ ]
مزينة، فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر أن تقطع أيديهم.
ثم استدرك عمر، فقال لحاطب: (أراك تجيعهم، والله لأغرمنّك غُرمًا يشق عليك)، فأمره أن يدفع للمزني ضعف ثمن الناقة التي سرقها رقيقه، وعفا عنهم بعد أن رأى في جوعهم شبهة تدرأ الحد.
ومما ينبغي للخادم من الحق زيارته في مرضه وتفقد أحواله؛ ولو كان هذا الخادم غير مسلم، كما صنع النبي - ﷺ - مع غلام يهودي كان يخدمه، فمرض، فأتاه النبي - ﷺ - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم - ﷺ -، فأسلم.
فخرج النبي - ﷺ - وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» (١).
وهذه العيادة للأجير غير المسلم هي بعض البر الذي أوصى به الله في القرآن بقوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٣٥٦).
[ ٤٤ ]
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨)، والبر المأمور به شامل لكل أنواع الخير وحسن الخلق.
ومما يوصي به - ﷺ - من حقوق الخدم المسارعة إلى توفيتهم أجورهم وحقوقهم من غير بخس ولا مطل، فقد قال - ﷺ -: «أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (١).
وأما الذين يأكلون حقوق الأجراء فيحذرهم - ﷺ - بأنه سيكون خصمهم يوم القيامة، فقال: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمتُه يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه ولم يوفه أجره» (٢)، وهو ﵊ خصم لجميع الظالمين؛ إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح (٣)، فهم متوعدون بالظلمات يوم القيامة: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٢٢٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه ح (٢٤٤٢)، وأحمد ح (٨٤٧٧)،
(٣) انظر: فتح الباري (٤/ ٤١٨).
(٤) أخرجه البخاري ح (٢٤٤٧)، ومسلم ح (٢٥٧٨)، واللفظ له.
[ ٤٥ ]
وهكذا، فإن ما سقناه من هدي النبي - ﷺ - في التعامل مع العبيد والموالي، يحثنا على حسن معاملة خدمنا وسائقينا وغيرهم من أُجرائنا؛ إذ هم مشتركون معهم في الضعف وقلة الحيلة، فهؤلاء ظلمهم من أشد الظلم وأقساه، وهذا هو ميزان محبة النبي - ﷺ - الذي ندعيه جميعًا.
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
[ ٤٦ ]