لقد ارتكبت قريش خطأ فادحًا عندما أعانت بالخيل والسلاح والرجال حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين، فأوقعوا بها الخسائر على ماء بأرض خزاعة يدعى الوتير، فاستنجدت خزاعة بالمسلمين، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة فأنشد أبياتا من الشعر أمام الرسول ﷺ يستنصره، فقال الرسول ﷺ: "نصرت يا عمرو بن سالم" (١).
ويذكر ابن إسحاق أن بني بكر ألجأوا خزاعة إلى الحرم وقاتلوها فيه (٢)، ويذكر الواقدي أن قتلى خزاعة بلغوا عشرين رجلا (٣). وقد أوضح موسى بن عقبة أن الذين أعانوا بكرا على خزاعة من زعماء قريش فيهم صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو، ويذكر أن الإعانة كانت بالسلاح والرقيق (٤).
وتصرف قريش هذا نقض صريح لمعاهدة الحديبية، وعدوان سافر على حلفاء المسلمين، وقد أدركت قريش خطورة الموقف، وتشير بعض الروايات إلى أن الرسول ﷺ أرسل إلى قريش يخيرهم بين دفع دية قتلى خزاعة أو البراءة من حلف بكر أو القتال فاختارت القتال، ثم ندمت وأرسلت أبا سفيان إلى المدينة يطلب تجديد المعاهدة، لكنه فشل في الحصول على وعد بتجديد المعاهدة (٥).
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٢٧٨ من طريق ابن إسحق بإسناد حسن لذاته وقد صرح ابن إسحق بالتحديث وله شاهد ضعيف في الطبراني: المعجم الصغير ٢/ ٧٣ لضعف يحيى بن سليمان الخزاعي وشاهد آخر في مسند أبي يعلى الموصلي ٤/ ٤٠٠ وفي سنده حزام بن هشام الخزاعي شيخ محله الصدق وأبوه تابعي مجهول الحال وقد وثقهما ابن حبان (الهيثمي: مجمع الزوائد ٦/ ١٦٢).
(٢) السيرة النبوية ٢/ ٣٨٩ بدون إسناد.
(٣) الواقدي: المغازي ٢/ ٧٨٤ بإسناد ضعيف جدا.
(٤) ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٢٨١ من رواية موسى بن عقبة بدون إسناد.
(٥) ابن حجر: المطالب العالية ٤/ ٢٤٣ من مرسل محمد بن عباد بن جعفر بإسناد إليه صحيح. وفتح الباري ٨/ ٦ من رواية محمد بن عائذ الدمشقي من حديث ابن عمر وقارن بابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٢٨١ والواقدي: المغازي ٢/ ٧٨٦.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وأمر الرسول ﷺ أصحابه بالتجهز للغزو ولم يعلمهم بوجهته وحرص على السرية لئلا تستعد قريش للقتال (١). وقد استنفر القبائل التي حول المدينة: أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه بالطريق، وقد بلغ عدد جيش المسلمين عشرة آلاف مقاتل (٢). "وأوعب مع رسول الله المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد" (٣) مما يدل على طاقة المسلمين العليا في حشد الجيوش في هذه المرحلة. وكان في الجيش ألف من مزينة وألف من سليم (أو سبعمائة) (٤).
وهذا العدد الكبير يدل على تعاظم قوة المسلمين ما بين صلح الحديبية وفتح مكة.
وقد أرسل حاطب بن أبي بلتعة - وهو صحابي بدري- كتابا إلى قريش يخبرها بأن المسلمين يريدون غزوها، وحملت الكتاب امرأة عجوز، فأرسل النبي ﷺ عليًا والزبير والمقداد، فأمسكوا المرأة في روضة خاخ على بعد اثني عشر ميلا من المدينة، وهددوها أن يفتشوها إن لم تخرج الكتاب، فسلمته لهم "فقال رسول الله ﷺ يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرًا ملصقًا في قريش، يقول: كنت حليفًا، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين، من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا، يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: أما أنه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٢٨٣ من رواية ابن إسحق بإسناد صحيح.
(٢) ابن سعد: الطبقات ٢/ ٣٩٧ بدون إسناد.
(٣) ابن إسحق بإسناد حسن لذاته (سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٩).
(٤) المصدر السابق.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى آخر قوله ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١) (٢). وبذلك شرع الله عداوة الكفار ومصارحتهم ومنع موالاتهم وصداقتهم.
وفي حادثة حاطب هذه تظهر معجزة الرسول ﷺ حيث أخبر بأمر المرأة وكتاب حاطب الذي أرسله معها. وفيها حكم الجاسوس وجواز هتك ستره، وأنه بارتكابه هذه الكبيرة لا يكفر.
وقد خرج النبي ﷺ من الدينة في رمضان سنة ثمان للهجرة، وكان المسلمون صياما حتى بلغوا كديدا - وهي عين جارية تبعد عن مكة ٨٦ كيلا، وبينهما وبين المدينة ٣٠١ كيل - فأفطروا (٣).
وقد استخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين الغفاري (٤).
وقد وصل الجيش الإسلامي إلى مر الظهران دون أن تعلم قريش بتحركه، وكان خروجه من المدينة لعشر خلون من رمضان ودخوله لتسع عشرة خلت منه وهو المشهور في كتب المغازي (٥). وقد وقع اختلاف في تاريخ الفتح ما بين ثلاث عشرة وست عشرة وسبع عشرة وثماني عشرة من رمضان واتفقوا أنه في رمضان سنة ثمان (٦).
_________________
(١) سورة الممتحنة: آية ١.
(٢) البخاري: صحيح ٤/ ٧٢، ٥٧٩/ ٩٩، ٩/ ٢٣ وصحيح مسلم ٢/ ١٧٠.
(٣) البخاري: صحيح ٥/ ١٨٥ وفتح الباري ٤/ ١٨٠ - ١٨١. والنووي: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ٣/ ١٧٣ وقد حدد المسافات بالمراحل والأميال.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٩ من رواية ابن إسحاق بإسناد حسن لذاته وقد صححه الحافظ ابن حجر (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ٤/ ٢٤٨). وصححه الحاكم وقال أنه على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٤٤) ولكن ابن إسحق ليس على شرطهما وقد أخرج له مسلم في المتابعات فقط.
(٥) النووي: شرح مسلم ٣/ ١٧٦.
(٦) صحيح مسلم ١/ ٤٥٢، ٤٥٣ وطبقات ابن سعد ٢/ ١٣٨.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وفي طريق المسلمين إلى مكة قدم بعض زعماء المشركين، فأعلنوا إسلامهم، ففي الأبواء قدم أبو سفيان بن الحارث أخو الرسول ﷺ من الرضاعة، وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة، فأسلما. وكانا شديدين في معاداة الإسلام، فكان أبو سفيان بن الحارث يهجو المسلمين ويقاتلهم في سائر الحروب عشرين سنة حتى قذف الله في قلبه الإسلام، وحسن إسلامه فكان أحد الذين صمدوا مع الرسول ﷺ في غزوة حنين حين فر الناس (١). وكان عبد الله بن أبي أمية شديد العداوة للمسلمين وهو أخو أم سلمة -أم المؤمنين- لأبيها، وقدم على الرسول ﷺ بين السقيا والعرج على طريق (المدينة - مكة)، فأسلم وحسن إسلامه فشهد فتح مكة واستشهد في حصار الطائف (٢).
وفي الجحفة - قرب رابغ الآن- قدم العباس بن عبد الطلب على الرسول ﷺ مهاجرا (٣)، وكان العباس قد أسلم قبل فتح خيبر (٤)، وقد وردت روايات ضعيفة تبين إسلامه قبل بدر (٥). بل قبل الهجرة إلى المدينة (٦). ويردُّ ذلك أن النبي ﷺ طالبه بأن يفتدي عندما أسر ببدر ولا شك أن العباس قدم خدمات جليلة للإسلام قبل دخوله فيه فقد كان يوافي الرسول ﷺ بأخبار قريش، وكان ملاذًا للمسلمين المستضعفين بمكة.
_________________
(١) مستدرك الحاكم ٣/ ٤٣ - ٤٥ بإسناد حسن وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وانظر سيرة ابن هشام ٢/ ٤٠٠ وتاريخ الطبري ٣/ ٥٠ وأنظر قصيدته في إسلامه في صحيح مسلم ٢/ ٣٩٥.
(٢) ابن عبد البر: الاستيعاب (بهامش الاصابة) ٢/ ٢٦٣.
(٣) ابن هشام: السيرة النبوية ٢/ ٤٠٠ نقلا عن الزهري دون إسناد.
(٤) عبدالرازق: المصنف ٥/ ٤٦٦ وأحمد: المسند ٢١/ ١٢٢ والفسوي: المعرفة والتاريخ ١/ ٥٠٧، ٥٠٨، ٥٠٩، وقال ابن كثير: هذا الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى النسائي (البداية والنهاية ٤/ ٢١٧).
(٥) طبقات ابن سعد ٤/ ١٠ وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف، و٤/ ١١ وفي إسناده الواقدي متروك وابن أبي سبرة لا يحتج به.
(٦) طبقات ابن سعد ٤/ ٣١ وفي إسناده الواقدي متروك وابن أبي حبيبة ضعيف والسند منقطع.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
وفي مر الظهران عسكر المسلمون وعميت أخبارهم عن قريش فخرج أبو سفيان ابن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعي يتحسسون الأخبار، فالتقى بهم العباس بن عبد المطلب، وكان يريد أن يرسل إلى قريش رسولًا يطلب منهم أن يخرجوا أن يخرجوا لمصالحة الرسول ﷺ قبل أن يدخل عليهم مكة، وكان أبو سفيان وصاحباه يتناقشون بينهم في أمر الجيش المعسكر بمر الظهران وقد ظنه بعضهم "خزاعة" مما يدل على نجاح المسلمين في كتمان خبر تقدمهم إلى مكة، فلما أخبرهم العباس بأنه جيش المسلمين، سألوه عن رأيه، فطلب من أبي سفيان أن يمضي معه وبجواره إلى معسكر المسلمين، فوافق، وقابل الاثنان الرسول ﷺ، فدعا أبا سفيان للإسلام فتلطف في الكلام وتردد في الإسلام فأمر الرسول ﷺ العباس بأن يأخذه إلى خيمته ويحضره في صباح اليوم التالي، ففعل وأسلم أبو سفيان في اليوم التالي، وأطلعه العباس على قوة المسلمين حيث استعرض الجيش أمامه، فأدرك أبو سفيان قوة المسلمين وأنه لا قبل لقريش بهم، حتى إذا مرت به كتيبة المهاجرين والأنصار وفيهم رسول الله ﷺ قال: والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما، فقال العباس: ويحك يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذًا.
ومضى أبو سفيان إلى مكة فأخبر قريشا بقوة المسلمين ونهاهم عن المقاومة (١).
وكان سعد بن عبادة يحمل راية الأنصار عند استعراض الجيش فقال لما مر بأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فاشتكى أبو سفيان للرسول ﷺ من قولة سعد فقال الرسول ﷺ: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم
_________________
(١) ابن حجر: المطالب العالية ٤/ ٢٤٤ من رواية إسحق بن راهويه، وقال ابن حجر: هذا حديث صحيح، والطحاوي: شرح معاني الأثار ٣/ ٣٢٢ وقال: هذا حديث متصل الإسناد صحيح وقد صرح ابن إسحق فيه بالتحديث. وهي توافق ما في صحيح البخاري ٥/ ١٨٦ وإن كان فيها تفصيل أكبر.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
الله فيه الكعبة ويوم تُكسى فيه الكعبة" (١). وأخذ الراية من سعد بن عبادة فدفعها إلى ابنه قيس ثم كلم سعد الرسول ﷺ أن يأخذ الراية من ابنه قيس مخافة أن يقع في خطأ، فأخذها منه (٢).
وفي مر الظهران قرر النبي ﷺ الزحف على مكة، فعين القادة وقسم الجيش إلى ميمنة وميسرة وقلب، فكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى والزبير بن العوام على المجبنة اليسرى، وأبو عبيدة على الرجالة، وكانت راية الرسول ﷺ سوداء ولواؤه أبيض (٣).
وقد فصَّل الواقدي الكلام عن توزيع الرايات وحملتها، وذكر أن عدد المقاتلين من المهاجرين سبعمائة ومن الانصار أربعة آلاف ومن سليم أربعمائة ومن جهينة ثمانمائة ومن بني كعب بن عمرو خمسمائة ومجموع هؤلاء سبعة آلاف وأربعمائة مقاتل، وأن خيل هؤلاء المقاتلين بلغت تسعمائة وثمانين (٤). وما ذكره من العدد يخالف الروايات الصحيحة والواقدي متروك فلا يعول عليه خاصة إذا خالف غيره.
وقد جمعت قريش جموعًا من قبائل شتى ومن أتباعها لحرب المسلمين، وقصدت من ذلك أن تحمي أنفسها فإن أحرزوا نصرًا أعانتهم وإلا صالحت المسلمين. فأمر الرسول ﷺ بقتالهم ودخلت جيوشه حتى انتهت إلى الصفا ما يعرض لهم أحد إلا قتلوه ودخل الرسول ﷺ مكة من أعلاها من جهة كداء (٥) ودخل خالد بن الوليد من أسفلها (٦). وكانت مقاومة القرشيين يسيرة، حيث ذكر ابن إسحق أن عدد قتلى المسلمين في الخندمة حيث التحم خالد بن الوليد مع
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ١٨٦. و"كذب" كانت تستعمل بمعنى "أخطأ".
(٢) ابن حجر: مختصر زوائد البزار ٢٤٨. وقال: صحيح.
(٣) سنن ابن ماجة ٢/ ٩٤١ بإسناد حسن لذاته.
(٤) مغازي الواقدي ٢/ ٧٩٩، ٨٠١.
(٥) صحيح البخاري ٥/ ١٨٩.
(٦) فتح الباري ٨/ ١٠.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
بعض المشركين في قتال بلغ ثلاثة من الفرسان في حين قتل من المشركين اثنا عشر رجلا (١). وذكر موسى بن عقبة أن قتلى المشركين بلغوا قريبا من أربعة وعشرين (٢) وقال الواقدي إنهم بلغوا ثمانية وعشرين (٣). وقد ذكرت رواية ضعيفة أوردها الطبراني أن قتلى المشركين بلغوا سبعين قتلا (٤).
وأقوى هذه الروايات ما ذكره ابن إسحق وموسى بن عقبة فهما أوثق كتاب المغازي، ومغازي ابن عقبة أوثق بالجملة من سيرة ابن إسحق كما أن أبا سفيان أشار إلى كثرة القتلى من قريش فربما ترجِّحُ هذه القرائن رواية موسى بن عقبة. فقد قال أبو سفيان للرسول ﷺ:"يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم" مما يشير إلى كثرة القتلى، فقال الرسول ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق آخرون أبوابهم.
وقد خشى الأنصار أن يكون الأمان الذي أعطي لقريش دليلًا على رأفة النبي ﷺ بقومه ورغبة في البقاء بمكة فطمأنهم الرسول بقوله:"المحيا محياكم والممات مماتكم" (٥).
وكان الرسول ﷺ قد أمر قادة جيشه ألا يقاتلوا إلا من يقاتلهم، وأعلن الأمان للناس سوى أربعة رجال وامرأتين أباح دماءهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة وهم: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد
_________________
(١) السيرة النبوية ٢/ ٤٠٧ من رواية ابن إسحق عن اثنين من ثقات شيوخه مرسلا والحاكم: المستدرك ٣/ ٢٤١. وقد ذكر البخاري اثنين من شهداء المسلمين فقط.
(٢) البيهقي: السنن الكبرى ٩/ ١٢٠ بإسناد فيه لم أقف على ترجمته، وهو من مراسيل موسى ابن عقبة.
(٣) مغازي الواقدي ٢/ ٨٢٧ - ٨٢٩ بدون إسناد.
(٤) ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٢٩٧ وفي إسناده شعيب بن صفوان الثقفي مقبول فالرواية ضعيفة.
(٥) صحيح مسلم ٢/ ٩٥، ٩٦، ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
الله بن سعيد بن أبي سرح، وقد قتل عبد الله بن خطل (١) وهو متعلق بأستار الكعبة وقتل مقيس بن صبابة في سوق مكة، وتمكن عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح من الوصول إلى رسول الله ﷺ حيث أعلنا إسلامهما وحقنا بذلك دمهما (٢).
وقد جمع الحافظ ابن حجر أسماء الذين أهدر النبي ﷺ دماءهم من مفرقات الأخبار فبلغ عدد الرجال تسعة وعدد النساء ثماني (٣). وهؤلاء الذين أهدرت دماؤهم كانوا ممن ألحق الأذى الشديد بالمسلمين، فكان في إهدار دمهم عبرة لم تسول له نفسه الظلم والطغيان على أمل أن ينجو من العقاب طمعا في رحمة الإسلام وطيبة أتباعه.
وقد أباح النبي ﷺ لخزاعة أن تثأر من بني بكر في اليوم الأول من فتح مكة حتى العصر، وذلك لما كان من غدر بني بكر بخزاعة قبل الفتح رغم دخولها في صلح الحديبية.
_________________
(١) كان ابن خطل قد أسلم ثم قتل أحد المسلمين وارتد عن الإسلام، وفي قتله وهو متعلق بأستار الكعبة ما يدل على أن الكعبة لا تعيذ عاصيا مستحقا للحد الشرعي. (سيرة ابن هشام ٢/ ٤١٠ من طريق ابن إسحق بدون إسناد).
(٢) النسائي: سنن (السيوطي: زهر الربا ٧/ ١٠٥) وفي إسناده ضعف. وللحديث شاهدان رواهما البيهقي أحدهما في (ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٢٩٩ بإسناد فيه الحكم بن عبد الملك البصري ضعيف. ويذكر "عبد العزى بن خطل" بدل " عبد الله بن خطل" - وفي اسمه خلاف- و"أم سارة" بدل "عكرمة") والآخر في السنن الكبرى ٩/ ١٢٠ وفيه عمرو بن عثمان المخزومي مقبول ويذكر "الحويرث بن نقيذ" بدل "عكرمة" ورغم أن هذه الروايات ضعيفة لكنهما تتضامن لإسناد الخبر تاريخيًا، وخبر مقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة في الصحيحين (صحيح البخاري ٥/ ١٨٨ وصحيح مسلم ١/ ٥٧٠).
(٣) فتح الباري ٨/ ١١، ١٢.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
فلما كان العصر أعلن وقف أي قتال بمكة وأوضح حرمتها فلما قتلت خزاعة رجلا تطلبه بثأر وداه الرسول ﷺ وبين أن من قتل بعد ذلك قتيلا فأهل القتيل بالخيار بين القصاص والدية (١).
وأما عامة أهل مكة فقد نالهم عفو عام رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول ﷺ ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول ﷺ فيهم فقال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم. فقال:"لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم" (٢). وقد نزلت الآية الكريمة ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٣).
فاختار الرسول - ﷺ - أن يعفو عنهم ويصبر على ما كان منهم ويدع عقوبتهم تفضلًا منه واحتسابًا فقال: "نصبر ولا نعاقب" (٤).
وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي وإبقاء الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها وعدم فرض الخراج عليها، فلم تعامل مكة كما عوملت المناطق الأخرى المفتوحة عنوة لقدسيتها وحرمتها، فإنها دار النسك ومتعبد الخلق وحرم الرب تعالى، لذلك ذهب جمهور الأئمة من السلف
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (الفتح الرباني ٢١/ ١٥٩) بإسناد حسن لذاته. وانظر رواية مكلمة في المسند ٤/ ٣٢ بإسناد حسن حيث صرح ابن إسحق بالتحديث. وانظر رواية أخرى في المسند ٤/ ٣١ وفيها مسلم بن يزيد السعدي مقبول وقد توبع فقويت روايته إلى الحسن لغيره.
(٢) لأبو عبيدة: الأموال ١٤٣ بإسناد حسن لكنه مرسل وانظر سيرة ابن هشام ٢/ ٤١٢ من رواية ابن إسحق بإسناد فيه جهالة.
(٣) سورة النحل ١٢٦
(٤) أحمد: المسند ٥/ ١٣٥ والترمذي: سنن ٤/ ٣٦١، ٣٦٢ والطريقان يعتضدان إلى الحسن، ففي إسناد أحمد هدية المروزي صدوق ربما وهم، وفي إسناد الترمذي الربيع بن أنس صدوق له أوهام، وعيسى بن عبيد الكندي صدوق، وقد قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٩).
[ ٢ / ٤٨١ ]
والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارة بيوتها (١)! فهي مناخ لمن سبق، يسكن أهلها فيما يحتاجون إلى سكناه من دورها وما فضل عن حاجتهم فهو لإقامة الحجاج والمعتمرين والعباد القاصدين، وذهب آخرون إلى جواز بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها، وأدلتهم قوية في حين ان أدلة المانعين مرسلة وموقوفة (٢).
ولم ينزل رسول الله ﷺ في بيته بمكة بل ضربت له قبة في الحجون - في المكان الذي تعاقدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم والمسلمين- وقال عندما سأله أسامة بن زيد إن كان سينزل في بيته: (وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟) مبينا أنه لا يرث المسلم الكافر (٣)، وكان عقيل قد ورث أبا طالب هو وطالب أخوه وباع الدور كلها. وأما علي وجعفر فلم يرثاه لأنهما مسلمان وأبو طالب مات كافرًا (٤).
ولم يدخل الرسول ﷺ مكة دخول الفاتحين المتغطرسين، بل كان خاشعا لله شاكرا لأنعمه يقرأ سورة الفتح ويرجِّع في قرائتها (٥) وهو على راحلته، بل إنه لما طاف بالكعبة استلم الركن بمحجنه كراهة أن يزاحم الطائفين وتعليمًا لأمته (٦).
وقد بين الرسول ﷺ حرمة مكة وأنها لا تغزى بعد الفتح (٧)، كما أعلى من مكانة قريش فأعلن أنه لا يقتل قرشي صبرًا بعد يوم الفتح إلى يوم القيامة (٨).
_________________
(١) زاد المعاد ٢/ ١٩٤ وقال إنه مذهب مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، وأبي حنيفة في أهل العراق، وسفيان الثوري، والإمام أحمد، وإسحق بن راهويه.
(٢) زاد المعاد ٢/ ١٩٤.
(٣) البخاري: صحيح ٥/ ١٨٧ ومسلم: صحيح ١/ ٥٦٧.
(٤) فتح الباري ٨/ ١٥.
(٥) صحيح البخاري ٥/ ١٨٧.
(٦) أبو داؤد: سنن ١/ ٤٣٤ بإسناد حسن لذاته. والمحجن عصا معقوفة. والهيثمي: مجمع الزوائد ٣/ ٢٤٤ من طريق الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح.
(٧) الترمذي: سنن ٣/ ٨٣ وقال عنه: حسن صحيح وأحمد: المسند ٤١٢ بإسناد حسن لذاته.
(٨) صحيح مسلم ٢/ ٩٧ ومسند أحمد ٣/ ٤١٢ بإسناد صحيح.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وقد أمر الرسول ﷺ بتحطيم الأصنام وتطهير البيت الحرام منها، وشارك في ذلك بيده فكان يهوي بقوسه إليها فتساقط وهو يقرأ ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١). وكانت ستين وثلاثمائة من الأنصاب (٢)، ولطخ بالزعفران صور إبراهيم وإسماعيل وإسحق وهم يستقسمون بالأزلام وكانت هذه الصور داخل الكعبة، وقال: قاتلهم الله ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام (٣). وفي رواية أن صورة مريم كانت داخل الكعبة أيضًا (٤). ولم يدخل الرسول ﷺ الكعبة إلى بعد أن محيت هذه الصور منها (٥). ثم دخلها فصلى فيها ركعتين، وذلك بين العمودين المقدمين منها، وكانت مبنية على ستة أعمدة متوازية، وقد جعل باب الكعبة خلف ظهره، وترك عمودين عن يساره وعمودًا عن يمينه وثلاثة وراءه (٦). ثم خرج فدعا عثمان بن طلحة فأعطاه مفتاح الكعبة، وكانت الحجابة في بني شيبة في الجاهلية فأبقايا بأيديهم (٧). ثم استلم الرسول ﷺ الحجر الأسود وطاف بالبيت مهللا مكبرا ذاكرا شاكرا، وكان غير محرم وعلى رأسه المغفر ثم لبس عمامة سوداء مما يدل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد حجا ولا عمرة (٨).
وهكذا تم تطهير البيت العتيق من مظاهر الوثنية وأوضار الجاهلية ليعود كما أراد له الله تعالى وكما قصد ببنائه إبراهيم وإسماعيل مكانا لعبادة الله وتوحيده.
_________________
(١) صحيح مسلم ٢/ ٩٥، ٩٦، ٢٩٦، ٢٩٧.
(٢) صحيح البخاري ٥/ ١٨٨ وصحيح مسلم ٢/ ٩٧.
(٣) صحيح البخاري ٥/ ٨٨ ومسند أحمد ١/ ٣٦٥ بإسناد صحيح والبوصيري: أتحاف الخيرة المهرة القسم الثالث من الجزء الثالث، ص١٠٩ من مسند أبي بكر بن أبي شيبة بإسناد حسن.
(٤) صحيح البخاري ٤/ ١٦٩.
(٥) صحيح البخاري ٥/ ١٨٨.
(٦) صحيح البخاري ٥/ ٢٢٢، ١٠٩، ١١٠ وصحيح مسلم ١/ ٥٥٦.
(٧) وردت في ذلك عدة أحاديث مرسلة ومنقطعة تقوي بمجموعها (انظر مصنف عبد الرزاق ٥/ ٨٣، ٨٤، ٨٥ وابن حجر: فتح الباري ٨/ ١٩).
(٨) صحيح البخاري ٣/ ٢١ وصحيح مسلم ١/ ٥٧٠ وشرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٥٠٨.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
ولا شك أن تطهير البيت من الأصنام كان أكبر ضربة للوثنية في أرجاء الجزيرة العربية حيث كانت الكعبة أعظم مراكزها، وما أن تم فتح مكة وطُهرت الكعبة حتى أرسل الرسول ﷺ خالد بن الوليد إلى نخلة لهدم العزى التي كانت مضر جميعا تعظمها فهدمها (١). وأرسل عمرو بن العاص إلى سواع صنم هذيل فهدمه (٢). وأرسل سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة بالمشلل (ناحية قديد على طريق مكة - المدينة) فهدمها (٣) وبذلك أزيلت أكبر مراكز الوثنية حيث ذكرها القرآن الكريم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٤).
وفي فتح مكة نزلت سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٥) فقد كان العرب تنتظر نهاية الصراع بين المسلمين وقريش فلما كان الفتح أقبلت بمجموعها وبادرت لإعلان إسلامها (٦). قال عمرو بن سلمة الجرمي: "وكانت العرب تلوّم بإسلامها الفتح يقولون: انظروا فإن ظهر عليهم فهو صادق وهو نبي، فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم" (١) وعقب ابن إسحق على حادثة الفتح بقوله: "وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش وأمر رسول الله ﷺ، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله ﷺ وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوخها الإسلام،
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٣٦، وطبقات ابن سعد ٢/ ١٤٥ ولم تثبت في القصص التي تدور حول هدمها رواية صحيحة.
(٢) ابن سعد: الطبقات ٢/ ١٤٦.
(٣) طبقات ابن سعد ٢/ ١٤٦.
(٤) سورة النجم: آية ١٨.
(٥) صحيح البخاري: ٥/ ١٨٩.
(٦) صحيح البخاري: ٥/ ١٩١.
(٧) ابن سعد ١/ ٢، ص ٧٠.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وعرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله كام قال الله ﷿ أفواجًا يضربون إليه من وكل وجه" (١).
وقد خطب الرسول ﷺ بمكة عدة خطب بيَّن في الخطبة الأولى- وكانت على باب الكعبة- دية الخطأ شبه العمد، وألغي مآثر الجاهلية وثأراتها واستثنى سقاية الحاج وسدنة البيت فاستبقاهما (٢).
وأعلن في الخطبة الثانية إبطال أحلاف الجاهلية إلا ما كان من المعاقدة على الخير ونصرة الحق وصلة الأرحام (٣).
ثم أعلن في الخطبة الثالثة تحريم مكة وتحريم صيدها وخلاها وشجرها ولقطتها وتحريم القتال فيها وبين أن الله تعالى أحلها له ساعة وقت الفتح (٤)، وأوضح أن لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونية (٥)، فلم تعد الهجرة من مكة إلى المدينة واجبا، وإن بقي حكمها من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام إلى يوم القيامة (٦). فقد شرعت الهجرة إلى المدينة ليعبد المسلمون ربهم بأمان، وليقوى كيان الإسلام بالمدينة أمام خصومه، وليتمكنوا من حماية الدولة ثم توسيع رقعتها عن طريق الجهاد، والهجرة بعد فتح مكة لم تعد ضرورة فقد قوي كيان الإسلام وصار وجود المسلمين في ديارهم أجدى لإقامة شعائر الإسلام ونشر هداه في سائر الأرجاء، وأما الجهاد فباق إلى يوم القيامة. ولذلك بايع النبي ﷺ المسلمين بعد الفتح على الإسلام والإيمان والجهاد ولم يبايعهم على الهجرة (٧). وقد
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٦٠.
(٢) مسند أحمد ٣/ ٤١٠ بإسناد حسن لذاته. وأبو داؤد: سنن ٢/ ٤٩٢ بإسناد صحيح.
(٣) صحيح مسلم ٢/ ٤٠٩ ومسند أحمد ٢/ ٢١٥ وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن عياش صدوق له أوهام.
(٤) صحيح البخاري ٣/ ١٧ وصحيح ٢/ ٥٦٨.
(٥) صحيح البخاري ٣/ ١٨، ٤/ ٢٨.
(٦) فتح الباري ٤/ ٤٩، ٧/ ٢٧٠.
(٧) صحيح البخاري ٥/ ٧٢، ١٩٣ وصحيح مسلم ٢/ ١٤٠.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
بين ابن عمر (رض) ذلك بقوله (انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار) أي ما دام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة على من أسلم وخشى أن يفتن عن دينه (١).
وأوضح في الخطبة الرابعة أن من قتل له قتيل فيخير بين أخذ الدية أو القصاص (٢).
وقد اتضحت بعض الأحكام الشرعية خلال فتح مكة، من ذلك جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية حيث صام الرسول ﷺ في مسيرة الجيش من المدينة حتى بلغ كديدا فأفطر (٣).
ومن ذلك صلاته ﵊ صلاة الضحى ثماني ركعات خفيفة (٤). فهي سنة مؤكدة.
ومن ذلك أن أحق المصلين بالإمامة أكثرهم حفظًا للقرآن (٥)
ومن ذلك تحديد مدة قصر الصلاة للمسافر، حيث أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة (٦).
ومن ذلك إقرار أمان النساء وجوارهن حيث أجازت أم هاني رجلين من أحمائها، فأمضى الرسول ﷺ جوارها (٧). وقد أجمع أهل العلم على أن أمان المرأة جائز (٨).
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٢٧٠
(٢) صحيح البخاري ١/ ٣٨ صحيح مسلم ١/ ٥٦٩
(٣) صحيح مسلم ١/ ٤٥١
(٤) صحيح البخاري ٥/ ١٨٩ وصحيح مسلم ١/ ٢٨٩
(٥) صحيح البخاري ٥/ ١٩١
(٦) صحيح البخاري ٥/ ١٩٠
(٧) صحيح البخاري ٤/ ١٢٢
(٨) قاله الخطابي (عون المعبود ٧/ ٤٤).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
ومن ذلك تحريم نكاح المتعة بعد إجازته ثلاثة أيام فقط ثم صار حرامًا إلى الأبد (١). وكان تحريم المتعة وإباحتها مرتين، فكانت حلالًا قبيل خيبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة واستمر التحريم (٢).
ومن ذلك بيان حكم أن (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وذلك من خلال قصة ابن وليدة زمعة. حيث تنازع فيه سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، فحكم به الرسول ﷺ لعبد بن زمعة لأنه ولد على فراش أبيه (٣).
وحكم نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله كما حدث لصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وقد اعتبر عقد النكاح قائما بينهما وبين زوجتيهما لأنهما أسلما قبل انقضاء عدة الزوجتين (٤).
ومنها حكم الوصية وأنها لا تجوز في أكثر من ثلث المال، كما تدل قصة سعد ابن أبي وقاص حين مرضه حيث نهاه الرسول ﷺ أن يوصي بأكثر من الثلث (٥).
ومنها أن للمرأة أن تأخذ من مال زوجها لنفقتها ونفقة أولادها بالمعروف دون علمه إذا امتنع عن النفقة كما في قصة هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان حيث استفتت النبي ﷺ في ذلك (٦).
ومنها تحريم بيع الخمر والميتة والأصنام (٧).
ومنها بيان حكم خضاب الشيب بالحناء أو الصفرة كما في قصة أبي قحافة حيث أمر النبي ﷺ بتغيير شيبه (٨).
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٥٨٦، ٥٨٧.
(٢) النووي شرح صحيح مسلم ٣/ ٥٥٣.
(٣) صححي البخاري ٨/ ١٩١.
(٤) موطأ مالك (الزرقاني: شرح الموطأ ٣/ ١٥٦ - ١٥٧) وسيرة ابن هشام ٢/ ٤١٧.
(٥) سنن الترمذي ٣/ ٢٩١ وقال هذا حديث حسن صحيح. وانظر فتح الباري ٥/ ٣٦٩.
(٦) صحيح مسلم ٢/ ٦٠.
(٧) صحيح البخاري ٣/ ١١٠ وصحيح مسلم ١/ ٦٩٠، ٦٨٩.
(٨) صحيح مسلم ٢/ ٢٤٤.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
ومنها تحريم الشفاعة في حدود الله ﷿ بعد بلوغها للإمام كما حدث في قصة المرأة المخزومية التي سرقت فقطعت يدها، وغضب الرسول ﷺ من أسامة بن زيد لأنه شفع لها وقوله؛ (إنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (١).
وفي هذا الحديث إقرارا لمبدأ المساواة بين الناس أمام أحكام الشريعة وتحذير للحكام من أن يقيموا الحدود على الضعفاء دون الأقوياء الذين يحاولون بالوساطات والضغوط تخطي الأحكام .. ولا شك أن بقاء الدول واستقرار المجتمعات منوط بالدرجة الاولى بإقرار العدالة وإنما يجد خصوم الدولة السبيل إلى هدمها من خلال الظلم الذي يقع منها فهو مبرر لاجتماع المظلومين وحافز للتضحية من أجل إسقاطها.
ونتيجة لفتح مكة تحول ثقل معسكر الشرك من قريش إلى قبيلتي هوازن وثقيف اللتين سارعتا لملء الفراغ وقيادة المشركين لحرب الإسلام فكانت غزوة حنين وحصار الطائف.
ويؤرخ ابن إسحاق سرية الطفيل بن عمرو الدوسي في أعقاب فتح مكة، حيث أحرق ذا الكفين صنم عمرو بن حُمَمَة (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٢ وصحيح مسلم ٢/ ٤٧.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٣٨٥ بدون إسناد.
[ ٢ / ٤٨٨ ]