ما إن غادر بنو هاشم شعب أبي طالب حتى أصيب رسول الله ﷺ بوفاة عمه أبي طالب - واسمه عبد مناف - وذلك في آخر السنة العاشرة من المبعث (٣)، وقد كان أبو طالب "يحوط النبي ويغضب له" (٤) و"ينصره" (٥)، وكانت قريش تحترمه، وقد جاء زعماؤها حين حضرته الوفاة، فحرضوا أبا طالب على الاستمساك بدينه وعدم الدخول في الإسلام قائلين: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وعرض عليه رسول الله الإسلام قائلا: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. فقال أبو طالب: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون إنما حمله عليها
_________________
(١) المقريزي: إمتاع الأسماع ٢٦ عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب مرسلًا.
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٥١١، ٥٤٧، ٥٧١، ٥٧٢، ٥٧٣، ٥٧٤ و٢/ ٥١٠، ٤٩٣) وصحيح مسلم بشرح النووي ١٧/ ١٤٠ - ١٤٢. والآيات من سورة الدخان ١٠ - ١٥.
(٣) فتح الباري ٧/ ١٩٤.
(٤) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٩٣).
(٥) صحيح مسلم ١/ ١٩٥.
[ ١ / ١٨٣ ]
الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) (٢).
لقد كانت أفكار الجاهلية راسخة في عقل أبي طالب، ولم يتمكن من تغييرها، فهو شيخ كبير يصعب عليه تغيير فكره وما ألفه عن آبائه، وكان أقرانه حاضرين وقت احتضاره فأثروا عليه خوفًا من شيوع خبر إسلامه وتأثير ذلك على قومه.
وأما ما نقله ابن إسحاق من أن العباس نظر إلى أبي طالب يحرك شفتيه، فقال لرسول الله: يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله ﷺ: لم أسمع. فهو خبر لا يصح (٣).
وعلى أية حال فإن موته أفقد رسول الله ﷺ سندًا كبيرًا، فلم يعد بنو هاشم مستعدين بعده لتقديم نفس القدر من الحماية لما يصيبهم من أضرار مادية ونفسيه كما تبين من حادثة المقاطعة (٤).
وقد تجلى ذلك في رحلة النبي إلى الطائف طلبًا للنصرة ثم استمراره في طلب النصرة من القبائل الأخرى بعد إخفاق محاولة الطائف.
_________________
(١) القصص ٥٦.
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٥٠٦) وصحيح مسلم بشرح النووي ١/ ٢١٣ - ٢١٦. وقد لفقت بين الروايتين الصحيحتين. أما رواية ابن إسحاق التي تفيد إسلام أبي طالب ففي سنده مبهم فهي رواية ضعيفة (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٦ - ٤٧). وانظر عن تخفيف العذاب عن أبي طالب صحيح البخاري (فتح الباري ١٠/ ٥٩٢) وصحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٨٤، ٨٥.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٤١٧ بسند ضعيف فيه مبهم فضلًا عن مخالفته لما في الصحيحين. مع أن العباس لم يكن قد أسلم آنذاك، فلا يصح أداؤه، وكان يسأل رسول الله: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فلو عنده علم بإسلامه لما تساءل (فتح الباري ٧/ ١٩٤).
(٤) صالح العلي: محاضرات ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦.
[ ١ / ١٨٤ ]
وقد وعد رسول الله أبا طالب بأن يستغفر له الله مالم ينه عن ذلك، فنهاه الله تعالى بعد حين من أواخر العهد المدني عن الاستغفار للمشركين ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١).
أما خديجة بنت خويلد ﵂ فقد توفيت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بثلاث سنين (٢) في نفس عام وفاة أبي طالب.