بعد أن فرغ الهيثمي من تصنيف كتب الزوائد الخمسة المذكورة في أول مصنفاته، اقترح عليه شيخه العراقي أن يضمها كلها في مؤلف واحد، بعد أن يحذف أسانيدها، ويرتبها لتجتمع أحاديثُ كل باب منها في باب واحد، فاستجاب الهيثمي لذلك، وشرع في هذا العمل العظيم حتى أتمه، ثم سماه كذلك بالاسم الذي اقترحه عليه الشيخ؛ وهو "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (١) فانتقاؤه للزوائد في هذا الكتاب محصور في الزوائد على الكتب الستة، " واعتمد كتاب المزي (تحفة الأشراف في معرفة الأطراف) أصلًا في دلالته على وجود الحديث في تلك الكتب، ثم يعود على تلك الكتب ليتأكد من ذلك، فإن لم يجد الحديث في المصدر الذي عزاه إليه صاحب الأطراف وضع الحديث، ثم أشار إلى ذلك، تنبيهًا على متابعته وتدقيقه " (٢) .
وقد رتب الهيثمي مُصَنَّفَه مجمعَ الزوائد على كتبٍ هي على النحو الآتي:
كتاب الإيمان، كتاب العلم، كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الجنائز -وفيه ما يتعلق بالمرض وثوابه، وعيادة المريض ونحو ذلك، كتاب الزكاة- وفيه صدقة التطوع، كتاب الصيام، كتاب الحج، كتاب الأضاحي والصيد والذبائح والوليمة والعقيقة وما يتعلق بالمولود، كتاب البيوع، كتاب الأيمان والنذور، كتاب الأحكام، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب العتق، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الأطعمة، كتاب الأشربة، كتاب
_________________
(١) مجمع الزوائد ١/٧- ٨.
(٢) الدرويش، بغية الرائد ١/٦٣.
[ ١٣ ]
الطب، كتاب اللباس والزينة، كتاب الخلافة، كتاب الجهاد، كتاب المغازي والسير، كتاب قتال أهل البغي وأهل الردة، كتاب الحدود والديات، كتاب التفسير – وفيه ما يتعلق بقراءة القرآن وثوابه، وعلى كم أنزل القرآن من حرف، كتاب التعبير، كتاب القدر، كتاب الفتن، كتاب الأدب، كتاب البر والصلة، كتاب فيه ذكر الأنبياء ﵈، كتاب علامات النبوة، كتاب المناقب، كتاب التوبة والاستغفار، كتاب الأذكار، كتاب الأدعية، كتاب الزهد – وفيه المواعظ، كتاب البعث، كتاب صفة النار، كتاب صفة الجنة (١) .
ويقع الكتاب في عشرة مجلدات (٢)، سلكَ الهيثميُّ فيه منهجًا مميزًا؛ في طريقةِ استخراجه للأحاديث، وفي ترتيبه للكتاب وتبويبه، وبذل فيه قصارى جهده، وغاية وسعه، وخلاصة فكره، وأكثر وقته، ولذلك فقد جاء من أنفس الكتب التي تقدمته في بابه، وأجمعها، وأوعبها، وأطنبها، وكل كتب الزوائد من بعده لم تبلغ شأوه ولا مقداره، ولذلك فهو كتاب غزير الفوائد، لا يستغني عنه طالب علم (٣) . ومما يؤكد ذلك ما ذكرَ السخاويُّ (٤) من أن الحافظ الزين العراقي استروَحَ واغتبطَ بهذا العمل المميز والجهد الكبير من أخص تلاميذه وأقربهم إليه.
أثنى على هذا الكتاب ومؤلفه كثيرون من أهل العلم قديمًا وحديثًا؛ فالهيثمي
_________________
(١) مجمع الزوائد ١/٨.
(٢) طبعته دار الكتب العلمية، في بيروت، سنة ١٤٠٨هـ، عن طبعة القدسي بالقاهرة سنة ١٣٥١هـ.
(٣) علوش، علم زوائد الحديث ص ٢٢٦ - ٢٢٨.
(٤) الضوء اللامع ٥/٢٠١.
[ ١٤ ]
من أوائل من قدَّم للأمة الإسلامية ما عرف بالزوائد (١)؛ والكتاب من أهم كتب السنن بعد الأصول الستة، ومَنْ يطَّلع عليه يعترف بمكانة مؤلفه في الحديث (٢)، بل قيل عنه: إنه يأتي في المرتبة الأولى بعد الكتب الستة من حيث الجمع والترتيب والتنسيق (٣) وقال عنه الكتاني: "وهو من أنفع كتب الحديث، بل لم يوجد مثله كتاب ولا صنف نظيره في هذا الباب" (٤)، وهو فعلًا ثمرة جهود متواصلة من البحث والتدقيق والتأليف.
ومع هذا فإنه يظل عملًا بشريًا يعتوره النقص، ولذلك نجد عددًا من أهل الاختصاص في القديم والحديث يتتبعون أوهامه ويستدركون عليه؛ كالحافظ ابن حجر (٥)، والسيوطي (٦)، ومن المُحْدَثِيْنَ: الشيخ الدرويش (٧) والشيخ علوش (٨)، والشيخ الدعيس (٩)،
_________________
(١) الدرويش، بغية الرائد ١/٦٣.
(٢) انظر الحاشية رقم ١ من ص ٣٧٣ من كتاب ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي.
(٣) الدرويش، بغية الرائد ١/٢٤.
(٤) الرسالة المستطرفة ص ١٧٢.
(٥) قال ابن حجر: " كنت قد تتبعت أوهامه في (مجمع الزوائد) فبلغني أن ذلك شق عليه، فتركته رعاية له " أنباء الغمر ٥/٢٦٠؛ والمجمع المؤسس ٢/٢٦٦، وتوجد بعض تلك الملحوظات على هامش مجمع الزوائد المطبوع، انظر مثلًا: ١/٢٢، ٢٩، ٤٤،٥٠، ٥٨، ٦١، ٦٤، ١٢٧.
(٦) له كتاب اسمه " بغية الرائد في الذيل على مجمع الزوائد " ذكر هذا الكتاب في الترجمة التي كتبها عن نفسه في حسن المحاضرة ١/٣٤١، وقد ضمن السيوطي ذيله هذا ردودًا على الهيثمي وإضافات واستدراكات. علوش، علم زوائد الحديث ص ٢٢٩.
(٧) بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ١/٤٥ وما بعدها.
(٨) علم زوائد الحديث ص ٤٥، والأمثلة على ذلك في ص ٢٣٠ وما بعدها.
(٩) المقصد العلي ص ٤٦ وما بعدها.
[ ١٥ ]
والشيخ القريوتي (١)، ذكرَ كلُّ هؤلاء نماذجَ لبعضِ أوهامٍ وتساهلاتٍ ظهرت في الكتاب، وقد تمثلت تلكم الاستدراكات في أمرين (٢):
الأول: في كلامه على الرجال، والحكم على الأسانيد، والرواة.
الثاني: في إيراد أحاديث ظنها ليست في الكتب الستة أو أحدها، وهي فيها.
قال الهيثمي في بيان منهجه في الكتاب عامة: "وما تكلمتُ عليه من الحديث من تصحيح أو تضعيف، وكان من حديث صحابي واحد، ثم ذكرت له متنًا بنحوه، فإني أكتفي بالكلام عقب الحديث الأول، إلا أن يكون المتن الثاني أصح من الأول. وإذا روى الحديث الإمام أحمد وغيره، فالكلام على رجاله - يعني رجال أحمد - إلا أن يكون إسناد غيره أصح. وإذا كان للحديث سند واحد صحيح، اكتفيت به من غير نظر إلى بقية الأسانيد وإن كانت ضعيفة. ومن كان من مشايخ الطبراني في الميزان نبهت على ضعفه، ومن لم يكن في الميزان ألحقته بالثقات الذين بعده. والصحابة لا يشترط فيهم أن يخرج لهم أهل الصحيح فإنهم عدول، وكذلك شيوخ الطبراني الذين ليسوا في الميزان" (٣) .
وقد وفَّى الهيثمي رحمه الله تعالى بما اشترطه على نفسه هنا، والتزم به في غالب الأحيان، وكان متشددًا في إخراج الحديث في الزوائد -أي مهما كان الاختلاف بسيطًا-، وهذا التشدد مما يرفع من قدر الكتاب، ويُنبئ عن دقة حفظ مُخَرِّجه واستحضاره، وتتبعه للفوائد دقيقها وجليلها، وكان الهيثمي متقنًا لهذا إتقانًا بينًا، يفرح له الفقهاء، ويستفيدون منه في تقرير الأحكام الشرعية (٤) .
_________________
(١) له رسالة صغيرة سماها (تنبيهات على تحريفات وتصحيفات في كتاب مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) ذكر فيها ما وقع له من أخطاء وتصحيفات في الرجال، ثم ذكر الصواب في ذلك جازمًا أو مرجحًا، انظر المقدمة ص ٦- ٧.
(٢) علوش: علم زوائد الحديث ص ٢٢٨- ٢٢٩.
(٣) مجمع الزوائد ١/ ٨.
(٤) علوش، علم زوائد الحديث ص ٢٣٤.
[ ١٦ ]