بعد أن شتت المسلمون هوازن وتعقبوها في نخلة وأوطاس اتجهوا إلى مدينة الطائف التي تحصنت فيها ثقيف ومعهم مالك بن عوف النصري قائد هوازن.
وكانت الطائف تمتاز بموقعها الجبلي وبأسوارها القوية وحصونها الدفاعية، وليس إليها منفذ سوى الأبواب التي أغلقتها ثقيف بعد أن أدخلت من الأقوات ما يكفي لسنة كاملة، وهيأت من وسائل الحرب ما يكفل لها الصمود طويلًا، وكان وصول المسلمين إلى الطائف في حدود العشرين من شوال دون أن يستجم الجيش طويلًا من غزوة حنين وسرايا نخلة وأوطاس التي بدأت في العاشر من شوال واستغرقت أكثر من أسبوع.
وقد حاصر المسلمون الطائف بضع عشرة ليلة في رواية عروة بن الزبير وموسى بن عقبة (١)، وحدَّدت رواية عن عروة أيضًا المدة بنصف شهر (٢)، ورغم أن سائر هذه الروايات مراسيل لا تقوم بها حجة (٣) فإن عروة وموسى من أجلّ كتاب المغازي وأوثقهم، وروايتهما تتفق مع تواريخ الأحداث وسياقها، وزعمت روايات أخرى أن الحصار استمر خمسة وعشرين يومًا (٤) أو شهرًا (٥) أو أربعين يومًا (٦)، والقول بهذا لا يتفق مع تواريخ الأحداث الأخرى وسياقها، وخاصة إذا قلنا أن الحصار دام أربعين يومًا. فإن الرسول ﷺ وصل إلى المدينة لست ليال
_________________
(١) البيهقي: السنن الكبرى ٩/ ٨٤ ودلائل النبوة ٣/ ٤٧ ب، وهما مرسلان، وفي سندي البيهقي عنهما رجل لم أقف على ترجمته وهو في رواية عروة أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد وفي رواية موسى بن عقبة محمد بن عبد الله بن عتاب.
(٢) الطبري بإسناد حسن إلى عروة وهو مرسل (تاريخ الرسل والملوك ٣/ ٨٢).
(٣) لأن موسى تلميذ عروة فلا تتعدد المخارج.
(٤) ابن إسحق (البيهقي: دلائل النبوة ٣/ ٤٨ أ) وقال في السيرة: "بضعًا وعشرين ليلة" (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٧٨ - ٤٨٣).
(٥) ابن إسحق بروايته عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وعبد الله بن المكرم مرسلًا بإسناد حسن إليهما (البيهقي: دلائل النبوة ٣/ ٤٨).
(٦) مسلم: الصحيح ٢/ ٧٣٦ وأحمد: المسند ٣/ ١٥٧ وقد بين ابن كثير بعد إيراده هذا الحديث عن الإمام أحمد أن السميط - رواية - وهم في مدة الحصار (البداية والنهاية ٤/ ٣٥٦).
[ ٢ / ٥٠٧ ]
بقين من ذي القعدة (١) بعد أن مكث بضع عشرة ليلة في الجعرانة ثم قام بالعمرة ثم عاد إلى المدينة ويحتاج ذلك إلى ثمانية عشر يومًا على الأقل بعد فك الحصار عن الطائف.
وقد سلك المسلمون في تقدمهم نحو الطائف الطريق القديم الذي يدخل الطائف من ناحية الجنوب. فمروا على نخلة اليمانية ثم قرن المنازل - على بعد ٨٠ كيلًا عن مكة و٥٣ كيلًا جنوب الطائف - ثم المليح من وديان الطائف ثم بحرة الرغاء على بعد ١٥ كيلًا جنوب الطائف (٢) وهي طريق طويلة إذا قورنت بالطريق المسفلت بين مكة والطائف وطوله ٩٠كيلًا لكن الطائف يستحيل اقتحامها من ناحية الشمال حيث التضاريس الجبلية المعقدة التي تعطيها تحصينًا طبيعيًا، ثم إن الرسول ﵊ أراد أن يحول بين ثقيف وبين أمدادها من هوازن شرق وجنوب الطائف.
وقد نزل المسلمون قريبًا من حصون الطائف فكانوا في متناول سهام ثقيف فأصيب بعضهم فتحولوا بعسكرهم إلى الموضع الذي بنى فيه مسجده (٣) وهو المعروف اليوم بمسجد عبد الله بن عباس، والطائف قديمًا كانت إلى الجنوب الغربي من المسجد (٤) وكان القتال تراشقًا بالسهام على بعد، وقد استخدم المسلمون آلة من الخشب الثخين المغلف بالجلود مركبة على عجلات مستديرة احتموا بها من السهام حتى وصلوا إلى الأسوار ليثقبوها، فألقت ثقيف عليهم قطع حديد محماة فأحرقت "الدبابة" - وهو اسم الآلة - وخرج المقاتلون من
_________________
(١) ابن هشام: السيرة ٢/ ٥٠٠ وابن حزم: جوامع السيرة ٢٤٨ وجزم ابن حزم بأن مدة الحصار كانت بضع عشرة ليلة (جوامع السيرة ٢٤٣، ٢٤٨).
(٢) ابن إسحق (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٧٨ - ٤٨٣) وعن تحديد المسافات انظر: البلادي: معجم المعالم الجغرافية ٢٥٤ ونسب حرب ٣٩، ٢٢٥ والحربي، كتاب المناسك تعليق حمد الجاسر ٣٥٣.
(٣) ابن إسحق (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٧٨ فما بعد).
(٤) البلادي: معجم المعالم الجغرافية ٢١٣، ٢١٤، ٣١٦.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
تحتها فأصابتهم السهام (١) وهذه هي أول غزوة يستخدم فيها المسلمون آلات لضرب الحصون، وقد اشتهرت جرش اليمانية - التي لا تزال أطلالها قائمة أعلى وادي بيشة (٢) - بصناعة الدبابات والمجانيق والضبور (٣). ويذكر ابن إسحق أن اثنين من وجوه ثقيف كانا يتعلمان في جرش صنعة هذه الآلات للاستفادة منها في الدفاع عن الطائف (٤).
أما عن حصول المسلمين على آلات الحرب هذه حيث ضربوا الحصون بالمنجنيق (٥) فقد ذكر أن خالد بن سعيد بن العاص جاء بمنجنيق ودبابتين من جرش في حين تفيد رواية أخرى أن سلمان الفارسي عمل المنجنيق بيده (٦).
ومن الواضح أن آلات فك الحصار لم تكن متوافرة للمسلمين بالقدر الكافي.
وقد أمر الرسول ﷺ بتحريق بساتين العنب والنخيل في ضواحي الطائف للضغط على ثقيف التي ناشدته ألا يفعل فتركها بعد أن أحدثت المحاولة أثرها في إضعاف معنوياتهم (٧).
_________________
(١) ابن إسحق (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٧٨ - ٤٨٣) وعن الدبابة أنظر: محمود شيت خطاب: الرسول القائد ٢٥٤.
(٢) الحربي: كتاب المناسك، تعليق حمد الجاسر، ص ٢٨٥.
(٣) يتكون المنجنيق من عمود طويل قوي موضوع على عربة ذات عجلتين في رأسها حلقة أو بكرة، يمر بها حبل متين، في طرفه الأعلى شبكة في هيئة كيس، توضع حجارة أو مواد محترقة في الشبكة، ثم تحرك بواسطة العمود والحبل فيندفع ما وضع في الشبكة من القذائف ويسقط على الأسوار فيقتل أو يحرق ما يسقط عليه (محمود شيت خطاب: الرسول القائد ٢٥٤).
(٤) ابن إسحق (سيرة ابن هشام ٢/ ٢٧٨) والطبري: تاريخ ٢/ ٣٥٣ ط. القاهرة.
(٥) أبو داؤد: المراسيل ٣٧ بإسناد صحيح إلى مكحول من مراسيله، وبإسناد آخر إلى عكرمة مولى ابن عباس من مراسيله. واحتج الإمام الشافعي بهذه الحادثة (الأم ٤/ ١٦١).
(٦) الواقدي: المغازي ٣/ ٩٢٧، ٩٢٣ وقد ذكر أن الطفيل بن عمرو الدوسي ذهب بأمر رسول الله إلى صنم يدعى ذا الكفين فهدمه ووافى المسلمين في الطائف مع أربعمائة من قومه ومعهم دبابة ومنجنيق.
(٧) البيهقي: السنن الكبرى ٩/ ٨٤ من مراسيل موسى بن عقبة وعروة بن الزبير وفي إسناده إلى كل منهما من لم أقف على ترجمته. وابن إسحق من مراسيل عمرو بن شعيب، وانظر: الأم للشافعي ٧/ ٣٢٣.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وكذلك وجه نداء لعبيد الطائف أن من ينزل منهم من الحصن ويخرج إلى المسلمين فهو حر، فخرج ثلاثة وعشرون من العبيد منهم أبو بكرة الثقفي فأسلموا فأعتقهم (١) ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامها (٢).
ورغم ما واجهته ثقيف من وابل السهام التي أمطرها بها المسلمون لينالوا درجة في الجنة وعدهم بها رسول الله (٣)، فإنها صمدت أمام الحصار بكبرياء وإصرار.
وقد كثرت الجراحات في المسلمين (٤). واستشهد منهم اثنا عشر رجلا (٥). في حين لم يقتل من المشركين سوى ثلاثة بسبب امتناعهم بالحصون والأسوار (٦).
وتدل رواية صحيحة (٧) على أن الرسول ﷺ لم يقصد بحصار الطائف فتحها، بل كسر شوكة ثقيف وتعريفها بأن بلدها في قبضة المسلمين، وأنهم متى شاءوا دخلوها. وما كان الرسول ﷺ ليشق على المسلمين ويكثر من تقديم الشهداء لفتح بلد حصين يحيط به الإسلام من كل مكان وليس له إلا الإسلام أو الاستسلام طال الوقت أم قصر، كما أنه كان يحرص على ثقيف حرصه على قريش من قبل، فهم إن تحولوا إلى الإسلام كانوا مادة له، فهم أهل فطنة وذكاء، وكان يطمح لإسلامهم وقد سعى لنشر الدعوة فيهم منذ المرحلة المكية
_________________
(١) عبد الرزاق: المصنف ٥/ ٣٠١ وابن حجر: فتح الباري ٨/ ٤٦ وطبقات ابن سعد ٢/ ١٥٨ - ١٥٩. والطبراني (الهيثمي: مجمع الزوائد ٤/ ٢٤٥ وقال: رجاله رجال الصحيح) ونزول العبيد وعددهم ثابت في صحيح البخاري (٥/ ١٢٩) دون ذكر الإسلام.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٨٥ وطبقات ابن سعد ٢/ ١٥٩ ومسند أحمد ١/ ٢٣٦، ٢٤٣، ٢٤٨، ومداره على الحجاج بن أرطأة صدوق وهو مدلس وقد عنعن.
(٣) حديث "من بلغ بسهم فله درجة في الجنة" قاله في حصار الطائف وهو صحيح (مسند أحمد ٤/ ١١٣، ٣٨٤ وصرح قتادة فيه بالتحديث عند البيهقي: السنن الكبرى ٩/ ١٦١).
(٤) صحيح البخاري ٨/ ٢٠، ٩/ ١١٣.
(٥) سماهم ابن إسحق بدون إسناد (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٨٦ - ٤٨٧).
(٦) أبو داؤد: المراسيل ٤٧ من مرسل عكرمة. والواقدي: المغازي ٣/ ٩٢٦، ٩٢٩ - ٩٣٠.
(٧) البخاري: صحيح ٥/ ١٢٨، ٩/ ١١٣.
[ ٢ / ٥١٠ ]
ودعا لهم بالهداية بعد أن رفضوا دعوته وآذوه، وقد سأله بعض الصحابة أثناء حصار الطائف أن يدعو على ثقيف فدعا لهم بقوله: "اللهم إهد ثقيفًا" (١).
لا غرابة إذًا في أن يدعو الرسول أصحابه إلى فك الحصار، فلما رأى حرصهم على القتال في أوله سمح لهم ببعض المناوشات التي أثبتت لهم أن لا جدوى من القتال، عندئذ أعاد عليهم الرسول فكرة فك الحصار فأظهروا الرضا بهذا القرار الحكيم (٢). وعادوا إلى الجعرانة، فوصلوها في اليوم الخامس من ذي القعدة.
وفي الجعرانة كانت تقبع غنائم حنين الجليلة، وكان الرسول ﷺ قد أخَّر قسمتها، ولم يعجل بالقسمة حتى بعد عودته من حصار الطائف - سوى بعض الفضة التي قسمها إثر العودة من حصار الطائف (٣) -، بل انتظر بضع عشرة ليلة (٤) متطلعًا إلى قدوم هوازن عليه ودخولها في الإسلام، لكنها أبطأت عليه، فقسم الغنائم. والأصل أن الغنيمة يؤخذ منها الخمس يتصرف فيه الرسول ﷺ وفقًا للتوجيه القرآني ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٥).
وأما الأربعة الأخماس الأخرى فهي حصة المقاتلين الذين شهدوا القتال، توزع بينهم بالتساوي للرجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه. هذا في غنيمة الأموال المنقولة، وأما الأموال غير المنقولة فالإمام مخير فيها بين قسمتها أو وقفها واعتبارها ملكًا عامًا للدولة. والأموال التي يحوزها المسلمون
_________________
(١) الترمذي: سنن ٥/ ٣٨٥ - ٣٨٦ وقال: حسن صحيح غريب، وبين الألباني أنه صحيح على شرط مسلم لولا عنعنة أبي الزبير - راويه - وهو مدلس (فقه السيرة للغزالي ٤٣٢).
(٢) البخاري: صحيح ٥/ ١٢٨، ٩/ ١١٣.
(٣) الحاكم: المستدرك ٢/ ١٢١ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي.
(٤) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٣٢) وقد ورد في رواية أن المدة ثلاث عشرة ليلة.
(٥) سورة الأنفال: آية ٤١.
[ ٢ / ٥١١ ]
في القتال هي الغنيمة التي تقسم كما ذكرت، وأما الأموال التي يحوزونها دون قتال فتسمى بالفيء ويصرف في المصالح العامة وفقًا لاجتهاد الحاكم، وقد يعطي الحاكم النفل لبعض المقاتلين المبرزين من الغنيمة قبل إخراج الخمس منها أو بعده، كما يجوز أن يعطيهم من الخمس، وكذلك يأذن لهم بأخذ سلب من قتلوه من المشركين.
وقد تم توزيع غنائم حنين بصورة خفيت حكمتها على بعض الصحابة آنذاك، حيث حظي بهذه الغنائم الطلقاء تأليفًا لقلوبهم لقرب عهدهم بالإسلام، وعدم تمكين معاني الإيمان من قلوبهم، فأعطى مائة من الإبل لكل من عيينة بن حصن - من زعماء غطفان - والأقرع بن حابس - من زعماء تميم-، وعلقمة بن علاثة والعباس بن مرداس وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية - من زعماء قريش (١) - وقد بلغ عدد أصحاب المائة من الإبل إثني عشر رجلا في قائمة ابن إسحق، ما ذكر خمسة آخرين أخذوا أقل من المائة من الإبل (٢). وذكر ابن هشام أسماء تسعة وعشرين رجلا من المؤلفة قلبوهم (٣). وزاد غيره ثلاثة وعشرين، فصار جملة العدد اثنين وخمسين رجلًا.
وقد استمالت هذه الأعطيات قلوب هؤلاء الزعماء وأتباعهم فأظهروا الرضا بها وزادتهم رغبة في الإسلام، ثم حسن إسلامهم جميعًا فأبلوا في الإسلام بلاء حسنًا وخدموه بأنفسهم وأموالهم إلا يسيرًا منهم مثل عيينة بن حصن الفزاري "لم يزل مغموزًا" كما يقول ابن حزم (٤).
_________________
(١) صحيح مسلم ٢/ ٧٣٧. ومسند أحمد ٣/ ٢٤٦ وقال ابن حجر: إسناده على شرط مسلم (فتح الباري ٨/ ٥٠) وصحيح البخاري ٢/ ١٠٤، ٤/ ٥، ٧٣، ٨/ ٧٩.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩٢ - ٤٩٤ بدون إسناد.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٦ والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/ ٣٧ وفتح الباري ٨/ ٤٨.
(٤) جوامع السيرة ٢٤٨. أما الأقرع بن حابس فقد استشهد مع عشرة من بنيه في اليرموك (ابن سعد ٧/ ٣٧ وابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ١٠٣ وابن حجر: الإصابة ١/ ٥٨).
[ ٢ / ٥١٢ ]
قال أنس بن مالك: "إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" (١).
وقد عبر بعض المؤلفة قلوبهم عن أثر ذلك فقال صفوان بن أمية "لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما ربح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي" (٢).
لقد كان صفوان بن أمية من المؤلفة قلوبهم، وكان يحب أن يناله من أعطيات الرسول ﷺ فكلما أعطاه سأله المزيد، فبين له النبي ﷺ نظرة الإسلام إلى المال ووعظه، فإذا به يرغب حتى عن أخذ عطائه السنوي من بيت المال (٣)! مما يوضح ما حدث من تحول عظيم في نفوس المؤلفة قلوبهم التي تشبعت بمعاني الإسلام على مر الأيام.
وقد تأثر بعض المسلمين في بداية الأمر لعدم شمولهم بالأعطيات فكان لابد من بيان الحكمة لهم في ذلك. فقال الرسول ﷺ موضحا: "والله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطي، ولكن أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير" (٤).
وقال: "إني لأعطي رجالًا حدثاء عهد بكفر أتألفهم" (٥).
وقال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار" (٦).
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ١٨٠٦.
(٢) صحيح مسلم ٤/ ١٨٠٦.
(٣) ابن حجر: فتح الباري ٣/ ٣٣٦ وانظر الحديث في صحيح البخاري ٢/ ١٠٤، ٤/ ٥، ٧٣، ٨/ ٧٩ ومسلم: الصحيح ٢/ ٧١٧.
(٤) البخاري: صحيح ٢/ ١٠، ٤/ ٧٤، ٩/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٥) فتح الباري ٨/ ٥٣ من رواية البخاري.
(٦) صحيح البخاري ١/ ١١، ٢/ ١٠٥ - ١٠٦ وصحيح مسلم ١/ ١٣٢ - ١٣٣، ٢/ ٧٣٢ - ٧٣٣.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وقد بلغ رسول الله ﷺ أن الأنصار وجدوا في أنفسهم لعدم أخذهم شيئًا من الأعطيات، وأن بعض أحداثهم قالوا: "إذا كانت الشدة فنحن ندعي، وتعطى الغنائم غيرنا". وقالوا: "يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم". فجمعهم في قبة من أدم وقال: "إن قريشًا حديث عهد بجاهلية ومصيبة"، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم، لو سلك الناس واديًا وسلك الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار" فلما وضحت لهم الحكمة من التوزيع، وأن الرسول ﷺ وكلهم إلى إيمانهم، فهم مثال للتضحية والتجرد في سبيل العقيدة، يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع، ولم تكن الدنيا همهم ولا المال مقصدهم، فلما عرفوا سبب منع الأعطيات عنهم أعلنوا رضاهم بذلك (١) ما دام فيه إعزاز الإسلام ومصلحة العقيدة التي يفتدونها بكل عزيز وغال من نفس ومال. وكيف لا يرضون وقد أدركوا أن الرسول القائد قدمهم على سواهم، واعتمد على إخلاصهم للعقيدة ووكلهم إلى إيمانهم فكانوا عند حسن ظنه بهم، فقد بكوا بعد سماع كلامه وقالوا: "رضينا برسول الله قسمًا وحظًا" (٢).
وقد أظهر بعض الأعراب المشتركين في غزوة حنين جفاءً وغلظة عند قسمة الغنائم بالجعرانة، فقال أحدهم (٣) مخاطبًا الرسول ﵊: "اعدل، فقال: شقيت إن لم أعدل" (٤). وقد غضب عمر بن الخطاب من كلام الأعرابي فطلب من الرسول ﷺ أن يأذن له بقتله، فأبى عليه وقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" (٥).
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ٧٤،١٤٥، ٥/ ٢٦، ٢٨، ١٣٠، ١٣١، ٧/ ١٣٣، ٨/ ١٣٠، ٩/ ١٠٦ وصحيح مسلم ٢/ ٧٣٣ - ٧٣٦.
(٢) سيرة ابن هشام ٣/ ٧٦ - ٧٧ من طريق ابن إسحق بإسناد حسن لذاته.
(٣) سماه ابن إسحق بإسناد حسن "ذو الخويصرة التميمي" (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩٦).
(٤) صحيح البخاري ٤/ ٧٢ وفتح الباري ٨/ ٦٨، ١٢/ ٢٩١، ٢٩٣.
(٥) مسلم: الصحيح ٢/ ٧٤٠ وقارن براوية ابن إسحق (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩٦) ويبدو من كلام الحافظ ابن حجر أن الرجل اعترض على القسمة مرتين مرة في قسمة غنائم حنين ومرة ثانية في قسم ذهب أرسله على من اليمن في أثر حنين (فتح الباري ٨/ ٦٩، ١٢/ ٢٩١،٢٩٣).
[ ٢ / ٥١٤ ]
ولا غرابة في موقف الأعراب وهم إنما خرج معظمهم طلبًا للغنائم، وقد ازدحموا على رسول الله ﷺ وهو يقسم غنائم حنين حتى علق رداؤه بغصن شجرة، فقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاة - شجر الشوك وكان يملأ المكان - نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا" (١). ثم أخذ وبرة من سنام بعير وقال: "والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم" ثم ذكر لهم تحريم أخذ شيء من الغنائم قبل قسمتها فجاء رجل أنصاري بخيوط شعر مكببة كان قد أخذها من الغنائم فألقاها (٢). ولما مات كركرة مولى الرسول ﷺ قال: "هو في النار" ففتشوا في متاعه فوجدوا عباءة قد غلَّها (٣).
وهكذا كانت تعليمات الرسول ﷺ واضحة لحماية الأموال العامة، وموقف الأنصاري يدل على الورع والالتزام بأوامر الرسول حتى في المال اليسير الذي لا قيمة له مثل خيوط الشعر التي أعادها.
وقد ظهر من رسول الله ﷺ الكثير من الصبر على جفاء الأعراب وطمعهم في الأموال وحرصهم على المكاسب، فكان مثالًا للمربي الذي يدرك أحوالهم وما جبلتهم عليه بيئتهم وطبيعة حياتهم من القساوة والفظاظة والروح الفردية، فكان يبين لهم خلقه ويطمئنهم على مصالحهم ويعاملهم على قدر عقولهم، فكان بهم رحيمًا، ولهم مربيًا ومصلحًا، فلم يسلك معهم مسلك ملوك عصره مع رعاياهم الذين كانوا ينحنون أمامهم أو يسجدون وكانوا دونهم محجوبين، وإذا خاطبوهم التزموا بعبارات التعظيم والإجلال كما يفعل العبد مع ربه. أما الرسول ﵊ فكان كأحدهم يخاطبونه ويعاتبونه، ولا يحتجب عنهم قط،
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ١٩، ٧٥.
(٢) ابن إسحق بإسناد حسن لذاته (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٨٨ - ٤٩٠، ٤٩٢) وفقه السيرة للغزالي ص ٤٢٦ تعليق للشيخ الألباني.
(٣) صحيح البخاري ٤/ ٥٩.
[ ٢ / ٥١٥ ]
وكان الصحابة، رضوان الله عليهم، يراعون التأدب بحضرته ويخاطبونه بصوت خفيض، ويكنون له في أنفسهم المحبة العظيمة. وأما جفاة الأعراب فقد عنفهم القرآن الكريم على سوء أدبهم وجفائهم وارتفاع أصواتهم وجرأتهم في طبيعة مخاطبتهم للرسول ﷺ (١).
وبعد قسمة الغنائم، قدم وفد من هوازن يعلن إسلامها، ويطلب من رسول الله ﷺ رد الأموال والسبي عليهم، فخيَّرهم بين السبي والمال، فاختاروا السبي (٢)، فخطب الرسول في المؤمنين فقال: "إن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين، وإني أردت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال الناس: طيبنا يا رسول الله لهم. فقال لهم: إنا لا ندري من أذن منكم فيه ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا" (٣).
ويلاحظ أن الرسول ﷺ أراد أن يعود السبي إلى هوازن عن طيب نفس المقاتلين، لأن الغنيمة من حقهم، فلا بد أن يتنازلوا عنها برضاهم ووعد من لا يرضى بتعويضه عن السبي، وتأكد من ذلك عن طريق العرفاء المسئولين عن الجند. وقد تنازل معظم الجند عن السبي سوى الأقرع بن حابس وتكلم باسم قبيلة تميم كلها وعيينة بن حصن وتكلم باسم قبيلة فزارة، فوعدهم الرسول ﷺ
_________________
(١) أنظر سورة التوبة: آية ٩٧، ٩٨.
(٢) صحيح البخاري ٣/ ١٥٦.
(٣) صحيح البخاري ٣/ ٨٧. وأما حديث عطية السعدي الذي يفيد مناشدته لرسول الله إطلاق السبي لأنهن "أمهاتك وأخواتك وخالاتك" لرضاعه في بني سعد، فإسناده ضعيف لجهالة الزبير الصنعناني وعروة بن محمد بن عطية السعدي وأبيه محمد. (صحيح الألباني: السلسلة الضعيفة ٢/ ٥١).
[ ٢ / ٥١٦ ]
بتعويضهم عنها (١). وهذا يدل على أن قدوم وفد هوازن كان بعد تقسيم الأموال والسبي وليس قبل ذلك كما تشير رواية لابن إسحق (٢).
وقد سر الرسول ﷺ بإسلام هوازن وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف النصري، فأخبروه أنه بالطائف مع ثقيف، فوعدهم برد أهله وأمواله عليه وإكرامه بمائة من الإبل إن قدم عليه مسلمًا، فجاءه مالك مسلمًا فأكرمه وأمَّره على قومه وبعض القبائل المجاورة الأخرى.
وقد حسن إسلام مالك، فكان يقاتل ثقيفًا في الطائف حتى ضيَّق عليهم (٣). وفكر زعماؤهم في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان فلا تستطيع تحركًا ولا تجارة، ومال بعض زعمائها إلى الإسلام مثل عروة بن مسعود الثقفي الذي سارع إلى اللحاق برسول الله ﷺ، وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين واعتمر من الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن إسلامه، وعاد إلى الطائف، وكان من زعماء ثقيف محبوبًا عندهم، فدعاهم إلى الإسلام وأذَّن في أعلى منزله فرماه بعضهم بسهام فأصابوه، فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطائف (٤).
ولكن زعماء ثقيف كانوا يحسون بحراجة موقفها، ويسعون لتأمين أنفسهم وأموالهم، فأرسلوا في رمضان من العام التاسع - بعد عودته ﷺ من تبوك - وفدًا منهم برئاسة عبد ياليل بن عمرو ومعه ثلاثة من بني مالك واثنين من الأحلاف، وقد لقيهم المغيرة بن شعبة في وادي قناة شمال المدينة بيسير، فأخبر بقدومهم
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٨ - ٤٩٠، ٤٩٢ بإسناد حسن لذاته حيث صرح ابن إسحق بالتحديث فيه، وانظر مسند أحمد ٢/ ١٨٤ وسنن أبي داؤد ٧/ ٣٥٩ وسنن النسائي ٦/ ٢٢٠، وانظر الهيثمي: مجمع الزوائد ٦/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥ وفتح الباري ٨/ ٣٣، ٣٤.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩٠ - ٤٩٢.
(٤) ابن إسحق بدون إسناد (سيرة ابن هشام ٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨) وخالفه موسى بن عقبة فذكر تأخر إسلام عروة إلى ما بعد حجة أبي بكر بالناس عام ٩ ورجح ابن كثير رواية ابن إسحق (البداية والنهاية ٥/ ٢٩).
[ ٢ / ٥١٧ ]
أبا بكر الذي سارع لتبشير الرسول ﷺ، وقد علمهم المغيرة تحية الإسلام وأدب مخاطبة الرسول وقد أنزلهم الرسول في قبة في ناحية مسجده ليستمعوا القرآن ويشاهدوا صلاة المسلمين فيه، وقد أعلنوا إسلامهم، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا (١)، وقد طلبوا من الرسول أن يؤخر هدم اللات ثلاث سنين - خوفا من غضب قومهم - فأبى إلا أن يهدمها، ولكنه أعفاهم من القيام بذلك وأرسل أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدمها، كما طلبوا إعفاءهم من الصلاة لأنهم يرون فيها دناءة!! لما فيها من انحناء وسجود لله تعالى، وكأنهم نسوا أنهم
_________________
(١) أورد أبو عبيد في الأموال ٢٤٧ وابن زنجويه في الأموال ٤٤٢ كتابا طويلا قالا أنه كتاب الرسول ﷺ لثقيف، وهو من مرسل عروة بن الزبير وفي إسناده ضعف بسبب ابن هيعة، وقد ذكر أبن إسحق بدون إسناد ما يتعلق بتحريم وادي وج منه (سيرة ابن هشام ٤/ ٢٠٠) وأخرج الإمام أحمد في المسند ١/ ١٦٥ وأبو داود في سننه حديثا عن الزبير بن العوام في تحريم وادي وج بين الزبير أن التحريم كان قبل حصار الطائف وقد بين البخاري تفرد محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي به وقال أبو حاتم: ليس بالقوي في حديثه نظر وذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب ٩/ ٢٤٨). وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: لين. وقال البخاري عن أبيه: لم يصح حديثه وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يخطئ، وتعقبه الذهبي فقال:"هذا لا يقوله الحافظ إلا فيمن روى عدة أحاديث، وعبد الله ما عنده غير هذا الحديث، فإن كان أخطأ فيه فما هو الذي ضبطه؟ " (تهذيب التهذيب ٤/ ١٩٤) وقد ذكر الخلال في العلل أن أحمد ضعفه وصحح الشافعي حديثه واعتمده (ميزان الاعتدال للذهبي) وصحح هذا الحديث الشيخ أحمد شاكر (المسند رقم الحديث ١٤١٦) وقد يتساهل في التصحيح ولعله ﵀ اعتمد تصحيح الإمام الشافعي للحديث، ومعلوم أن الأئمة البخاري وأحمد وأبا حاتم أكثر تخصصا بالحديث من الإمام الشافعي على جلالة قدره فالحديث لا يصح وأيضا فإن الإمام الشافعي أخذ بهذا الحديث في القديم ولم يأخذ به في الجديد بل اتفق فيه رأيه مع رأي الجمهور بعدم تحريم وج (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٤/ ١٠) فأحسبه تنبه إلى ضعف الحديث. وقال الخطابي: "ولست أعلم لتحريمه وجا معنى إلا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، ويحتمل أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم، وفي مدة محصورة ثم نسخ" وبين الخطابي أن المسلمين أثناء حصار الطائف أفادوا من شجر وصيد ومرفق المكان فدل ذلك على أنها حل مباح (مختصر سنن أبي داؤد للمنذري ٢/ ٤٤٢) وإنما سقت هذه الحاشية الطويلة لئلا يعتمد الدارسون عليها في بيان السياسة الشرعية. خاصة أن بعض الباحثين المعاصرين اعتمد على هذا الكتاب وظن أن الرسول ﷺ تنازل لثقيف بتحريم وج الذي كانت تحرمه (عون الشريف قاسم: نشأة الدولة الإسلامية ١٣٧).
[ ٢ / ٥١٨ ]
يفعلون ذلك للات وغيرها من الأصنام والأحجار!! فأبى عليهم قائلا: "لا خير في دين ليس فيه ركوع" (١). واشترطوا إعفاءهم من الزكاة والجهاد، وقد وافقهم، وسمعه جابر بن عبد الله يقول "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا" (٢). وسألوه أن يسمح لهم بترك الوضوء بحجة أن بلادهم باردة، وأن ينتبذوا في الدباء (القرع)، وأن يعيد لهم أبا بكرة الثقفي فأبى عليهم ذلك كله (٣).
وكان عثمان بن أبي العاص أحرصهم على تعلم القرآن والتفقه في الدين فأمره الرسول على الطائف، وكان أصغرهم سنًا (٤).
وبعد إسلام وفد ثقيف سألوا الرسول ﷺ أسئلة كثيرة تتعلق بأمور دينهم، حتى سألوا الصحابة عن كيفية تقسيم القرآن إلى أحزاب فقالوا: "كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم" (٥). وهو نفس ترتيب القرآن المعروف الآن، ويبدوا أن الوفد تأثر بمقابلاته مع الرسول ﷺ وباختلاطه مع الصحابة وما جرى من حوار بينهم وبين المسلمين حتى أنهم صاموا ما بقي عليهم من شهر رمضان (٦).
_________________
(١) ابن إسحق (سيرة ابن هشام ٤/ ٥٣٨ - ٥٤٠) بإسناد معضل (فقه السيرة للغزالي تعليق الألباني ص ٤٥٠).
(٢) سنن أبي داؤد ٢/ ١٤٦ وإسناده حسن لذاته.
(٣) مسند أحمد ٤/ ١٦٨ وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٤/ ٢٤٥).
(٤) مسند أحمد ٤/ ٢١٨ وسنن ابن ماجة ١/ ٣١٦ وانظر صحيح مسلم ١/ ٣٤٢ حيث أشار إلى إمارته.
(٥) مسند أحمد ٤/ ٩، ٣٤٣ وأبو داؤد: السنن ١/ ٣٢١ - ٣٢٢ وابن ماجة: السنن ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨ والحديث مداره على عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عثمان بن عبد الله، ويحتاج للمتابعة ليصير حسنا لأن الطائفي صدوق يخطئ ويهم عثمان مقبول عند ابن حجر ومحله الصدق عند الذهبي (التقريب لابن حجر ٢/ ١١ وميزان الاعتدال ٣/ ٤٣).
(٦) ابن هشام: السيرة ٢/ ٥٤٠ - ٥٤١ وفي إسناده عيسى بن عبد الله بن مالك قال عنه ابن حجر مقبول (تقريب ٢/ ٩٩).
[ ٢ / ٥١٩ ]
وقد مكث الوفد خمسة عشرة يوما في المدينة ثم عادوا إلى الطائف ومعهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة الثقفي ليهدما اللات، وقد حكى ابن إسحق وصفا لحادثة هدم اللات واجتماع النساء الثقفيات حولها يبكين حتى أتم المغيرة هدمها وأخذ مالها من الذهب والجزع (١). وأهل الطائف يظنون أنها ستثأر لنفسها وقد سخر منهم المغيرة فرمى معوله وركض فقالوا: ثأرت الربة! فضحك ونصحهم بتوحيد الله وعاد فأنجز عمله. وبذلك زالت أسطورة اللات التي عبدت طويلا من دون الله.
* * *
وفيما يلي بيان أهم الأحكام المستنبطة من هذه الغزوة، لما في بيان تواريخ التشريعات من فوائد عظيمة فبها يعرف الناسخ والمنسوخ فيمكن الترجيح عند التعارض، وتبين علل الأحكام بمعرفة الظروف والملابسات التي أحاطت بتشريعها.
الأحكام المستنبطة من غزوة حنين والطائف:
١ - نزول الآية الكريمة ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في يوم أوطاس لبيان حكم المسبيات المتزوجات، وقد فرق السبي بينهن وبين أزواجهن، فأوضحت الآية جواز وطئهن إذا انقضت عدتهن، لأن الفرقة تقع بينهن وبين أزواجهن الكفار بالسبي وتنقضي العدة بالوضع للحامل وبالحيض لغير الحامل (٢).
٢ - منع المخنثين خلقة من الدخول على النساء الأجنبيات، وكان ذلك مباحًا إذ لا حاجة للمخنث بالنساء، وكان سبب المنع سماع الرسول ﷺ أحد
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤١ - ٥٤٢ من طريق ابن إسحق دون إسناد والبداية والنهاية ٥/ ٣٣ - ٣٤ من طريق موسى بن عقبة دون إسناد.
(٢) سورة النساء: آية ٢٤ وعن سبب النزول أنظر شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٦٣٧ وتحفة الأحوذي للمباركفوري ٤/ ٢٨٢ وعون المعبود ٦/ ١٩١، ١٩٣ وتفسير ابن كثير ١/ ٤٧٣.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
المخنثين يصف بادية بنت غيلان الثقفي قبيل حصار الطائف (١). وفي المنع حيطة لأخلاق المجتمع الإسلامي.
٣ - النهي عن قصد قتل النساء والأطفال والشيوخ والأجراء ممن لا يشتركون في القتال ضد المسلمين (٢).
٤ - إقامة الحد في دار الحرب، حيث فعل ذلك الرسول ﷺ بشارب الخمر في يوم حنين (٣).
٥ - جواز الاستعانة بالمشركين كما فعل النبي ﷺ باستعارة الدروع من صفوان ابن أمية مع ضمانه ﷺ لها، ولا تكون الاستعانة بهم إلا بشرط الوثوق بهم، وألا يغلبوا على المعركة ويصبغوها بصبغتهم، بل يكون حكم الإسلام هو الغالب (٤).
٦ - جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنيمة، إذا رأى الإمام أن ذلك يعين على دخولهم في الإسلام أو دفع أذاهم عن المسلمين، أو جلب نفع للمسلمين. قال أنس بن مالك:"إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" (٥)
٧ - تشريع العمرة من الجعرانة.
_________________
(١) البخاري: صحيح ٥/ ١٢٨، ٧/ ٣٣،١٣٧ وصحيح مسلم ٤/ ١٧١٥.
(٢) أحمد: المسند ٣/ ٤٨٨ بإسناد حسن (إرواء الغليل ٥/ ٣٥) والحاكم: المستدرك ٢/ ١٢٣ والبيهقي: السنن الكبرى ٩/ ١٣٠ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وأنظر الألباني: إرواء الغليل ٥/ ٣٥، ٣٦. وفتح الباري ٦/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٣) أبو داؤد: سنن ١٢/ ١٩٦ - ١٩٧ وأحمد: المسند ٤/ ٣٥٠ وسنن الدارقطني ٣/ ١٥٧ - ١٥٨ ونيل الأوطار للشوكاني ٧/ ١٤٥ وفي إسناده عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر مقبول (تقريب ١/ ٤٢٧).
(٤) ابن القيم: زاد المعاد ٣/ ٤٧٩ والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٩٧ وابن حجر: التلخيص الحبير ٤/ ١٠٠ - ١٠١ وذكر "الأقرب أن الاستعانة بالمشركين كانت ممنوعة ثم رخص فيها وعليه نص الشافعي".
(٥) صحيح مسلم ٤/ ١٨٠٦.
[ ٢ / ٥٢١ ]