قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ التوبة: ١٢٤.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: ﴿وإذا أنزل اللَّه سورة من سور القرآن على نبيه محمد -ﷺ-، فمن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم فى هذه السورة، من يقول: أيها الناس أيكم زادته هذه السورة إيمانا؟ يقول: تصديقا باللَّه وآياته، يقول اللَّه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من الذين قيل لهم ذلك ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾ السورة التى أنزلت ﴿إِيمَانًا وَهُمْ﴾ يفرحون بما أعطاهم اللَّه من الإيمان واليقين.
فإن قال قائل: أو ليس الإيمان فى كلام العرب: التصديق والإقرار؟ قيل: بلى. فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقا وإقرارا؟ قيل: زادتهم إيمانا حين نزلت، لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن لزمهم فرض الإقرار بها والعمل بها بعينها إلا فى جلة إيمانهم بأن كل
[ ٢٦٨ ]
ما جاءهم به نبيهم -ﷺ- من عند اللَّه فحق، فلما أنزل اللَّه السورة لزمهم فرض الإقرار بأنها بعينها من عند اللَّه، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام اللَّه وحدوده وفرائضه، فكان ذلك هو الزيادة التى زادهم نزول السورة حين نزلت، من الإيمان والتصديق بها (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ التوبة: ١٢٥.
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٧٢/ ١١). قلت: يصف الرب تعالى فى هذه الآية عباده المؤمنين الذين يزيد إيمانهم بنزول القرآن الكريم، قال ابن الجوزى فى زاد المسير (٥١٨ - ٥١٩/ ٣): ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ هذا قول المنافقين بعضهم لبعض استهزوا بقول اللَّه تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ لأنهم إذا صدقوا بها وعملوا بما فيها، زادتهم إيمانا. وقال القرطبى فى تفسيره (٢٩٨ - ٢٩٩/ ٨): ﴿ما﴾ صلة والمراد المنافقون (أيكم زادته هذه إيمانا﴾ كتب الحسن الى عمر بن عبد العزيز أن للإيمان سننا، وفرائض من استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكمل، لم يستكمل الإيمان، قال عمر بن عبد العزيز: فإن أعش فسأبينها لكم، وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص. ذكره البخارى فى الصحيح. وقال ابن المبارك: لم أجد بدا من أن أقول بزيادة الإيمان، وإلا رددت القرآن. قلت: هو كذلك وزيادة الإيمان ثابتة بنص الكتاب الكريم والسنة الصحيحة ولا يمكن ردها. انظر الجمان فى تشبيهات القرآن ص ٣٦٠.
[ ٢٦٩ ]
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ نفاق وشك فى دين اللَّه، فإن السورة التى أنزلت زادتهم رجسا الى رجسهم، وذلك أنهم شكوا فى أنها من عند اللَّه، فلم يؤمنوا بها ولم يصدقوا، فكان ذلك زيادة شك حادثة، فى تنزيل اللَّه، لزمهم الإيمان به، عليهم، بل ارتابوا بذلك، فكان ذلك زيادة فتن من أفعالهم، الى ما سلف منهم نظيره من الفتن والنفاق، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا﴾ يعنى هؤلاء المنافقين انهم هلكوا ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: يعنى وهم كافرون باللَّه وآياته (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٧٣/ ١١). قلت: هذا وصف للمنافقين الذين يزيدهم اللَّه نفاقا وإرجافا فى قلوبهم عند نزول القرآن الكريم. قال ابن الجوزى فى زاد المسير (٥١٩/ ٣): وفى المراد بالرجس ثلاثة أقوال: أحدها: الشك، قاله ابن عباس. والثانى: الإثم، قاله مقاتل، والثالث: الكفر، لأنهم كلما كفروا بسورة زاد كفرهم، قاله الزجاج. وقال القرطبى فى تفسيره (٢٩٩/ ٨): ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أى شك وريب. ونفاق، وقد تقدم انظر تفسير القرطبى (١٩٧/ ١) ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أى شكا الى شكهم كفرا الى كفرهم، وقال مقاتل: إثما الى إثمهم، والمعنى متقارب. وهكذا قال ابن كثير (٢٧٣/ ٤) مع البغوى، وقال الألوسى فى روح المعانى (٥١/ ١١): أى نفاقا ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أى نفاقا مضموما الى نفاقهم، فالزيادة متضمنة معنى الضم ولذا عديت بإلى، وقيل: إلى معنى مع ولا حاجة إليه. =
[ ٢٧٠ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ التوبة: ١٢٦.
قال أبو جعفر:
اختلف القراء فى قراءة قوله ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ فقرأته عامة قراء الأمصار ﴿أولا يرون﴾ بالياء، بمعنى أو لا يرى هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض النفاق. وقرأ ذلك حمزة ﴿أو لا ترون﴾ بالتاء، بمعنى أو لا ترون أنتم أيها المؤمنون أنهم يفتنون.
والصواب عندنا من القراءة فى ذلك: الياء على وجه التوبيخ من اللَّه لهم، لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه وحجة معناه. فتأويل الكلام إذن: أو لا يرى هؤلاء المنافقون أن اللَّه يختبرهم فى كل عام مرة أو مرتين، بمعنى أنه يختبرهم فى بعض الأعوام مرة، فى بعضها مرتين. ثم لا يتوبون يقول: ثم هم مع البلاء الذى يحل بهم من اللَّه والإختبار الذى
_________________
(١) = قلت: كل هذه الأقوال متقاربة لا فرق كبير بين هذه الأقوال قال الرازى فى التفسير الكبير (٢٣١ - ٢٣٢/ ١٦): والمراد من الرجس، إما العقائد الفاسدة أو الأخلاق المذمومة، فإن كان الأول، كان المعنى أنهم مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك والآن صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة فقد انضم كفر الى كفر، وإن كان الثانى كان المراد أنهم كانوا فى الحسد والعداوة، واستنباط وجوه المكر، والكيد والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة. قلت: قد يكون المراد كلا الأمرين أو أكثر واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[ ٢٧١ ]
يعرض لهم، لا ينيبون من نفاقهم، ولا يتوبون من كفرهم، وهم لا يتذكرون بما يرون من حجج اللَّه، ويعاينون من آياته، ليتعظوا بها، ولكنهم مصرون على نفاقهم (١).
قال أبو جعفر:
واختلف أهل التأويل فى معنى الفتنة التى ذكر اللَّه فى هذا الموضع
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٧٣/ ١١). قال ابن الجوزى فى زاد المسير (٥١٩ - ٥٢٠/ ٣) وفى معنى (يفتنون) ثمانية أقوال: أحدها: يكذبون كذبة أو كذبتين يضلون بها، قاله حذيفة بن اليمان. والثانى: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: يبتلون بالغزو فى سبيل اللَّه، قاله الحسن، وقتادة. والرابع: يفتنون بالسنة، والجوع، قاله مجاهد. والخامس: بالأوجاع والأمراض، قاله عطية العوفى. والسادس: ينقضون عهدهم مرة أو مرتين، قاله يمان. والسابع: يكفرون باللَّه وبرسوله -ﷺ- فيما أخبرهم، قاله مقاتل بن سليمان. والثامن: يفضحون، بإظهار نفاقهم، قاله مقاتل بن حيان. قلت: كل هذه الأقوال أشار إليها السيوطى فى الدر المنثور (٢٩٣/ ٣) ولم يصح منها أى شيء من حيث الاسناد وأما من حيث الواقع فهو صحيح وقد تكون الفتنة المشار إليها فى القرآن كل هذه الأشياء المذكورة واللَّه تعالى أعلم انظر ابن كثير مع البغوى (٢٧٣ - ٢٧٤/ ٤) والقرطبى (٢٩٩ - ٣٠٠/ ٨).
[ ٢٧٢ ]
أن هؤلاء المنافقين يفتنون بها، فقال بعضهم: ذلك اختبار اللَّه إياهم بالقحط والشدة.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع (١)، ثنا ابن نمير (٢)، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح (٣) عن مجاهد ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: بالسنة والجوع (٤).
_________________
(١) ابن وكيع هو سفيان بن وكيع بن الجراح، أبو محمد الرؤاسى الكوفى، كان صدوقا، إلا أنه ابتلى بوراقة، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه، من العاشرة/ ت - ق انظر التقريب (٣١٢/ ١).
(٢) أما ابن نمير فهو عبد اللَّه بن نمير، بنون، مصغرا، الهمدانى، أبو هشام الكوفى ثقة، صاحب حديث، من أهل السنة، من كبار التاسعة مات ١٩٩ وله أربع وثمانون سنة/ ع انظر التقريب (٤٥٧/ ١).
(٣) أما ابن أبى نجيح فهو عبد اللَّه بن أبى نجيح، يسار المكى، أبو يسار الثقفى مولاهم، ثقة رمى بالقدر، وربما دلس، من السادسة، مات ١٣١ أو بعدها/ ع انظر التقريب (٤٥٦/ ١).
(٤) انظر تفسير ابن جرير الطبرى (٧٣/ ١١). قلت: هذا الأثر مقطوع، من كلام مجاهد بن جبير المكى، وفى إسناده ضعف لأن فيه سفيان بن وكيع وهو ساقط الحديث إلا أن الأثر الآتى بإسناد صحيح يؤيده. انظر الدر المنثور للسيوطى (٢٩٣/ ٣) إذ قال السيوطى: أخرج ابن أبى شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد، ثم ذكر الأثر انظر فتح القدير للشوكانى (٣٩٨ - ٣٩٩/ ٢). والقرطبى (٢٩٩/ ٨) والبغوى مع ابن كثير (٢٧٤/ ٤). وفتح البيان للسيد صديق حسن خان =
[ ٢٧٣ ]
قال أبو جعفر:
حدثنى محمد بن عمرو (١)، قال: ثنا أبو عاصم (٢)، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، فى قول اللَّه تعالى ﴿يُفْتَنُونَ﴾ قال: يبتلون ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: بالسنة والجوع (٣).
_________________
(١) = (٢٢١ - ٢٢٢/ ٤). والقاسمى فى تفسيره (٣٣٠٢ - ٣٣٠٣/ ٨). والكشاف للزمخشرى (٥٧٧/ ١). والبحر المحيط لأبى حيان (١١٦ - ١١٧/ ٥) وقال الألوسى فى روح المعانى (٥١/ ١١): الفتنة هنا بمعنى البلية والعذاب، وقيل: بمعنى الإختبار، والمعنى أو لا يرون أنهم يختبرون بالجهاد مع رسول اللَّه -ﷺ-، فيعاينون ما ينزل عليه من الآيات، لاسيما الآيات الناعية عليهم قبائحهم. ثم ذكر أثر مجاهد. إلا أنه رجح العموم. قلت: والعموم أولى لأن العبرة بعموم اللفظ واللَّه أعلم.
(٢) محمد بن عمرو فهو محمد بن عمرو بن العباس. أبو بكر الباهلي البصرى ثقة انظر تاريخ بغداد (١٢٧/ ٣) وذكر الخطيب وفاته سنة ٢٤٣ هـ.
(٣) أبو عاصم، هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيبانى، أبو عاصم النبيل، البصرى، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ٢١٢ هـ أو بعدها/ ع / انظر التقريب (٢٧٣/ ١).
(٤) انظر تفسير ابن جرير الطبرى (٧٤/ ١١) والدر المنثور (٢٩٣/ ٣) وزاد المسير لابن الجوزى (٥١٩/ ٣) والقرطبى فى تفسيره (٢٩٩/ ٨) وفتح البيان للسيد صديق حسن خان (٢٢٠/ ٤). والكشاف للزمخشرى (٥٧٣/ ١) والبحر المحيط لأبى حيان (١١٦ - ١١٧/ ٥). قلت هذا الأثر مقطوع من كلام مجاهد بن جبر المكى رضي اللَّه تعالى عنه بصحيح الاسناد وقد تكون السنة والجموع من جملة الفتن التى افتتن بها هؤلاء المنافقون. وأخرج ابن جرير الطبرى =
[ ٢٧٤ ]
قال أبو جعفر:
وقال آخرون: بل معناه: إنهم يختبرون بالغزو والجهاد. وذكر من قال ذلك حدثنا بشر (١)، قال حدثنا يزيد (٢) قال: ثنا سعيد (٣)، عن قتادة قوله: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: يبتلون بالغزو فى سبيل اللَّه فى كل عام مرة أو مرتين (٤).
_________________
(١) = فى تفسيره (٧٤/ ١١) هذا الأثر عن مجاهد بإسناد آخر وهو يقول: حدثنا المثنى، قال: ثنا شبل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ثم ذكر نحوه. قلت: رجال هذا الاسناد كلهم ثقات إلا المثنى فهو لم أجد له ترجمة. ثم قال أبو جعفر: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، ثم ذكر مثل ما ذكر عن طريق محمد بن عمرو، قلت: رجال هذا الاسناد كلهم ثقات إلا سنيد بن داود المصيصي فهو ضعيف انظر ترجمته (٣٣٥/ ١) فى التقريب.
(٢) بشر هو بشر بن معاذ العقدى بفتح المهملة والقاف - أبو سهل البصرى الضرير، صدوق، من العاشرة، مات سنة بضع وأربعين ومائتين/ ت س - ق. انظر التقريب (١٠١/ ١).
(٣) يزيد، وهو يزيد بن زريع، بتقديم الزاى، مصغرا، البصرى، أبو معاوية، ثقة، ثبت، من الثامنة، مات ١٨٢/ ع انظر التقريب (٣٦٤/ ٢).
(٤) أما سعيد فهو سعيد بن أبى عروبة، مهران: اليشكرى، مولاهم، أبو النضر البصرى ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس فى قتادة، من السادسة مات سنة سبع وخمسين ومائة/ ع انظر التقريب (٣٠٢/ ١).
(٥) تفسير ابن جرير الطبرى (٧٤/ ١١). =
[ ٢٧٥ ]
قال أبو جعفر:
وقال آخرون: بل معناه: أنهم يختبرون بما يشيع المشركون من الأكاذيب على رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه. فيفتتن بذلك الذين فى قلوبهم مرض وذكر من قال ذلك. حدثنا أحمد بن إسحاق (١)، قال: ثنا
_________________
(١) = قلت: ذكره الحافظ فى طبقات المدلسين فى الطبقة الثانية ص ٩ فإذن لا يضر تدليسه لأنه من الطبقة الثانية ولأن التدليس المضر يبدأ من الطبقة الثالثة فما فوق. انظر الدر المنثور فإنه أشار الى رواية قتادة هذه (٢٩٣/ ٣) قال أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة ثم ذكر الأثر. قلت: الأثر هذا صحيح الاسناد، الى قتادة. وأخرج ابن جرير الطبرى فى تفسيره (٧٤/ ١١): أثرا آخر بهذا المعنى عن الحسن بقوله: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن مثله. قلت: إسناد هذا الأثر الى حسن البصرى صحيح. وإلى هذا الأثر أشار ابن كثير فى تفسيره (٢٧٤/ ٤) مع البغوى وابن الجوزى فى تفسيره (٥١٨/ ٣) والألوسى فى روح المعانى (١٥١/ ١). قلت: فلا مانع من أن تكون هذه الأشياء المذكورة كلها من الفتن التى افتتن بها المنافقون المتخلفون عن غزوة تبوك وغيرها.
(٢) أحمد بن إسحاق هو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازى، ينسب الى الأهواز: بفتح الألف وسكون الهاء، وهى بلدة خرب أكثرها وكان محلها -زمن ابن الأثير- يقال له: سوق الأهواز، البزار بالباء المفتوحة والزاى المشددة آخره، صاحب السلعة، أبو إسحاق صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ٢٥٠ هـ / د انظر التقريب (١١/ ١). * * *
[ ٢٧٦ ]
أبو أحمد (١) قال: ثنا شريك (٢)، عن جابر (٣)، عن أبى الضحى (٤)، عن حذيفة (٥) قال: كان لهم فى كل عام كذبة أو كذبتان (٦).
_________________
(١) أبو أحمد هو محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدى، أبو أحمد الزبيرى الكوفى، ثقة ثبت، إلا أنه يخطئ فى حديث الثورى، من التاسعة، مات ٢٠٣/ ع انظر التقريب (١٧٦/ ٢).
(٢) شريك هو شريك بن عبد اللَّه النخعى الكوفى، القاضى بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد اللَّه، صدوق، يخطئ كثيرا تغير حفظه منذ أن ولى القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلا عابدا، شديدا على أهل البدع، من الثامنة، مات سنة ١٨٧ هـ / خت م - عم انظر التقريب (٣٥١/ ١).
(٣) جابر، هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفى، أبو عبد اللَّه الكوفى، ضعيف رافضى من الخامسة، مات سنة ١٢٧ هـ وقيل سنة ١٣٢ هـ / د ت س انظر التقريب (١٢٣/ ١).
(٤) أبو الضحى هو مسلم بن صبيح، بالتصغير، الهمدانى، أبو الضحى الكوفى، العطار مشهور بكنيته، ثقة، فاضل، من الرابعة، مات سنة مائة/ ع انظر التقريب (٢٤٥/ ٢).
(٥) حذيفة هو حذيفة بن اليمان، واسم اليمان، حسيل مصغرا، ويقال: حسل بكسر ثم سكون، العبسى، بالموحدة، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، صح فى مسلم عنه أن رسول اللَّه -ﷺ- أعلمه بما كان، وما يكون الى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابى أيضا، استشهد بأحد، ومات حذيفة فى أول خلافة على سنة ٣٦/ ع انظر التقريب (١٥٦/ ١).
(٦) تفسير ابن جرير الطبرى: (٧٤/ ١١). قلت: هذا الخبر ضعيف لأن فيه جابر الجعفى وهو ضعيف والخبر قد أخرجه غير ابن جرير الطبرى ابن المنذر فى تفسيره وابن أبى حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه. انظر الدر المنثور للسيوطى (٢٩٣/ ٣) وزاد المسير لابن الجوزى (٥١٩/ ٣) وابن كثير فى تفسيره (٢٧٤/ ٤) مع البغوى. =
[ ٢٧٧ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ التوبة: ١٢٧.
قال أبو جعفر:
قال اللَّه تعالى ذكره: وإذا ما أنزلت سورة من القرآن فيها عيب هؤلاء المنافقين الذين وصف جل ثناءه صفتهم فى هذه الصورة، وهم عند رسول اللَّه -ﷺ-، نظر بعضهم الى بعض، فتناظروا: هل يراكم من أحد إن تكلمتم أو تناجيتم بمعايب القوم يخبرهم به، ثم قاموا فانصرفوا من عند رسول اللَّه -ﷺ-، ولم يستمعوا قراءة السورة التى فيها معايبهم، ثم ابتدأ جل ثناءه قوله ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فقال: صرف اللَّه عن الخير،
_________________
(١) = ثم قال ابن جرير: وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة: أن يقال: إن اللَّه عجب عباده المؤمنين من هؤلاء المنافقين، ووبخ المنافقين فى أنفسهم بقلة تذكرهم وسوء تنبههم لمواعظ اللَّه تعالى يعظهم بها، وجائز أن تكون تلك المواعظ الشدائد التى ينزلها بهم من الجوع والقحط، وجائز أن يكون ما يريهم من نصرة رسوله -ﷺ- على أهل الكفر به، ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم، وجائز أن يكون ما يظهر للمسلمين من نفاقهم، وخبث سرائرهم بركونهم الى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول اللَّه -ﷺ-، وأصحابه ولا خبر يوجب صحة بعض ذلك دون بعض، من الوجه الذى يجب التسليم له، ولا قول فى ذلك أولى بالصواب من التسليم لظاهر قول اللَّه تعالى، وهو: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ بما يكون زاجرا لهم، ثم لا ينزجرون ولا يتعظون.
[ ٢٧٨ ]
والتوفيق، والإيمان باللَّه، ورسوله قلوب هؤلاء المنافقين، ذلك ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ يقول: فعل اللَّه بهم هذا الخذلان، وصرف قلوبهم عن الخيرات، من أجل أنهم قوم لا يفقهون عن اللَّه مواعظه، استكبارا ونفاقا (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٧٥/ ١١). قال القرطبى فى تفسيره (٢٩٩ - ٣٠٠/ ٨): "ما" صلة، والمراد المنافقون، إذا حضروا الرسول -ﷺ- وهو يتلو القرآن وفيه فضيحتهم أو فضيحة أحد منهم جعل ينظر بعضهم الى بعض نظر الرعب على جهة التقرير. ثم قال القرطبى: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ دعاء عليهم، أى قولوا لهم هذا ويجوز أن يكون خبرا من صرفها عن الخير مجازاة على فعلهم، وهى كلمة يدعى بها. أخبر اللَّه تعالى فى هذه الآية أنه صارف القلوب، ومصرفها، وقالبها، ومقلبها ردًا على القدرية فى إعتقادهم، أن قلوب الخلق بأيديهم وجوارحهم بحكمهم، يتصرفون بمشيئتهم، ويحكمون بإرادتهم، واختيارهم، ولذلك قال مالك فيما روى عنه أشهب ما أبين هذا فى الرد على القدرية. انظر تفسير الآية فى زاد المسير لابن الجوزى (٥٢٠/ ٣) وابن كثير فى تفسيره (٢٧٣ - ٢٧٤/ ٤) مع البغوى والسيوطى فى الدر المنثور (٢٩٣/ ٣) وروح المعانى للألوسى (٥١ - ٥٢/ ١١) والبحر المحيط لأبى حيان (١١٧/ ٥) والكشاف للزمخشرى (٥٧٣/ ١) وفتح البيان للسيد صديق حسن خان (٢٢١ - ٢٢٢/ ٤) وتفسير القاسمي (٣٣٠٣ - ٣٣٠٤/ ٨) وفتح القدير للشوكانى (٣٩٨ - ٤٠٠/ ٢) وفى ظلال القرآن للسيد قطب (٤٥ - ٤٦/ ١١) وغرر الفوائد ودرر القلائد (٥١٤/ ١) وبصائر ذوى التمييز (٢٣٦ - ٢٣٧/ ١). * * *
[ ٢٧٩ ]