ثم بلغ المسلمين وهم بأرض الحبشة "أن أهل مكة اسلموا، فرجع ناس منهم عثمان بن مظعون إلى مكة فلم يجدوا ما أخبروا به صحيحا، فرجعوا، وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وهي الهجرة الثانية وسرد ابن إسحاق أسماء أهل الهجرة الثانية وهم زيادة عن ثمانين رجلًا. وقال ابن جرير: كانوا اثنين وثمانين رجلًا سوى نسائهم وأبنائهم .. وقيل إن عدة نسائهم كانت ثماني عشرة امرأة" (٤).
لقد ذكر ابن إسحاق دوافع الهجرة الثانية فقال: "فلما اشتد البلاء وعظمت الفتنة تواثبوا على أصحاب رسول الله ﷺ، وكانت الفتنة الآخرة التي أخرجت من كان هاجر من المسلمين بعد الذين كانوا خرجوا قبلهم إلى أرض الحبشة" (٥).
_________________
(١) Fueck . j . the role of traditionalism in islam in Swarts، M(ed & transl)، studies on Islam، Oxford، ١٩٨٣ . p .١١٢.
(٢) watt، M.Mohammad، propht and states man p .٦١ .
(٣) الألوسي: روح المعاني ١٧/ ١٧٨ ط المنيرية.
(٤) فتح الباري ٧/ ١٨٩.
(٥) السير والمغازي لابن إسحاق ص ٢١٣ - تحقيق سهيل زكار.
[ ١ / ١٧٢ ]
لقد أرسلت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة يحملان الهدايا إلى النجاشي وبطارقته، فقابلا النجاشي طالبين إليه إعادة من هاجر من المسلمين، فأرسل النجاشي إلى المسلمين فسألهم عن دينهم، فقال جعفر بن أبي طالب ﵁: "أيها الملك كنا قومًا على الشرك، نعبد الأوثان ونأكل الميتة، ونسئ الجوار، ونستحل المحارم، بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئًا ولا نحرمه. فبعث الله إلينا نبيًا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونصل الرحم، ونحسن الجوار، ونصلي ونصوم، ولا نعبد غيره".
فقال: هل معك شئ مما جاء به - وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله.
فقال جعفر: نعم.
قال: هَلُمَّ فاتلُ عليَّ ما جاء به.
فقرأ عليه صدرا من كهيعص (١)، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم.
ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى انطلقوا راشدين.
ولما أخفقت محاولة وفد قريش في استعادتهم، أثار عمرو بن العاص في اليوم التالي موقف المسلمين من عيسى ﵇، فقال للنجاشي: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولًا عظيمًا.
فأرسل النجاشي إليهم فسألهم فقال له جعفر: نقول هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فقال النجاشي: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود.
_________________
(١) يعني سورة مريم.
[ ١ / ١٧٣ ]
وأعطى النجاشي الأمان للمسلمين، فأقاموا مع خير جار في خير دار -كما تقول أم سلمة ﵄ (١).
ونذكر رواية صحيحة أن القسيسين والرهبان الذين حضروا مجلس النجاشي وسمعوا القرآن انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق فأنزل الله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢).
إن مبادرة قريش لإرسال وفد لاستعادة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة تدل على إدراكها لخطورة الموقف إذا ما حصل المسلمون على مأوى لهم يأمنون فيه،
_________________
(١) ابن إسحاق: السير والمغازي ٢١٣ - ٢١٧ وسيرة ابن هشام ١/ ٢٨٩ - ٢٩٣ بإسناد حسن إلى أم سلمة ﵂ ولعل عائشة ﵂ التي حكت خبر النجاشي مع عمه سمعت ذلك من أم سلمة (ابن إسحاق: سيرة ١٩٧ - ١٩٩). وأما رواية أحمد في مسنده ١/ ٤٦١ من حديث ابن مسعود فسنده ضعيف فيه حديج بن معاوية يصلح حديثه للاعتبار فقط وفيه عنعنة أبي إسحاق وهو مدلس، ومتنه مضطرب يجمع أخبارًا تتصل بالهجرة الثانية فيجعلها في الهجرة الأولى. وظاهره أنا أبا موسى هاجر من مكة إلى الحبشة مما يخالف ما في الصحيحين. وقد حسن ابن كثير وابن حجر إسناد هذا الحديث. (السيرة النبوية لابن كثير ٢/ ١١ وفتح الباري لابن حجر ٧/ ١٨٩) وكذلك فإن سياق حديث أبي موسى الأشعري في مصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٤٦ - ٣٤٨ إسناده ضعيف لعنعنة أبي إسحاق السبيعي وإن صححه الحاكم والذهبي والبيهقي (المستدرك ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠ ودلائل البيهقي ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠) وهو مخالف لما في الصحيحين ظاهره يدل على هجرة أبي موسى الأشعري من مكة في الهجرة الأولى إلى الحبشة. وقد بين ابن كثير غرابة كلام ابن إسحاق وأنه لا يلتفت إليه (ابن كثير: السيرة النبوية ٢/ ٩، ١/ ٢٤٨). وقد سبقه إلى ذلك ابن حزم (جوامع السيرة ٨٥) وابن سيد الناس (عيون الأثر ١/ ١١٨) ولعل الواقدي هو أول من انتبه لهذا الأمر (زاد المعاد ٣/ ٢٨ والدرر لابن عبد البر ٥٢. ط شوقي).
(٢) المائدة ٨٢ - ٨٣. وأنظر الرواية في تفسير الطبري ٧/ ٣ بإسناد صحيح وقارن برواية البزار في كشف الأستار ٢/ ٢٩٧ بإسناد ضعيف فيه عمير بن إسحق مقبول، وفيه إسلام عمرو بن العاص بالحبشة مبكرًا وهو مخالف للمحفوظ.
[ ١ / ١٧٤ ]
والحبشة نصرانية، وملكها عرف بالعدل، وهي قريبة من مكة، وكل ذلك يشكل خطرا على قريش في المستقبل.
ومما يبعث على العجب والإكبار لموقف المهاجرين بيانهم لعقيدتهم في عيسى ﵇ بصراحة ووضوح، رغم مخالفتها للنصرانية السائدة في الحبشة. فلم يلجأوا إلى مجاملة الأساقفة الحاضرين خوفًا من تسليمهم لقريش. فأحسن الله عاقبتهم وآمنهم في دار هجرتهم (١).ولكن لا يخفى أن هجرة الوطن تصعب على المرء، وهو لا يفعل ذلك إلا مضطرًا، وقد كان المسلمون المهاجرون عربًا يعيشون في سوط غريب لا تربطهم به وشائج رحم ولا لغة، فضلًا عن كونه وسطًا نصرانيًا يخالفهم في المعتقد إلا النجاشي فإنه أسلم وورَّى بإسلامه أمام قومه (٢). وهذا يتضح من مجادلة أسماء بنت عميس - إحدى المهاجرات إلى الحبشة قدمت مع جعفر إلى المدينة - مع عمر بن الخطاب ﵁ فقد قال لها: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم. فقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار البعداء البغضاء في الحبشة وذلك في الله وفي رسوله ونحن كنا نؤذي ونخاف لقد فصل رسول الله ﷺ الأمر بينهما بقوله:"ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان. فعظم الفرح بين مهاجرة الحبشة (٣).
_________________
(١) ذكر الطبراني في المعجم الكبير ٢/ ١٠٩ - ١١١ والذهبي في السيرة النبوية ١٢١ - ٢٢٢ من حديث جعفر بن أبي طالب أن النجاشي سأل المسلمين: "أيؤذيكم أحد؟ قالوا: نعم. فأمر مناديًا فنادى: من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم، ثم قال: يكفيكم؟ فقلنا: لا، فأضعفها". وإسناده ضعيف لأن مداره على أسد بن عمرو الكوفي عن مجالد بن سعيد وكلاهما ضعيف وقد وثقا (مجمع الزوائد ٦/ ٣٠).
(٢) لقد أرسل النبي ﷺ رسالة إلى النجاشي في عام إرساله الكتب إلى ملوك الأرض يدعوه إلى الإسلام، وقد بين حديث صحيح أنه غير النجاشي المسلم أصحمة) صحيح مسلم ٣/ ١٣٩٧.
(٣) صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ٢٣٧، ٧/ ١٨٨، ٤٨٤، ٤٨٧) وصحيح مسلم بشرح النووي ١٦/ ٦٤ - ٦٦.
[ ١ / ١٧٥ ]
لقد توفي عبيد الله بن جحش (١) زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان فخطبها رسول الله وتزوجها وهي بالحبشة، زوجه إياها النجاشي ومهرها أربعة آلاف، ثم جهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنه، وجهازها كله من عند النجاشي، ولم يرسل إليها رسول الله ﷺ بشيء، وكانت مهور أزواج النبي ﷺ أربعمائة درهم (٢).
وقد هاجر معظم مهاجرة الحبشة إلى المدينة بعد استقرار الإسلام فيها وتأخر جعفر بن أبي طالب ومن معه (٣) إلى فتح خيبر سنة ٧ هـ.
لقد انضم إلى المسلمين في الحبشة أبو موسى الأشعري مع جمع من قومه بلغوا ثلاثة وخمسين رجلا، وكانوا قد ركبوا سفينة يريدون الهجرة إلى المدينة حين بلغهم استقرار الوضع فيها لصالح الإسلام، فألقتهم الرياح إلى الحبشة فالتحقوا بالمسلمين ومكثوا معهم إلى أن عادوا جميعا إلى المدينة حين افتتح المسلمون خيبر (٤).
_________________
(١) المشهور عند أهل المغازي أنه تنصر قبل وفاته (ابن إسحاق: كتاب السير والمغازي ٢٥٩ والواقدي كما في طبقات ابن سعد ١/ ٢٠٨) وقد ورد أنه حين حضرته الوفاة أوصى إلى رسول الله ﷺ. (موارد الظمآن ٣١٢ بإسناد حسن لكن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي - صدوق - (تقريب ٣٣٩) خالف بزيادته هذه معمرًا ويونس عن الزهري وهما أوثق منه ويرى النسائي أن رواية ابن مسافر عن الزهري في طبقة رواية ابن أبي ذئب عن الزهري التي قيل إنها عرض وقيل مناولة دون سماع فإن مسألة الوصية لا تثبت حديثيًا. (تذهيب التهذيب ٩/ ٣٠٥).
(٢) مسند أحمد ٦/ ٤٢٧ وسنن أبي داود ٢/ ٥٣٨، ٥٦٩ بإسناد صحيح وسنن النسائي ٦/ ١١٩ ومستدرك الحاكم ٢/ ١٨١ وصححه وأقره الذهبي.
(٣) فتح الباري (٧/ ٢٣٤).
(٤) صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ٢٣٧، ٧/ ١٨٨، ٤٨٤، ٤٨٥، ٤٨٧). وصحيح مسلم بشرح النووي ١٦/ ٦٤ - ٦٦.
[ ١ / ١٧٦ ]