وقعت هذه الغزوة في رجب من صيف عام تسع للهجرة بعد العودة من حصار الطائف بستة أشهر تقريبًا (١). ورغم أن المؤرخين - على عادتهم - حاولوا أن يجدوا سببًا مباشرًا لها، فذكر ابن سعد أن هرقل جمع جموعًا من الروم وقبائل العرب الموالية لها، وأن المسلمين علموا بخبرهم فخرجوا إلى تبوك (٢). وذكر اليعقوبي أن الثأر لجعفر بن أبي طالب هو سبب الغزوة (٣) ولكن الصحيح أنها استجابة طبيعية لفريضة الجهاد وقد نبه على ذلك الحافظ ابن كثير بقوله: "فعزم رسول الله ﷺ على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ " (٤). ولا صحة لما قيل أن الخروج إلى تبوك كان عن مشورة يهود وقولهم إنها أرض المحشر وأرض الأنبياء تغريرًا بالمسلمين ليخرجوهم من المدينة ويعرضوهم لخطر المواجهة مع الروم، وأن الآية ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ نزلت في ذلك، فإن الخبر في ذلك مرسل ضعيف ويرده أن الآية مكية (٥) وتتميز هذه الغزوة وغزوة مؤتة التي سبقتها بأن وجهتها إلى الروم ونصارى العرب، في حين كانت الغزوات والسرايا الأخرى وجهتها إلى يهود
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري ٨/ ٨٤، وما أشار إليه من أنها بعد حصار الطائف بستة أشهر ورد في رواية محمد بن عائذ صاحب المغازي بإسناد ضعيف من جهة عثمان بن عطاء الخراساني وأبيه. ولكنه لا يتعارض كثيرًا مع المشهور من كونها في رجب ومن كون الرسول ﷺ دخل المدينة بعد العودة من حصار الطائف في شهر ذي الحجة.
(٢) الطبقات الكبرى ٢/ ١٦٥.
(٣) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٦٧.
(٤) ابن كثير: البداية والنهاية ٢/ ٥؛ والآية من سورة التوبة (١٢٣). وأنظر: تفسير الطبري ١١/ ٧١.
(٥) ابن كثير: تفسير ٥/ ٢١٠ - ٢١١ وأصل الرواية في سبب النزول هذا في تاريخ دمشق لابن عساكر ١/ ١٦٧ - ١٦٨، وفي إسناده أحمد بن عبد الجبار العطاردي ضعيف.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
والقبائل العربية المشتركة. وكانت النصرانية قد فقدت روحها وأضاعت تعاليمها وانقسمت إلى فرق عديدة، ومنشأ الخلاف عقيدتهم في المسيح (﵇) فأكثرهم يعتقد بالأقانيم الثلاثة (الأب والابن وروح القدس) واتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح، وبعضهم يرى أن له طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية وهم اليعاقبة (المنوفستية) في الشام ومصر، وقد عقدوا لذلك المؤتمرات، وحاول هرقل التأليف بين الفرق الدينية حفاظا على الإمبراطورية الرومانية دون جدوى، وقد أوقعت الإمبراطورية الاضطهاد بسكان الشام ومصر اليعاقبة (المنوفستية) مما أدى إلى نفي بعض كبار رجال الدين من مصر وفرار بعضهم الآخر.
ولم يقتصر الفساد على النواحي العقيدية بل امتد إلى سائر جوانب الحياة، فالظلم والاستبداد، وكثرة الضرائب وثقلها على الشعوب، والروح الطبقية التي تجعل الناس متفاوتين في المكانة بحكم المولد والانتماء للطبقة، كل ذلك كان يعشعش على البلاد، حتى إنه لم تعد ثمة فروق أساسية بين حياة النصارى والمشركين، وقد أمر الله تعالى المسلمين بجهاد أهل الكتاب كما أمرهم بجهاد المشركين، ولكنه وافق على احتفاظهم بدينهم إذا خضعوا سياسيًا للمسلمين وأدوا إليهم الجزية، خلافًا لعبدة الأوثان فإنه لم يقبل منهم الجزية بل لا بد لهم من الدخول في الإسلام إذا أرادوا الأمن من القتال ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١).
وبذلك دخل المسلمون مرحلة جديدة بعض قضائهم على الوثنية في جزيرة العرب، وإجلائهم أهل الكتاب من يهود إلى قتال أهل الكتاب من النصارى (٢).
_________________
(١) سورة التوبة.
(٢) تفسير الطبري ١١/ ٧٢، حيث يوضح ذلك تفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي المتوفي ١٨٢ هـ وهو مفسر كبير لكنه ضعيف عند المحدثين (تقريب ١/ ٤٨٠).
[ ٢ / ٥٢٣ ]
هذا التحول الذي يتسق مع طبيعة الإسلام وأهدافه في الحياة والذي تعتبر غزوة تبوك أحد شواهده.
وتبوك موقع شمال الحجاز يبعد عن المدينة المنورة ٧٧٨ كيلا حسب الطريق المعبدة في الوقت الحاضر، وكانت من ديار قضاعة الخاضعة لسلطان الروم آنذاك، وقد سماها الرسول ﷺ بتبوك (١)، وسميت بغزوة العسرة أيضا لما كان أصاب المسلمين من الضيق الاقتصادي وقتها (٢)، والذي تدل عليه أيضا الآية الكريمة ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ..﴾ (٣)، وقد بين كل من قتادة ومجاهد (٤) - وهما إمامان كبيران في التفسير بالمأثور - أن "الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتناولون التمرة بينهم يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها" (٥) ولا يعرف إن كانت الأزمة الاقتصادية وقت هذه الغزوة ترجع إلى توقيت الحملة قبل جني ثمار التمر وبيعه أم أنها ترجع لعوامل أخرى أبعد (٦).
المنفقون على جيش تبوك:
وقد حث الرسول ﷺ على النفقة ووعد المنفقين بعظيم الأجر من الله، فسارع أغنياء الصحابة وفقراؤهم إلى تقديم الأموال، وكان عثمان بن عفان أكثر
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الفضائل ٧/ ٦٠ - ٦١.
(٢) صحيح البخاري: كتاب التوحيد ٩/ ١٢٩، ومواضع أخرى من صحيحه؛ وصحيح مسلم ٥/ ٨٢. انظر: فتح الباري ٨/ ٨٤؛ وانظر عن الضيق الاقتصادي أيضًا: صحيح مسلم ١/ ٢٦ - ٢٧، ٤١ - ٤٢؛ والنووي: شرح صحيح مسلم ١/ ٢٢١ - ٢٢٣؛ وتفسير القرطبي ٨/ ٢٧٩.
(٣) سورة التوبة: الآية (١١٧).
(٤) الإسنادان منقطعان حيث أن قتادة ومجاهدا لم يدركا ذلك، والإسناد إلى قتادة صحيح وأما الإسناد إلى مجاهد ففيه ضعف سنيد بن داؤد المصيصي.
(٥) تفسير الطبري ١١/ ٥٥.
(٦) فتح الباري ٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
المنفقين على جيش تبوك، فقد قال الرسول ﷺ: "من جهز جيش العسرة فله الجنة" فجهزهم عثمان (١). حيث جاء بألف دينار فصبها في حجر النبي ﷺ والنبي ﷺ يقول: "ما ضرَّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم" - يرددها مرارا (٢) -. وقد وردت روايات أخرى لكنها ضعيفة تفيد أن عثمان قدم معونات أخرى للجيش كالإبل وعدتها (٣). وإن كان ذلك لا يمنع أن عثمان قدم ذلك، فقد ثبت أن الصحابة أقروا له بتجهيز جيش العسرة، وهم ثلاثون ألف مقاتل فلابد أنه أنفق نفقة عظيمة في ذلك.
وقد ذكر الطبري بأسانيد عديدة لا تخلوا جميعا من ضعف لكنها تتساند لتقوية الخبر تاريخيا - أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم - وهي نصف أمواله في تجهيز جيش العسرة (٤).
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الوصايا ٤/ ١١؛ وفتح الباري ٥/ ٣٠٦، وقارن بسنن الترمذي؛ كتاب المناقب ١٢/ ١٥٣ - ١٥٤، وقال: حديث حسن صحيح غريب.
(٢) مسند أحمد ٥/ ٥٣؛ وسنن الترمذي: كتاب المناقب ١٣/ ١٥٤ - ١٥٥. وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. والحاكم: المستدرك ٣/ ١٠٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التصحيح، ولكن يبدو أنهما تساهلا في تصحيحه لأن في إسناده كثير بن أبي كثير مولى ابن سمرة حكم عليه الحافظ في التقريب أنه مقبول (٢/ ١٣٣) ووثقه العجلي وابن حبان وهما متساهلان (ميزان الاعتدال ٣/ ٤١٠) ويبدو أن الحديث صالح للاعتبار ويقوي بغيره إلى الحسن.
(٣) سنن الترمذي، كتاب المناقب ١٣/ ١٥٣ - ١٥٤ وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث السكن بن المغيرة. والحاكم: المستدرك ٣/ ١٠٢ وصححه ووافقه الذهبي، ولكن فيه فرقد أبو طلحة مجهول العين (تهذيب التهذيب ٨/ ٢٦٤) فلا يسلم لهما بهذا التصحيح.
(٤) الطبري: تفسير ١٠/ ١٩١ - ١٩٦ وفيه المثنى بن إبراهيم الأملي لا يعرف وعمر ابن أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف نبه الشيخ محمود محمد شاكر على سقوطه من السند وأنه يضعف. و١٠/ ١٩٤ - ١٩٥ وهو مسلسل بالضعفاء العوفيين. و١٠/ ١٩٧ وفي إسناده محمد بن رجاء أبو سهل العباداني لا يعرف وعامر بن يساف ضعيف. و١٠/ ١٩٥ وهو من مرسل مجاهد وفي سنده عبد الله بن أبي نجيح وهو مدلس وقد عنعن عن مجاهد. و١٠/ ١٩٥ وهو من مرسل قتادة بإسنادين صحيحين إليه.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
ولم يجد فقراء المسلمين إلا أن يتقدموا باليسير الذي يقدرون عليه فجاءوا على استحياء متعرضين لسخرية المنافقين. فقد جاء خيثمة الأنصاري بصاع تمر فلمزه المنافقون (١) وجاء أبو عقيل بنصف صاع من تمر، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا!! وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ (٢)﴾ (٣) فهم يتهمون الأغنياء بالرياء ويسخرون من فقر الفقراء!!.
موقف المنافقين في غزوة تبوك:
وقد استعلن أمر النفاق في هذه الغزوة وقام المنافقون بحرب دعائية عند إعلان النفير فمضوا يثبطون الناس ويقولن: (لا تنفروا في الحر) فقد كان الحر شديدا، وكان الناس يفيئون إلى ظلال الأشجار، فكان المنافقون يستغلون ذلك لإشاعة روح التخاذل وقد ذهب بعضهم إلى النبي ﷺ يستأذنه بالتخلف مبديًا الأعذار الكاذبة حتى عاتب الله نبيه على إذنه لهم ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤) وقد وصف القرآن منافقي الأعراب بأنهم أشد كفرًا ونفاقًا من منافقي أهل المدينة لأنهم أقسى قلوبًا وأقل علمًا بالسنن والأحكام ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٥). وهكذا فإن النفاق لم يكن منحصرًا في المدينة بل امتد إلى البوادي ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (٦). وقد نهى القرآن عن قبول أعذار المنافقين
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التفسير ٦/ ٥٦؛ وفتح الباري ٨/ ٣٣٠.
(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ١٩٧، بإسناد صحيح.
(٣) سورة التوبة: الآية (٧٩).
(٤) سورة التوبة: الآية (٤٣). وتفسير الطبري ١٠/ ١٤٢، بإسناد صحيح إلى مجاهد مرسلًا.
(٥) سورة التوبة: الآية (٩٧). وتفسير الطبري ١١/ ٣.
(٦) سورة التوبة: الآية (١٠١).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
وتصديقهم ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) ووصفهم القرآن بأنهم رجس (٢).
وهكذا وضعت الحواجز بين المؤمنين والمنافقين، ولم يعد التعامل مع المنافقين يقوم على الستر وعدم المجابهة، بل صارت المفاصلة أساسا للتعامل، فقد فضحهم القرآن الكريم، وامتنع الرسول ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار الذي بنوه وأحرقه كما أمتنع عن الصلاة على أمواتهم وكان قد صلى على عبد الله ابن أبي بن سلول حين موته عقب عودة المسلمين من تبوك ثم منعه الله من ذلك ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٣).
وقد ابتنى المنافقون مسجدًا قبيل غزوة تبوك ليجتمعوا فيه مكايدة للمسلمين ومضرة بهم، وزعموا أنهم بنوه للمنفعة والتوسعة على المسلمين، وقد أرادوا أن يفرقوا اجتماع المؤمنين في مسجد الرسول ﷺ بالمدينة بصرف بعضهم للصلاة فيه، وقد طلب المنافقون من الرسول أن يصلي فيه تمويهًا على الناس فنهاه القرآن عن ذلك وسماه مسجدا ضرارًا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٤).
وقد تخلف معظم المنافقين عن الغزوة ومضى بعضهم الآخر مع الجيش يقتنصون الفرص للكيد والإرجاف.
_________________
(١) سورة التوبة: الآية (٩٤).
(٢) سورة التوبة: (الآية ٩٥).
(٣) فتح الباري ٨/ ٣٣٣، ٣/ ٢١٤ بإسناد صحيح. والآية في سورة التوبة: (٨٤).
(٤) سورة التوبة: آيتي (١٠٧ - ١٠٨). وتفسير الطبري ١١/ ٢٣ - ٢٤.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وقد انفرد الواقدي بأن النبي ﷺ أرسل رسلا إلى القبائل يستنفرها للخروج إلى تبوك (١). ورغم تفرده فإنه يتفق مع النفير العام المعلن ولا شك أن قبائل العرب استنفرت للقتال كما تدل على ذلك سورة التوبة.
أما داخل المدينة فقد أعلن النفير، وذكر ذلك القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢). فقد ذكر مجاهد أنها نزلت في غزوة تبوك حيث أمروا بالنفير حين جني التمر وطيب الثمار واشتهاء الظلال. فشق عليهم المخرج (٣). وقد طالبهم القرآن الكريم كما يبين مجاهد بأن ينفروا شبانًا وشيوخًا وأغنياء وفقراء بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤). ولما استأذن بعضهم في التخلف عن الغزوة نزل فيهم قرآن ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إذا كانت تبوك بعيدة عن المدينة والسفر إليها شاقًا، ولم تكن غنيمة سهلة (٥).
فتخلف الأعراب والمنافقون وعدد يسير من الصحابة رضوان الله عليهم من أصحاب الأعذار سوى ثلاثة لم يكن لهم عذر عن شهود هذه الغزوة.
_________________
(١) مغازي ٣/ ٩٩٠ وقد اعتمد عليه من ذكر ذلك بعده، ولا يحتج بالواقدي إذا انفرد، ولكن لابد أن يتم استنفار للقبائل خارج المدينة كما استنفر الصحابة بالمدينة.
(٢) سورة التوبة: الآية (٢٨).
(٣) تفسير الطبري ١٠/ ١٣٣، ورجال إسناده إلى مجاهد ثقات لكنه مرسل، وفيه عنعنة عبد الله ابن أبي نجيح المكي وهو مدلس.
(٤) سورة التوبة: الآية (٤١). والإسناد إلى مجاهد صحيح لكنه مرسل (تفسير الطبري ١٠/ ١٣٨).
(٥) تفسير الطبري ١٠/ ١٤١، بإسناد حسن إلى قتادة لكنه مرسل.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
مسارعة المؤمنين إلى الجهاد:
ونظرا لبعد السفر وكثرة الأعداء فقد كشف الرسول ﷺ للمسلمين عن وجهته ليستعدوا لذلك خلافا لنهجه في الحروب فإنه لا يعلن وجهته حتى لا يصل الخبر إلى عدوه فيأخذوا أهبتهم (١).
وقد سارع المؤمنون إلى الخروج في هذه الغزوة، حتى إذا طلب الرسول ﷺ من علي بن أبي طالب أن يخلفه في أهله، قال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟ وقال له الرسول ﷺ: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي (٢) "، وهكذا شأن أصحاب العقيدة لا يفرحون بالثمار والظلال بل يؤثرون الحر والظمأ والجوع في سبيل الله، فهي غنيمتهم التي يدخرونها لآخرتهم.
قال أبو خيثمة الأنصاري: "تخلفت عن رسول الله ﷺ، فدخلت حائطا فرأيت عريشا قد رش بالماء، ورأيت زوجتي فقلت: ما هذا بإنصاف، رسول الله ﷺ في السموم والحرور وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي وتمرات فخرجت، فلما طلعت على العسكر فرآني الناس، قال النبي: كن أبا خيثمة فجئت، فدعا لي" (٣).
وقد حزن الفقراء المؤمنين لأنهم لا يملكون نفقة الخروج إلى الجهاد فهذا علبة بن زيد أحد البكاءين صلى من الليل وبكى، وقال: "اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ولم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، وإني
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٣).
(٢) صحيح البخاري ٥/ ١٧، ومواضع أخرى وصحيح مسلم ٧/ ١٢٠ - ١٢١.
(٣) رواه الطبراني (فتح الباري ٨/ ١١٩). والرواية ذكرها بتفصيل ابن إسحق بدون إسناد (سيرة ابن هشام ٤/ ١٦٣ - ١٦٤)، وذكرها وزاد عليه كل من عروة بن الزبير وموسى بن عقبة (ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ٧ - ٨). وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه ٨/ ١٠٧؛ والإمام أحمد في مسنده ٦/ ٣٨٧ - ٣٨٨ قسما من هذه الرواية وهو قول: "كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة".
[ ٢ / ٥٢٩ ]
أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في جسد أو عرض" فأخبره النبي ﷺ أنه قد غفر له (١).
وجاء الأشعريون يتقدمهم أبو موسى الأشعري يطلبون من النبي ﷺ أن يحملهم على إبل ليتمكنوا من الخروج للجهاد فلم يجد ما يحملهم عليه حتى مضي بعض الوقت فحل لهم على ثلاثة من الإبل (٢).
وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو النفقة عن الخروج إلى حد البكاء شوقا للجهاد وتحرجا من القعود حتى نزل فيهم قرآن: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٣) وقد خص النبي ﷺ هؤلاء المتخلفين المعذورين ممن حسنت نياتهم واستقامت طويتهم بقوله: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟! قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر" (٤). وقد حكى كعب بن مالك أنه لم يبق بالمدينة إلا المنافقون وأهل الأعذار من الضعفاء (٥).
_________________
(١) قصة علبة بن زيد وردت من طرق ضعيفة متعددة المخارج ولها شاهد صحيح لكن دون تسمية صاحب الصدقة وهي بالجملة تصلح للشاهد التاريخي (راجع الإصابة ٤/ ٥٤٦ - ٥٤٨).
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٠ - ١١١)؛ ومسند أحمد ٤/ ٣٩٨ بسند صحيح.
(٣) سورة التوبة: آيتي (٩١ - ٩٢). وتفسير الطبري ١٠/ ٢١١، ولم يصح شيء في تعيين من نزلت بحقهم بالأسماء حيث اختلفت الروايات في ذلك. فمن قائل إنها في البكاءين أو في العرباض بن سارية أو عائذ بن عمرو أو في بني مقرن.
(٤) فتح الباري ٨/ ١٢٦.
(٥) فتح الباري ٨/ ١٢٦.
(٦) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٤).
[ ٢ / ٥٣٠ ]
عدد جيش تبوك:
وقد وردت روايات في عدد جيش تبوك ظاهرها التعارض ولكن يسهل التوفيق بينها فقد قال كعب بن مالك: "والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان" (١).
وفي رواية أخرى عن كعب: "يزيدون على عشرة آلاف" (٢).
وقال الحاكم في الإكليل إنهم "زيادة على ثلاثين ألفًا" وبهذه العدة جزم ابن إسحق.
وقال الواقدي "إنه كان معه عشرة آلاف فرس" فيمكن أن تحمل رواية كعب على إرادة عدد الفرسان (٣)، دون بقية الجيش من المشاة، ونقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا أربعين ألفًا (٤). وقال زيد بن ثابت إنهم كانوا ثلاثين ألفًا (٥).
ويبدو أن أغلب المؤرخين يميلون إلى القول أنهم كانوا ثلاثين ألفًا وهو عدد يدل على مدى استجابة المؤمنين لدواعي العقيدة في تلك الظروف القاسية من الحر الشديد والعسرة. وهو أكبر جيش قاده الرسول ﷺ في حياته. ويذكر الواقدي أنه لما اجتمع الجيش مضى بهم الرسول ﷺ من المدينة إلى ذي خشب على ٤٠ كيلًا من المدينة في طريق الشام، ومنها انطلق إلى تبوك وكان دليله علقمة ابن الفغواء الخزاعي (٦).
وفي تبوك أعطى اللواء الأعظم للصديق (رضي) والراية العظمى للزبير، وراية الأوس إلى أسيد بن حضير ولواء الخزرج إلى أبي دجانة ويقال إلى الحباب
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٣).
(٢) صحيح مسلم ٨/ ١١٢.
(٣) ابن حجر: فتح الباري ٨/ ١١٨.
(٤) المصدر السابق ٨/ ١١٨.
(٥) مغازي الواقدي ٣/ ٩٩٦.
(٦) مغازي الواقدي ٢/ ٩٩٩ وهو متروك فلا حاجة للنظر إلى سند الرواية وقد ذكر فيها أنه ﷺ كان يجمع بذي خشب بين الظهر والعصر، ونظرًا لأن الكلام يتعلق بحكم شرعي والواقدي شديد الوهن فلم أشر إلى ذلك في المتن.
[ ٢ / ٥٣١ ]
ابن المنذر (١). وأمر كل بطن من الأنصار أن يتخذوا لواء وراية، والقبائل من العرب فيها الرايات والألوية. وكان زيد بن ثابت يحمل راية بني مالك بن النجار، وأبو زيد يحمل لواء بني عمرو بن عوف، ومعاذ بن جبل يحمل راية بني مسلمة (٢). وسائر هذه المعلومات عن طريق الجيش وتوزيع الرايات ينفرد بها الواقدي، وهو متروك، ولكنه غزير المعلومات في السيرة، وأخذ مثل هذه المعلومات منه لا يضر.
المتخلفون عن غزوة تبوك:
وقد تخلف عن غزوة تبوك ثلاثة من الصحابة وهم: كعب بن مالك ومرارة ابن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، والثلاثة من الأنصار المعروفين بحسن إيمانهم، فقد شهد كعب بن مالك سائر الغزوات قبلها سوى بدر، كما شهد بيعة العقبة الثانية، وقد سوَّف في الاستعداد للغزوة ولم يكن يعتزم التخلف عنه، ولكن غلبه التسويف، والميل إلى الظلال والثمار حتى خرج الناس!!
وأما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فكلاهما قد شهد بدرًا، كما تخلف عنه بعضة وثمانون رجلًا (٣) آخرون، وقد ذكر الواقدي أن هذا العدد كان من منافقي الأنصار، وأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضا اثنين وثمانين رجلا من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي ومن أطاعه من قومه كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عدد كثيرا (٤). وكان من يختلف يظن أن لا أحد يفطن لتخلفه لكثرة الجيش (٥).
_________________
(١) مغازي الواقدي ٢/ ٩٩٦ وابن سعد: طبقات ٣/ ١٦٩
(٢) ابن عساكر: تاريخ دمشق ١/ ٤١٦ بإسناده إلى الواقدي أيضا.
(٣) و(٤) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٤). وتفسير الطبري ١١/ ٥٨ من مرسل الزهري.
(٤) فتح الباري ٨/ ١١٩.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وقد تفقد الرسول ﷺ وهو في طريقه إلى تبوك بعض من تخلف وسأل أبارهم كلثوم بن حصين الغفاري عمن تخلف من بني غفار واسلم (١) كما سأل في تبوك عن كعب بن مالك (٢).
وقد عقَّبت سورة التوبة بتفصيل على موقف المتخلفين، فأنكرت عليهم التخلف عن النفير العام حيث تحول الجهاد بذلك إلى فرض عين، ثم أعلنت قبول توبتهم وأخذ صدقات أموالهم بعد اعترافهم بذنوبهم في التخلف عن الغزوة وطلبهم قبول صدقاتهم منهم، كما عرَّت السورة المنافقين وأنهم لا يؤمنون بقدر الله ويحبون الحياة ويرغبون عن الجهاد بالنفس خوفًا من الموت، وقد ينفقون المال كرهًا دون نية صالحة، ولهم جرأة على قول الباطل فهم يتهمون سواهم بالجبن فإذا حوسبوا عن أقوالهم تنصلوا منها وزعموا أنهم كانوا يمزحون!! وقد رفض القرآن عذرهم وأعلن كفرهم ونهى عن الاستغفار لهم والصلاة على أمواتهم، وتوعدهم بالبكاء طويلًا في جهنم مقابل ضحكهم في الدنيا الفانية، ومنعهم من المشاركة في الجهاد مستقبلًا تبكيتًا لهم وتنقية لصف المؤمنين من أمثالهم، وتمييزًا لهم عن المؤمنين لئلا يشيعوا فيهم الضعف والخذلان، وقد أرجأت إحدى الآيات البت في أمر بعض المتخلفين الذين ندموا على تخلفهم وهم من غير المنافقين المعتذرين والمتخلفين المعترفين بخطئهم.
وقد عاتبت هذه السورة المتخلفين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب مبينة عظيم أجر الجهاد. وما ذلك إلا لأن الجهاد يصير متعينًا وقت النفير العام.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٢ - ١٧٣ من رواية ابن إسحق عن الزهري ولم يصرح بالسماع بل بلفظ "وذكر الزهري" فلعله أخذها وجادة من مغازي الزهري وقد وردت من طريق معمر عن الزهري (موارد الظمآن في زوائد ابن حبان ٤١٨) فتقوى الرواية إلى الحسن لغيره.
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١١٤).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
الوصول إلى تبوك:
وقد ذكرت المصادر نصَّ خطبة طويلة ألقاها الرسول ﷺ في تبوك ولم تثبت هذه الخطبة من طريق صحيح (١) رغم أن فقراتها مأخوذة من أحاديث أخرى معروفة بعضها صحيح وبعضها حسن، ويبدو أن بعض الرواة لفق منها هذه الخطبة.
وفي تبوك أرسل النبي ﷺ خالد بن الوليد مع عدد من الصحابة إلى دومة الجندل وقد ذكر عروة بن الزبير مرسلا أنه أرسله في أربعمائة وعشرين فارسا (٢)، حيث أسر أكيدر بن عبد الملك الكندي - ملكها - وهو في الصيد خارجها (٣)، فصالحه النبي ﷺ على الجزية (٤). وقد تعجب المسلمون من قباء كان أكيدر يلبسه فقال الرسول ﷺ: "أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن من هذا" (٥). وقد ورد أن غنائم خالد من أكيدر كانت ثمانمائة من السبي وألف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح (٦).
وقد وصلت إلى تبوك هدية ملك أيلة للنبي ﷺ وهي بغلة بيضاء وبرد، فصالحه على الجزية (٧).
_________________
(١) أخرج الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٣٧ وأبو عبيد: الأموال ٢٥٥ - ٢٥٦ نص خطبة قصيرة وفي إسنادهما أبو الخطاب المصري مجهول. وأخرج الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٥/ ١٣ - ١٤ نص خطبة طويلة وفي إسناده عبد العزيز بن عمران متروك.
(٢) ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ١٧ وفي إسناده ابن لهيعة عن أبي الأسود، وابن لهيعة هنا ضعيف فضلا عن إرسالة عروة.
(٣) ابن حجر: الإصابة ١/ ٤١٢ - ٤١٥ من طريق ابن إسحق بإسناد حسن عن عاصم بن عمر عن أنس لولا عنعنة ابن إسحق وهو مدلس. والسيوطي: الخصائص الكبرى ٢/ ١١٢ - ١١٣ من طريق ابن إسحق أيضا عن شيخيه عبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان مرسلا وقد صرح ابن إسحق بالسماع.
(٤) سيرة ابن هشام ٤/ ١٨٢.
(٥) سيرة ابن هشام ٤/ ١٧٠ بإسناد حسن.
(٦) ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ١٧ وفي إسناده ابن لهيعة عن أبي الأسود وابن لهيعة هنا ضعيف فضلا عن إرسال عروة.
(٧) صحيح البخاري، كتاب الجزية ٦/ ٧٧ وصحيح مسلم، كتاب الفضائل ٧/ ٦١.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وتشير رواية ضعيفة إلى قيام مراسلة بين النبي ﷺ وهرقل ملك الروم من تبوك وأن النبي أوفد دحية الكلبي إليه، وأن هرقل أرسل التنوخي ليعرف بعض علامات النبوة (١) ولو صح ذلك لكان إرسال دحية للمرة الثانية لأنه حمل رسالة النبي ﷺ إلى قيصر في أول سنة ٧ هـ.
ولم يقع قتال مع الروم في هذه الغزوة بل انتهى المسلمون إلى تبوك ولم يلقوا جموع الروم والقبائل العربية المتنصرة وآثر حكام المدن الصلح على الجزية.
وقد مكث الجيش عشرين ليلة (٢) في تبوك ثم عادوا إلى المدينة.
العودة من تبوك:
وفي طريق العودة من تبوك إلى المدينة مر المسلمون بالحجر، وهي في ديار ثمود الذين امتحنوا بالناقة فنحروها فأخذتهم الصيحة لعتوهم وعصيانهم (٣) وقد سارع الناس إلى دخول بيوت الحجر فنهاهم الرسول ﷺ (٤) وقال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي (٥)، كما نهاهم عن شرب الماء من بئرها أو الوضوء منه، وأن يعلفوا إبلهم ما عجنوه من عجين بمائها (٦).
وقد اشتكى المسلمون إلى النبي ﷺ ما أصاب إبلهم من الجهد في طريق العودة فدعا ربَّه: "اللهم احمل عليها في سبيلك، إنك تحمل على القوي
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٢٠٣، ٣/ ٤٤٢، ٤/ ٧٤، ٥/ ٢٩٢ بإسناد فيه سعيد بن أبي راشد وهو مقبول وقد تفرد به.
(٢) موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ١٤٥ بإسناد صحيح.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء ٤/ ١١٨ - ١١٩ وصحيح مسلم ٨/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٤) مسند أحمد ٤/ ٢٣١ بإسناد حسن وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ٥/ ١١ وقال: إسناده حسن وصححه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٤٠ - ٢٤١ ووافقه الذهبي.
(٥) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١٢٥).
(٦) ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ١١ بإسناد حسن إلى العباس بن سهل بن سعد الساعدي مرسلًا.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
والضعيف، وعلى الرطب واليابس، في البر والبحر" فنشطت بهم حتى أبلغتهم المدينة ولم يشتكوها (١).
وفي طريق العودة حاول المنافقون وهم متلثمون لا يعرفون تنفير دابة الرسول ﷺ في إحدى الثنايا لتطرحه، ففطن لهم وأمر بإبعادهم (٢).
ولما اقترب الجيش من المدينة خرج الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقونه (٣)، ودخل المدينة فصلى في مسجده ركعتين ثم جلس للناس. وجاءه المنافقون المتخلفون عن الغزوة فاعتذروا بشتى الأعذار، فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، وجاء كعب بن مالك وقد سبقه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، وقد أقر الثلاثة بأنه لا عذر لهم في تخلفهم عن الغزوة، ولم يرضوا أن يضيفوا إلى ذنب التخلف ذنبًا جديدًا وهو الكذب ن فنهى الرسول ﷺ المسلمين عن الكلام مع الثلاثة، فاجتنبهم الناس خمسين ليلة وأمرت نساؤهم باعتزالهم، فذهبن عند أهلهن إلا زوجة هلال إذ كان شيخا كبيرا فبقيت لخدمته فقط بإذن من الرسول ﷺ. وقد ضاقت بهم الدنيا، وحاول ملك الغساسنة استغلال الموقف فراسل كعب بن مالك ليلحق به، لكن كعب بن مالك أحرق الرسالة وقال إنها زيادة في امتحانه. واستمرت المقاطعة حتى نزل القرآن يعلن توبة الله عليهم ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٤)﴾ (٥).
_________________
(١) مسند أحمد ٦/ ٢٠ بإسناد حسن، وموارد الظمآن في زوائد ابن حبان ٤١٨.
(٢) مسند أحمد ٥/ ٣٩٠ - ٣٩١ بإسناد حسن. والبيهقي: السنن الكبرى ٩/ ٣٢ - ٣٣ من طريقين أحداهما عن ابن إسحق بدون إسناد والثانية عن عروة بن الزبير مرسلًا أيضًا، وفي الإسناد إلى عروة ضعف بسبب ابن لهيعة.
(٣) صحيح البخاري، كتاب المغازي ٦/ ٨.
(٤) سورة التوبة: آية ١١٨.
(٥) فتح الباري ٨/ ١١٣ - ١١٦ من رواية البخاري.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
الأحكام المستنبطة من غزوة تبوك:
صلى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف الذي أم المسلمين في صلاة الفجر بتبوك حيث تأخر عنهم في حاجته، ولما قدم أراد عبد الرحمن أن يتأخر فأومأ له النبي أن يتم بهم الصلاة وصلى خلفه. مما يدل على جواز إمامة المفضول وصلاة الأفضل خلفه (١).
وقد سأله معاذ بن جبل عن عمل يدخله الجنة وهما في طريق العودة فأجابه النبي ﷺ بأن رأس هذا الأمر الشهادة وقوامه الصلاة والزكاة وذروة سنامه الجهاد (٢).
وقد سئل ﷺ في هذه الغزوة عن سترة المصلي؟ فأجاب بأنها مثل مؤخرة الرحل (٣).
وقد جمع في الغزوة بين صلاة الظهر والعصر، وكذلك المغرب والعشاء (٤).
وقد أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة (٥).
وفي الطريق إلى تبوك خرص الرسول ﷺ حديقة في وادي القرى، أي حزر مقدار التمر الذي يجتني من الرطب على النخل، مما يدل على مشروعية الخرص (٦).
وطلب الماء من بيت في تبوك وهو في قربة من جلد، وقال عن أهبة الميتة: دباغها طهورها (٧).
وأهدر ثنية رجل عض يد رجل آخر فانتزعها بقوة ومعها الثنية (٨).
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ١٥٨ - ١٥٩ وصحيح البخاري ١/ ٤٣ - ٤٤.
(٢) مسند أحمد ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦ بإسناد حسن.
(٣) سنن النسائي ٢/ ٦٢ بإسناد صحيح.
(٤) شرح موطأ مالك للزرقاني ٢/ ٥٥ - ٥٨.
(٥) موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص ١٤٥ بإسناد صحيح.
(٦) فتح الباري ٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٧) سنن أبي داؤد، كتاب اللباس ٤/ ٦٤ بإسناد حسن.
(٨) صحيح البخاري ٩/ ٧ - ٨ ومسلم ٥/ ١٠٤ - ١٠٥. وفتح الباري ٨/ ١١٢ - ١١٣.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
ويستدل من مقاطعة الثلاثة المتخلفين عن الغزوة من الصحابة على جواز الهجر أكثر من ثلاث لسبب شرعي (١).
* * *
لقد حققت هذه الغزوة أهدافها بتوطيد سلطان الإسلام في الأقسام الشمالية من شبه الجزيرة العربية، وكانت تمهيدًا لفتوح بلاد الشام، حيث أن الرسول ﵊ كان قد جهز جيشا بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة قبيل وفاته للتوجه إلى الشام، لكن الجيش لم يتحرك نحو أهدافه إلا في خلافة الصديق (رض) حيث حالت وفاة الرسول ﷺ دون إنفاذه في حياته، ورغم ظروف الخطر المحدقة بالمدينة وبكيان الإسلام كله بسبب حركة الردة فإن الصديق أصر على إنفاذ الجيش وما أن استتبت الأمور نسبيا حتى جهز الصديق جيوش الفتح إلى بلاد الشام والعراق تحقيقا لأهداف الدعوة الإسلامية بتحرير البشر من نير الظلم والطغيان والعبودية لغير الله ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.
_________________
(١) أنظر عن الفوائد الكثيرة المستنبطة، فتح الباري ٨/ ١٢٣ - ١٢٤ حيث يفصل ذلك.
[ ٢ / ٥٣٨ ]