لم يقتصر أذى قريش على الاتهام الباطل، والتكذيب السافر والسخرية المرة، والأذى لرسول الله -ﷺ-، بل تصاعد إلى ذروة العنف وخاصة في معاملة المستضعفين من المسلمين. فنكلت بهم لتفتنهم عن دينهم، ولتجعلهم عبرة لسواهم، ولتنفس عن غضبها بما تصبه عليهم من العذاب.
قال عبد الله بن مسعود -وهو شاهد عيان-: "أول من أظهر إسلامه سبعة، رسول الله -ﷺ-، وأبو بكر، وعمار، وأمه سُميّة، وصهيب، وبلال، والمقداد.
فأما رسول الله -ﷺ- فمنعه الله بعمه أبي طالب. وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه.
وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٣٠٣، ٣٦٨ بإسنادين صحيحين كما قال أحمد شاكر في حاشية مسند أحمد ٤/ ٢٦٩، ٥/ ١٦٣ وانظر مستدرك الحاكم ٣/ ١٥٧.
(٢) مسند أحمد ٣/ ٢٨٦ وسنن الترمذي ٤/ ٦٤٥ وقال: هذا حديث حسن غريب، وفي تحفة الأشراف ١/ ١٢٣ وتحفة الأحوذي ٣/ ٣٠٩ قال: حسن صحيح. وصححه الألباني: صحيح الجامع ٥٠٠١ ومشكاة المصابيح ٣/ ١٤٤٦. وأما حديثه -ﷺ- مع وفد ثقيف عن أذى قريش له في مسند أحمد ٤/ ٣٤٣ فإسناده ضعيف فيه عثمان بن عبد الله بن أوس انفرد ابن حبان بتوثيقه وقال ابن حجر: مقبول (تقريب ٣٨٤) وفيه عبد الله بن عبد الطائفي فيه ضعف ويعتبر بحديثه (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٩٩).
[ ١ / ١٥٤ ]
نفسُه في الله وهان على قومه، فأعطوه الولدان وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحَدٌ أحَد " (١).
ثم اشترى أبو بكر بلالًا فأعتقه (٢).
ويذكر عروة بن الزبير -إمام أهل المغازي- "أعتق أبو بكر -﵁- ممن كان يعذَّبُ في الله سبعة: عامر بن فُهيرة، وبلال، ونُذيرة، وأم عُبيس، والنَّهدية، وأختها، وجارية بني عمرو بن مؤمل" (٣).
ومما ذكره عروة بن الزبير عن عذاب المستضعفين: أن أبا بكر مرَّ بالنَّهدية ومولاتها تعذبها، تقول: والله لا أعتقك حتى تعتقك حياتك. فقال أبو بكر فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، فقال: قد أخذتها وأعتقتها. ثم قال للنهدية: ردي عليها طحينها.
قالت: دعني أطحنه لها (٤)!!
ويذكر عروة أيضًا: ذهب بصر زنيرة، وكانت ممن تعذب في الله ﷿ على الإسلام، فتأبى إلا الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا
_________________
(١) أحمد: المسند ١/ ٤٠٤ بإسناد حسن، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٢٨٤) وصححه الذهبي في السيرة النبوية ١٣٧ وفيه عاصم بن أبي النجود صدوق له أوهام (تقريب ٢٨٥) وله شاهد صحيح السند من مرسل مجاهد (مصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٧ - ٤٩).
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٩٩) وابن أبي شيبة: المصنف ١٤/ ٣١٢ بإسناد صحيح لكنه من مرسل قيس بن أبي حازم ويقول: "اشترى أبو بكر بلالا بخمس أواقِ وهو مدفون بالحجارة. قالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعنا، فقال: لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته".
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ١٠ بإسناد صحيح إلى عروة لكنه مرسل والطبراني: المعجم الكبير ١/ ٣١٨ - ٣١٩ وانفرد بوصله عن عائشة في المستدرك ٣/ ٢٨٤ وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) ابن إسحاق: السير والمغازي ١٩١ من مرسل عروة. والغالب أن أخبار أبي بكر (رض) إنما أخذها عروة عن خالته أم المؤمنين عائشة -﵂-.
[ ١ / ١٥٥ ]
اللات والعزى. فقالت: كذا!؟ والله ما هو كذلك. فرد الله عليها بصرها (١).
وكان أبو بكر -﵁- يعتق المستضعفين من الرقيق المسلم فقال له أبوه أبو قحافة: لو أنك أعتقت رجالًا جلدًا يمنعونك؟ فبين له أبو بكر أنه يريد بذلك وجهً الله لا المَنَعة. فنزلت الآية ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ إلى قوله ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢)﴾ (٣).
وقد وردت روايات كثيرة في ألوان العذاب التي لقيها عمار بن ياسر وأهله، وهي تكفي لإثبات وقوع الحادث تاريخيًا (٤)، وقد ذكر المفسرون أن الآية ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (٥) نزلت في عمار (٦).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) الليل ٥ - ٢١.
(٣) الحاكم: المستدرك ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦ بإسناد حسن، لأن محمد بن عبد الله بن عتيق مقبول وقد تابعه مصعب بن ثابت عن عامر (تفسير الطبري ٣٠/ ٢٢٨) ومصعب مقبول في المتابعات (تقريب التهذيب ٤٩٠، ٥٣٣).
(٤) أما حديث (أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة) فأخرجه ابن سعد: الطبقات ٣/ ٢٤٩ بسند صحيح إلى أبي الزبير لكنه مرسل. ووصله الحاكم عن جابر، ولا يصح وصله لضعف شيخ الحاكم ولو صح سنده لبقي الضعف في السند لتدليس أبي الزبير لأنه ليس من طريق الليث عن أبي الزبير (المستدرك ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩). ورواه الحارث بن أبي أسامة بسند منقطع لأن سالم بن أبي الجعد (ت ٩٧ هـ) لم يسمع من عثمان بن عفان وفي إسناده عبد العزيز بن أبان ضعيف (بغية الباحث في زوائد مسند الحارث حديث رقم ٩٩٤). وقد تابعه عبد الصمد بن عبد الوارث، في مسند أحمد ١/ ٦٢ وأخرجه أبو أحمد الحاكم من طريق عُقَيل عن الزهري عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيه (الإصابة ٦/ ٦٣٩) ويتوقف تصحيح الحديث على حال سنده عنده إلى عقيل، ولكنه يعضد بالروايات التي تفيد سبب نزول الآية.
(٥) النحل ١٠٦.
(٦) الطبري: تفسير ١٤/ ١٨٢ بسند حسن من مرسل أبي عبيدة بن محمد بن عامر بن ياسر (ت ٩٧ هـ) ووصله الحاكم عن أبيه ولا يصح (مستدرك ٣/ ٣٨٨) لأن شيخ الحاكم العلاء =
[ ١ / ١٥٦ ]
وممن ناله الأذى في سبيل الله خبّاب بن الأرتّ حتى سأل رسول الله أن يدعو الله ليخفف عن المستضعفين.
قال: "أتيت النبي -ﷺ-، وهو متوسدٌ بُردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّة.
فقلت: يا رسول الله ألا تدعو لنا؟
فقعد -وهو محمرُّ وجهه- فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحمِ أو عَصَب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله" (١).
وكان خبّاب يعمل حدادًا، فعمل للعاص بن وائل سيفًا، فاجتمع له عنده مال، فذهب يتقاضاه. فقال العاص: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فردَّ عليه خباب: حتى تموت ثم تبعث. فقال العاص ساخرًا بأنه سيقضيه يوم القيامة من ماله!! فنزلت الآية ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾ (٢) (٣).
مما يدل على ما لحق المستضعفين من ظلم وغصب لأموالهم فضلًا عن أذى أبدانهم. كما يدل على نقض قريش لحلف الفضول الذي عقدته قبل الإسلام بعقدين فقط!!
_________________
(١) = ابن هلال فيه لين (تقريب ٤٣٦) وكذلك ووصله الطبراني بإسناد فيه إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وقد انفرد ابن حبان بتوثيقه (المعجم الأوسط ٣٠٤ - ٣٠٥) والمحفوظ أنه مرسل وذكر سبب النزول قتادة وأبو مالك النضر بن أنس بن مالك البصري وهو ثقة مات سنة بضع ومائة (تقريب ٥٦١).
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٦٥، ٦/ ٦١٩).
(٣) مريم ٧٧ - ٨٠.
(٤) صحيح البخاري (فتح الباري ٤/ ٤٥٢، ٥/ ٧٧، ٨/ ٤٣٠، ٤٣١). وصحيح مسلم ٤/ ٢١٥٣.
[ ١ / ١٥٧ ]
ولا شك أن المسلمين -على ضعفهم- كانوا يرغبون في الدفاع عن أنفسهم ويبدو أن الموقف السلمي أغاظ بعضهم وخاصة الشباب منهم. وقد أتى عبد الرحمن بن عوف وأصحابه إلى النبي بمكة فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة! قال: إني أُمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم - فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ (١) (٢).
وتجمل عبارات لعائشة -﵂- ولعبد الله بن عمرو -﵁- الحال التي كان عليها المسلمون بمكة في تلك المرحلة .. قالت عائشة -وقد سئلت عن الهجرة-: "لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله -ﷺ- مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يعبُدُ ربَّه حيث شاء" (٣).
وقال عبد الله بن عمر: " كان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يفتن في دينه، إما قتلوه، وإما يعذبوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة!! " (٤).
وقد بقيت المأساة التي يعيشها المستضعفون حاضرة في نفس رسول الله -ﷺ- فكان يدعو لمن بقي منهم بمكة بالنجاة من المشركين وذلك بعد هجرته إلى المدينة (٥).
_________________
(١) النساء ٧. والآية مدنية تشير إلى ما حدث بمكة من الأمر بالكف عن القتال.
(٢) الطبري: تفسيره ٥/ ١٧٠ - ١٧١ والحاكم: المستدرك ٢/ ٣٠٧ وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي. والصحيح أنه على شرط مسلم فقط لأن البخاري أخرج للحسين بن واقد تعليقًا فقط. وانظر أيضًا تفسير ابن كثير ١/ ٤٥١.
(٣) صحيح البخاري ٤/ ٢٥٣، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة.
(٤) صحيح البخاري ٥/ ١٥٧، ٢٠٠ كتاب التفسير.
(٥) صحيح البخاري ٢/ ١٥ وصحيح مسلم ١/ ٤٦٦.
[ ١ / ١٥٨ ]
وقد أمر الرسول -ﷺ- أصحابه بضبط النفس والتحلي بالصبر، وعدم مقارعة القوة بالقوة، والعدوان بالعدوان، حرصًا على حياتهم ونظرًا لمستقبل الدعوة، وإمساكًا بزمام الدعوة الوليدة أن يئدها الشر وهي لا تزال غضَّة طرية، ولعل المشركين كانوا يحرصون على مواجهة حاسمة مع الدعوة تُنهي أمرها، لكن الحكمة الإسلامية فوتت عليهم الفرصة.
وكان الرسول -ﷺ- يربي أصحابه على عينه، ويوجههم نحو توثيق الصلة بالله، والتقرب إليه بالعبادة، ثم نزلت هذه الآيات في المرحلة المكية ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.
تأمر النبي - ﷺ- أن يخصص شطرًا من الليل للصلاة، وقد خيَّره الله تعالى أن يقوم للصلاة نصف الليل أو يزيد عليه أو ينقص منه، فقام النبي -ﷺ- وأصحابه معه قريبًا من عام حتى ورمت أقدامهم، فنزل التخفيف عنهم بعد أن علم الله منهم اجتهادَهم في طلب رضاه، وتشميرهم لتنفيذ أمره ومبتغاه، فرحمهم ربهم فخفف عنهم فقال ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (١). ولا شك في أن امتحانهم في هجر الفرش ومقاومة النوم ومألوفات النفس لتربيتهم على المجاهدة، وتحريرهم من الخضوع لأهواء النفس، تمهيدًا لحمل زمام القيادة والتوجيه في عالمهم، إذ لا بد من إعداد روحي عالٍ لهم، وقد اختارهم الله تعالى لحمل رسالته، وائتمنهم على دعوته، واتخذ منهم شهداء على الناس، فالعشرات من المؤمنين في هذه المرحلة التاريخية كانت أمامهم المهمات الجسيمة في تعديل مسار البشرية، وإنقاذها من الانحرافات الخطيرة، وتسديدها نحو توحيد الله وطاعته. وهي مهمة عظيمة لا يضطلع بها إلا أولئك الذين ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. وقد وصف القرآن الكريم قيام الليل والصلاة فيه وقراءة القرآن ترتيلًا أي مع البيان والتؤدة - بأنه ﴿أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ
_________________
(١) المزمل ٢٠ وانظر الرواية في سنن أبي داود ٢/ ٧٢ حديث رقم ١٣٠٥ وتفسير الطبري ٢٩/ ٧٩.
[ ١ / ١٥٩ ]
قِيلًا﴾ فهو أثبت أثرًا في النفس مع سكون الليل وهدأة الخلق، حيث تخلو من شواغلها وتفرغ للذكر والمناجاة بعيدًا عن علائق الدنيا وشواغل النهار. وبذلك يتحقق الاستعداد اللازم لتلقى الوحي الإلهي ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ والقول الثقيل هو القرآن الكريم، وقد ظهر أثر هذا الإعداد الدقيق للمسلمين الأوائل في قدرتهم على تحمل أعباء الجهاد وإنشاء الدولة بالمدينة، وفي إخلاصهم العميق للإسلام وتضحيتهم من أجل تطبيقه في واقع الحياة ونشره بين العالمين.