أ- خرج أبو سفيان بن حرب أوائل الخريف من السنة الثانية الهجرية في تجارة كبيرة الى الشام، وقد أراد المسلمون اعتراضها في غزوة (العشيرة) عند ذهابها الى الشام، ولكنها تملّصت منهم.
وتحيّن المسلمون عودتها من الشام، فبعث الرسول ﷺ طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ينتظرانها، حتى إذا وصلا (الحوراء) «١» على طريق الشام- مكة مكثا هناك، فلما مرّت القافلة بهم، أسرعا الى المسلمين يخبر ان النبي ﷺ بأمرها.
ندب الرسول ﷺ المسلمين للخروج، وقال لهم: (هذه عير قريش فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفلكموها) .
_________________
(١) - الحوراء: كورة من كور مصر القبلية في آخر حدودها من جهة الحجاز، وهي على البحر الأحمر، وهي مرفأ سفن مصر الى المدينة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٣/ ٣٥٩.
[ ١٠٢ ]
وخفّ قسم من الناس وثقل قسم منهم، لأنهم لم يظنوا أن الرسول ﷺ سيخوض معركة حاسمة ضد المشركين، بل ظنوا أن الغزوة ستكون عبارة عن مناوشات طفيفة، كما حدث في السرايا والغزوات السابقة. وأراد جماعة لم يسلموا أن يضموا الى المسلمين طمعا في الغنيمة، فأبى النبي ﷺ عليهم الانضمام أو يؤمنوا بالله ورسوله.
ب- تحركت قوات المسلمين من المدينة المنورة لثمان خلون من شهر رمضان من السنة الثانية الهجرية بالترتيبات التالية:
أولا: دورية استطلاعية أمامية للحصول على المعلومات عن اتجاهات القافلة التجارية ونيات قريش.
ثانيا: القسم الأكبر «١» مؤلف من كتيبتين: كتيبة المهاجرين ورايتها مع علي بن أبي طالب وعمير بن هاشم، وكتيبة الأنصار ورايتها مع سعد بن معاذ، وهاتان الرايتان سوداوان.
ثالثا: مؤخرة بإمرة قيس بن أبي صعصعة.
رابعا: راية المسلمين العامة بيضاء مع مصعب بن عمير بن هاشم.
ج- سلكت قوات المسلمين طريق القوافل بين المدينة وبدر البالغ طوله حوالي (١٦٠) كيلومترا، وقد قسّم الرسول ﷺ الإبل المتيسرة وعددها سبعون بعيرا على أصحابه، وكان من نصيبه مع علي بن أبي طالب ومرثد ابن أبي مرثد الغنوي بعير واحد يتعاقبونه، تماما كما يفعل أي فرد من قواته.
قال شريكا الرسول ﷺ في البعير: (نحن نمشي عنك) . فقال: (ما أنتما
_________________
(١) - القسم الأكبر: تعبير عسكري يقصد به القوة الرئيسة من القطعات المتحركة لأغراض القتال.
[ ١٠٣ ]
بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما) . وأراد بذلك المساواة مع أي فرد من قواته.
د- انطلق المسلمون مسرعين خوفا من إفلات قافلة أبي سفيان بن حرب منهم، وبثوا عيونهم يتعرفون الأخبار، فلما وصلوا قريبا من (الصفراء) «١» بعث الرسول ﷺ دورية استطلاعية قوتها رجلان الى (بدر) للحصول على المعلومات عن قريش وقافلتها، فلما وصل المسلمون (وادي ذفران) «٢» جاءهم الخبر بخروج قريش من مكة لنجدة قافلتهم.
هـ- أخبر الرسول ﷺ أصحابه بما بلغه من أمر قريش طالبا مشورتهم، فأدلى أبو بكر وعمرو برأييهما، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: (يا رسول الله! امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى:
اذهب أنت وربك فقاتلا إناها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى (برك الغماد) «٣» لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه) .
فسكت الناس فقال الرسول ﷺ: (أشيروا عليّ أيها الناس)، وكان يريد بكلمته هذه الأنصار الذين بايعوه يوم (العقبة) على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم ولم يبايعوه على صد اعتداء خارج مدينتهم، فكان الرسول ﷺ يخشى ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن يهاجمه في المدينة المنورة.
_________________
(١) - الصفراء: واد من ناحية المدينة كثير الخيرات. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٥/ ٣٦٧.
(٢) - وادي ذفران: واد قرب وادي الصفراء. أنظر معجم البلدان ٤/ ١٩٥.
(٣) - برك الغماد: موضع في اليمن. ويقال: هو أقصى حجر. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٢/ ١٤٩.
[ ١٠٤ ]
فلما أحس الأنصار أن الرسول ﷺ يريد سماع رأيهم، قام سعد بن معاذ وقال: (لكأنك تريدنا يا رسول الله)؟ فقال: (أجل) !
قال سعد: (لقد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك. فو الذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا: إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسربنا على بركة الله) .
وارتحلوا جميعا حتى إذا كانوا على مقربة من (بدر) انطلق الرسول ﷺ أمام قواته وبصحبته أبو بكر، حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، قال الشيخ: (لا أخبركما حتى تخبراني: ممن أنتما)؟
قال النبي ﷺ: (إذا أخبرتنا أخبرناك) .
علم الرسول ﷺ من شيخ العرب، أن غير قريش قريبة منه، فقال لشيخ العرب: (نحن من ماء) . ثم انصرف وصاحبه عنه والشيخ يقول: (ما من ماء؟ أمن ماء العراق)؟ وهكذا لم يخبره الرسول ﷺ عن هويته حتى لا تعلم قريش بمواضع المسلمين.
وأرسل الرسول ﷺ دوريتي استطلاع غرضهما الحصول على معلومات عن قوة قريش ومواضعها.
الدورية الأولى مؤلفة من علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه، استطاعت الوصول الى ماء بدر، وعادت ومعها
[ ١٠٥ ]
غلامان لقريش، فاستنطقهما الرسول ﷺ، وعلم منهما أن قريشا وراء الكثيب (بالعدوة القصوى) ولما أجابا: (بأنهما لا يعرفان عدد رجال قريش) .
سألهما: (كم ينحرون يوميا)؟ فأجابا: (يوما تسعا ويوما عشرا)، فاستنبط الرسول ﷺ من ذلك أنهم بين التسعمائة والألف، وعرف من الغلامين كذلك أن أشرف قريش جميعا خرجوا لمنعه.
والدورية الثانية مؤلفة من رجلين من المسلمين وصلا ماء بدر، فسمع جارية تطالب صاحبتها بدين عليها والثانية تجيبها: (إنما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك)، فعاد الرجلان فأخبرا الرسول ﷺ بما سمعا.
ز- تأهّب المسلمون لخوض المعركة وعسكروا في أدنى ماء من بدر فجاء الحباب بن المنذر «١» الى رسول الله ﷺ، فقال: (أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة)؟
_________________
(١) - الحباب بن المنذر الأنصاري السلمي، يكنى أبا عمرو، شهد بدرا وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وشهد أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله (ص) . يقال له ذو الرأي، سار رسول الله (ص) يبادر قريشا الى الماء، فلما جاء أدنى ماء من بدر نزل عليه، فقال الحباب بن المنذر: (يا رسول الله! أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة)؟! فقال رسول الله (ص): (بل هو الرأي والحرب والمكيدة) . قال الحباب: (يا رسول الله، ليس هذا بمنزل، ولكن انهض حتى تجعل القلب كلها وراء ظهرك، ثم غور كل قليب بها إلا قليبا واحدا، ثم احفر عليه حوضا، فنقاتل القوم ونشرب ولا يشربون، حتى يحكم الله بيننا وبينهم) . فقال رسول الله (ص): (أشرت بالرأي)، وفعل ذلك. توفي الحباب في خلافة عمر بن الخطاب ﵄. أنظر التفاصيل في طبقات ابن سعد ٣/ ٥٦٧، والإصابة ١/ ٣١٦، التسلسل ١٥٤٧، وأسد الغابة ١/ ٣٦٤، والاستيعاب ١/ ٣١٦، التسلسل ٤٥٨.
[ ١٠٦ ]
قال: (بل هو الحرب والرأي والمكيدة) .
قال الحباب: (يا رسول الله. فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فنعسكر فيه، ثم نعوّر «١» ما وراءه من الآبار ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون) .
أنفذ الرسول ﷺ هذا الرأي، فما حلّ نصف الليل حتى تحول المسلمون الى معسكرهم الجديد، وامتلكوا مواقع الماء، وأعلن الرسول ﷺ لأصحابه:
(أنه بشر مثلهم، وأن الرأي شورى بينهم، وأنه لا يقطع برأي دونهم، وأنه في حاجة الى حسن مشورة صاحب المشورة الحسنة منهم)
وأنجزوا بناء الحوض وملأوه ماء، ثم غوّروا المياه الأخرى، وتم كل ذلك ليلا، ثم أخذوا قسطهم من الراحة بقية الليل، ليكونوا أقوياء في الصراع الوشيك.