أخبرنا أبو عروبة الحسين بن محمد بن أبي معشر «١» بحران «٢» ثنا سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق أنا عبد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة: أن ثمامة «٣» بن أثال الحنفي أسر فكان النبي ﷺ يعوده يقول: «ما عندك يا ثمامة»؟
فيقول: إن تقتل تقتل لا تمن، وإن تمن تمن على شاكر، وإن ترد المال تعط «٤»، قال: فكان أصحاب النبي ﷺ يحبون الفداء «٥» ويقولون: ما نصنع بقتل هذا؟ فمر به النبي ﷺ فأسلم، فأمره أن يغتسل فاغتسل وصلى ركعتين، فقال النبي ﷺ:
«حسن إسلام صاحبكم» .
قال: في أول هذه السنة بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة إلى القرطاء «٦» فأخذ «٧» ثمامة بن أثال الحنفي فأمر به، فربط بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟ فقال: عندي يا محمد خير؛ إن تقتلني «٨» تقتل «٩» ذا دم، وإن تنعم [تنعم] «١٠» على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط «١١» منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان الغد، ثم قال: «ما عندك يا ثمامة»؟ قال له مثل ذلك، فتركه النبي ﷺ حتى كان بعد الغد فقال له: «ما عندك يا ثمامة»؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال رسول الله ﷺ: «أطلقوا ثمامة»،
_________________
(١) في الأصل «معسر» كذا.
(٢) في الأصل «نجران» .
(٣) له ترجمة في الإصابة ١/ ٢١١ فراجعه.
(٤) في ف «تعطا» كذا.
(٥) من السيرة ٢/ ٣٦٥، وفي الأصل «الفراء» خطأ.
(٦) القرطاء بطن من بني بكر- راجع المواهب اللدنية ٢/ ١٧٣.
(٧) في ف «فأخذه» كذا.
(٨) هكذا في الصحيح للبخاري ٢/ ٦٢٧، وفي السيرة «تقتل» .
(٩) في الأصل «بقتل» .
(١٠) زيد من صحيح البخاري.
(١١) ليس في الصحيح.
[ ١ / ٢٦٨ ]
فأطلق فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل «١» ثم دخل المسجد فقال:
أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله [ﷺ]، يا محمد «٢» ! ما كان على الأرض وجه «٣» أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ، والله! ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فقد أصبح دينك أحب الدين كله «٤» إليّ، والله! ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك فقد أصبح اليوم «٥» بلدك أحب البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فما «٦» ترى؟ فبشره «٧» رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: لا ولكني «٨» أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ «٩» .
ثم بعث رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن الأسدي سرية «١٠» الغمر فنذر «١١» به القوم فهربوا، فنزل على مياههم وبعث الطلائع، فأصابوا عينا فدلهم على ماشيتهم، فساقوا مائتي بعير إلى المدينة.
ثم كسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ صلاة الكسوف وقال: «إن الشمس
_________________
(١) في ف «فاغتسل» خطأ.
(٢) زيد في الصحيح «والله» .
(٣) من الصحيح، وفي ف «على وجه الأرض» .
(٤) ليس في الصحيح.
(٥) ليس في الصحيح.
(٦) زيد في الصحيح «ذا» .
(٧) من الصحيح، وفي ف «فسيره» .
(٨) في الصحيح «ولكن» .
(٩) زيد في الصحيح «ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ» . ورواه ابن هشام عن أبي هريرة باختلاف يسير.
(١٠) وفي الطبري «قال الواقدي: في هذه السنة في شهر ربيع الآخر منها بعث رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن في أربعين رجلا الغمر فيهم ثابت بن أقرم وشجاع بن وهب فأغذّ السير ونذر القوم به فهربوا فنزل على مياههم وبعث الطلائع فأصابوا عينا فدلهم على بعض ماشيتهم فوجدوا مائتي بعير فحدروها إلى المدينة»، وراجع المغازي ٢/ ٥٥٠.
(١١) من المغازي، وفي ف «ندر» كذا.
[ ١ / ٢٦٩ ]
والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا» .
وبعث «١» رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح إلى ذي [القصة] «٢» وهي بلاد بني ثعلبة وأنمار- فصلوا المغرب، وخرج أبو عبيدة في أربعين رجلا فساروا ليلتهم حتى أتوا ذا القصة «٣» عند الصبح، فأغاروا عليهم وهربوا في الجبال ثم قدموا المدينة، فخمس رسول الله ﷺ الغنيمة وقسم ما بقي على أصحابه.
ثم بعث «٤» رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة «٥» إلى ذي القصة في عشرة أنفس، فخرج مائة من المشركين فكمنوا، فلما نام المسلمون خرجوا عليهم فقتلوهم، وانفلت «٦» محمد بن مسلمة جريحا وحده.
«٧» ثم بعث «٧» رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى بني سليم «٨» بالجموم «٩» فأصاب نعما «١٠» وشاء وأسراء «١٠»، ثم سبق رسول الله ﷺ بين الخيل فكان أول سباق بالمدينة، ثم سبق في الخف فكانت العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له
_________________
(١) زيد في الطبري ٣/ ٨٣ «في شهر ربيع الآخر، وفي السيرة «غزوة أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر» .
(٢) من الطبري، وقد سقط من ف.
(٣) من الطبري، وفي ف «الفضة» كذا.
(٤) وفي الطبري ٣/ ٨٢ «وفيها بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة في عشرة نفر في ربيع الأول منها فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه فما شعروا إلا بالقوم فقتل أصحاب محمد بن مسلمة وأفلت محمد جريحا (قال الواقدي) وفيها أسرى رسول الله ﷺ سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر في أربعين رجلا فساروا ليلتهم مشاة ووافوا ذا القصة مع عماية الصبح فأغاروا عليهم » .
(٥) في الأصل بياض بقدر كلمة، ولم يكن البياض في الطبري فلم نهتم به.
(٦) في الطبري «وأفلت» . (٧- ٧) ما بين الرقمين بياض في الأصل.
(٧) من الطبري، وفي الأصل «سالم» .
(٨) أرض لبني سليم- راجع معجم البلدان. (١٠- ١٠) من الطبري، وفي الأصل «شاة وآمنوا» - كذا.
[ ١ / ٢٧٠ ]
فسبقه، فشق ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ: «حق «١» على الله «١» أن لا يرتفع «٢» شيء في الدنيا إلا وضعه» .
ثم بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة سرية إلى الطّرف إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فتحسس «٣» الأعراب أن رسول الله ﷺ «٤» سار إليهم «٤»
فانهزموا، وأصاب المسلمون عشرين «٥» بعيرا من نعمهم ورجعوا إلى المدينة «٦» .
ثم بعث رسول الله ﷺ أيضا زيد بن حارثة إلى العيص «٧»، فأسر جماعة منهم أبو العاص بن الربيع، فاستجار بزينب بنت النبي ﷺ، فأجارته «٨» .
ثم بعث رسول الله ﷺ زيدا أيضا إلى حسمى «٩»، فرجع منها بنعم وسبي.
ثم تزوج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح «١٠» وهي أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح «١٠»، فولد له منها عاصم بن عمر فطلقها عمر، فتزوج بها بعده زيد بن حارثة، فولد له عبد الرحمن بن زيد، فهو أخو عاصم بن عمر لأمه.
_________________
(١) (١- ١) من صحيح البخاري ١/ ٤٠٢، وفي ف «لك لله» .
(٢) من الصحيح، وفي ف «يرفع» .
(٣) في ف «فحسس» كذا. (٤- ٤) من الطبري، وفي ف «سائرا لهم» .
(٤) من الطبري، وفي ف «عشرون» .
(٥) وفي الطبري «فأصاب امرأة من مزينة يقال لها حليمة فدلتهم على محلة من محال بني سليم، فأصابوا بها نعما وشاء وأسراء، وكان في أولئك الأسراء زوج حليمة، فلما قفل بما أصاب وهب رسول الله للمزينة زوجها ونفسها» .
(٦) كذا، وفي الطبري ٣/ ٨٣ «وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص في جمادى الأولى منها، وفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع، فاستجار بزينب بنت النبي ﷺ فأجارته» .
(٧) من الطبري، وفي ف «فأجرته» خطأ.
(٨) زيد في الطبري «في جمادى الآخرة» .
(٩) من الطبري، وفي ف «الأفلح» .
[ ١ / ٢٧١ ]
ثم كانت سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى فدك «١» في مائة رجل إلى حي من بني سعد بن بكر.
ثم كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل «٢» فعممه «٣» النبي ﷺ بيده وقال: «إن أطاعوا الله «٤» فتزوج ابنة ملكهم، فأسلم القوم، فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ «٥»، وكان أبوها ملكهم.
ثم بعث رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف في ثلاثة أنفس لينظر إلى خيبر وما عليها أهلها، فمضى وجاءوا إلى رسول الله ﷺ بالخبر.
ثم أجدب الناس جدبا شديدا في أول شهر رمضان، فخرج رسول الله ﷺ يستسقي بهم، فصلى ركعتين وجهر بالقراءة، ثم استقبل القبلة وحول رداءه.
ثم بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة سرية إلى أم قرفة فسبى سلمة «٦» بن الأكوع [وزيد بن] «٧» حارثة بنت مالك بن «٨» حذيفة وجدها «٩» في بيت من بيوتهم، وأمها أم قرفة وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر «١٠» .
_________________
(١) من الطبري، وفي ف «فرك» خطأ.
(٢) زيد في الطبري «في شعبان» .
(٣) من السيرة ٢/ ٣٦٣، وفي الأصل «فعمم» .
(٤) في الطبري «أطاعوك» .
(٥) من الطبري، وفي ف «الأصبع» ولها ترجمة في الإصابة ٨/ ٣٣.
(٦) وفي الطبري «وأما الرواية الأخرى عن سلمة بن الأكوع في هذه السرية أن أميرها كان أبا بكر بن أبي قحافة» .
(٧) زيد من الطبري.
(٨) من الطبري، وفي الأصل «بني» .
(٩) في الأصل «وحدمها» كذا.
(١٠) من الطبري، وفي الأصل «زيد» وفي الطبري: وأسر أم قرفة وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر عجوزا كبيرة وبنتا لها فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أم قرفة فقتلها قتلا عنيفا ثم قدموا على رسول الله ﷺ بابنة أم قرفة وكانت ابنة أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع كان هو الذي أصابها وكانت في بيت شرف من قومها- إلخ.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ثم خرج «١» رسول الله ﷺ إلى بني لحيان حتى بلغ أمج «٢» وبين أمج وعسفان بلد لهم يقال له ساية «٣» فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه قد أخطأهم خرج في مائتي راكب من المسلمين وهو صائم وهم صوام حتى بلغ عسفان وبلغ كراع الغميم «٤» فأفطر وأفطر المسلمون معه ثم رجع ولم ير كيدا، وجعل يقول في رجوعه: آيبون تائبون عابدون ولربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد.
فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وأقام أياما أغار عيينة بن حصن «٥» بن بدر الفزاري في «٦» خيل من غطفان على لقاح رسول الله ﷺ بالغابة وفيها رجل من بني غفار «٧» وامرأة، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة واللقاح «٨»، فخرج رسول الله ﷺ في أثرهم حتى بلغ ذا قرد، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وتلاحق به الناس، وأقام رسول الله ﷺ بذي قرد يوما وليلة وصلى بهم صلاة الخوف. ثم رجع رسول الله ﷺ «٩» قافلا إلى المدينة، وانقلب عيينة بمن معه، وكانت سرح «١٠» المسلمين بالمدينة بذي قرد «١١»، فقدم ثمانية نفر من عرينة فأسلموا، فبعثهم النبي ﷺ
_________________
(١) وفي الطبري «قال أبو جعفر: وخرج رسول الله ﷺ في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة» .
(٢) هو بلد من أعراض المدينة- راجع معجم البلدان ١/ ٣٣٠.
(٣) من الطبري، وفي ف «سائقة» كذا.
(٤) من الطبري، وفي ف «العميم» .
(٥) من الطبري ٣/ ٦٠، وفي ف «حصين» .
(٦) من الطبري، وفي الأصل «على» .
(٧) من الطبري، وفي ف «عقار» خطأ.
(٨) في الطبري «في اللقاح» .
(٩) هكذا في الطبري والسيرة، وزيد في ف «بقية السرج» كذا.
(١٠) من الطبري، وفي ف «سرج» .
(١١) في الأصل «الجرد» .
[ ١ / ٢٧٣ ]
إلى السرح «١» فشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في طلبهم «٢» كرز بن جابر «٢» الفهري سرية في شوال في عشرين راكبا معهم قائفا، فأحدقوا بهم حتى أخذوهم، وجاءوا بهم النبي ﷺ وكانوا قد ارتدوا، وقطعوا أيدي الرعاة وأرجلهم، وسملوا أعينهم كما أمر به النبي ﷺ، وطرحوا في الحرة يستسقون فلا يسقون.
ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة بني المصطلق، وذلك أنه بلغه أن بني المصطلق تجمعوا «٣» وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم، ونفل «٤» رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم، وأموالهم، [لما] «٥» قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة «٦» لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في «٧» كتابتها فقالت: يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت «٨» في سهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي، قال «٩»: وهل لك في خير من ذلك؟
_________________
(١) في ف «السرج» . (٢- ٢) من الطبري ٣/ ٨٤، وفي الأصل «كرب بن خالد» خطأ.
(٢) في الطبري «يجتمعون» .
(٣) من الطبري، وفي ف «نقل» خطأ.
(٤) زيد من الطبري.
(٥) من الطبري، وفي ف «خلوة» خطأ.
(٦) في الطبري «على» .
(٧) من الطبري، وفي ف «فوقفت» .
(٨) زيد في الطبري «لها» .
[ ١ / ٢٧٤ ]
قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي كتابتك «١» وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله! قال «٢»: «فعلت»، وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله! فأرسلوا «٣» ما بأيديهم، فلقد أعتق وأطلق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق؛ فما كانت امرأة أعظم بركة على قومها منها.
ثم «٤» أقبل رسول الله ﷺ يريد المدينة، وكانت عائشة تحمل في هودج، فنزلوا منزلا، فمشت عائشة لحاجتها حتى جاوزت الجيش، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها فإذا عقد لها من «٥» جزع ظفار «٥» قد انقطع، فرجعت تلتمس عقدها وحبسها ابتغاؤه، فأذن بالرحيل وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونها فاحتملوا هودجها على بعيرها الذي كانت تركب عليه وهم يحسبون أنها فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافا وساروا، فرجعت عائشة بعد ما رحل الجيش فجاء منازلهم فإذا ليس بها داع «٦» ولا مجيب، فأمت منزلها التي كانت فيه وعلمت أنهم سيفقدونها فبينا هي جالسة إذ غلبت عينها عليها، وكان صفوان «٧» بن المعطل السلمي من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلها فرأى سواد إنسان نائم، فعرفها حين رآها وكان رآها قبل أن ينزل الحجاب، فاستيقظت عائشة باسترجاعه «٨» حين عرفها، فخمرت عائشة
_________________
(١) التصحيح من الطبري، وفي ف «كتابك» .
(٢) زيد في الطبري، «قد» .
(٣) زيد في الأصل «إلى» ولم تكن الزيادة في الطبري فحذفناها.
(٤) في الطبري ٣/ ٦٦ «ثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن علقمة بن وقاص الليثي وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة» الحديث. (٥- ٥) التصحيح من الطبري، وفي ف «جدع أظفار» .
(٥) في الأصل «داعي» كذا.
(٦) وفي الطبري «قالت: فو الله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس في العسكر فلما رأى سوادي أقبل حتى وقف علي فعرفني » .
(٧) كذا في ف، وفي الطبري «قال إنا لله وإنا إليه راجعون» .
[ ١ / ٢٧٥ ]
وجهها بجلبابها، وما كلمها حتى أناخ راحلته فوطىء على يدها، فقامت إليه فأركبها وانطلق يقود الراحلة حتى أتى الجيش فوجدهم موغرين «١» في نحر «٢» الظهيرة، فهلك «٣» فيها من هلك «٤»، وكان الذي كبره «٥» عبد الله بن أبي بن سلول، فلما قدموا المدينة لبثت عائشة شهرا والناس يخوضون في قول أصحاب الإفك وهي لا تشعر بشيء من ذلك، فكان رسول الله ﷺ يأتيها فيسلم عليها ويقول: «كيف تيكم»؟ وينصرف، وكان تراها «٦» ذلك من رسول الله ﷺ فخرجت «٧» ذات ليلة مع أم مسطح قبل المناصع «٨» وكانت متبرزهم قبل أن تتخذ الكنف، فلما فرغتا «٩» من شأنهما عثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح! فقالت لها عائشة: بئس ما تقولين! تسبين رجلا من أهل بدر! فقالت: أي هنتاه! ألم تسمعي «١٠» ما قال؟ قالت عائشة: لا، فأخبرتها بقول أهل الإفك فازدادت مرضا، فلما دخل عليها رسول الله ﷺ قالت: ائذن لي أن آتي إلى أبوي، أذن لها رسول الله ﷺ، فقالت: يا أبتاه! ماذا يتحدث الناس؟ قال: يا بنتي! هوني عليك، فو الله لقلّ «١١» ما كانت امرأة قط
_________________
(١) أوغر القوم: دخلوا في وقت الوغرة، والوغرة: شدة توقد الحر، يقال: لقيته وفي وغرة الهاجرة، أي حين توسط الشمس السماء.
(٢) نحر النهار أو الشهر: أوله.
(٣) من صحيح البخاري، وفي الأصل «فهلط» .
(٤) من صحيح البخاري، وفي الأصل «هلط» .
(٥) أي كبر الإفك على عائشة ﵂.
(٦) في ف «يريبها» كذا.
(٧) وفي الطبري «قالت: وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم نعافها، ونكرهها، إنما كنا نخرج في فسح المدينة وإنما كان النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن فخرجت ليلة- الحديث» .
(٨) في معجم البلدان: المواضع التي تتخلى فيها النساء لبول ولحاجة» .
(٩) في الأصل «فرغا» خطأ.
(١٠) في الأصل «تسمع» كذا.
(١١) في الطبري «قل» .
[ ١ / ٢٧٦ ]
عند رجل يحبها لها ضرائر «١» إلا أكثرن «٢» عليها، فبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم، فلما أصبح دعا رسول الله ﷺ عليا وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وقال: أهلك لا نعلم إلا خيرا، وأما على فقال: يا رسول [الله] لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير «٣»، وسل الجارية «٤» تصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: «أي بريرة! هل رأيت «٥» من أهلي شيئا يريبك»؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق! ما رأيت عليها شيئا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول الله ﷺ من يومه واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول وهو على المنبر فقال «٦»: «يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي؟ والله! ما علمت على أهلي إلا خيرا! ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي»، فقال «٧» أسيد بن حضير «٧»: [يا] رسول الله! أنا أعذر منه! فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك «٨» ! وكاد
_________________
(١) من الطبري، وفي ف «ضريرا» كذا.
(٢) في الطبري «كثرن وكثر الناس» .
(٣) وفي الطبري «قال: يا رسول الله! إن النساء لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف» .
(٤) زيد في الطبري «فإنها» .
(٥) في الأصل «رأيتي» كذا.
(٦) وفي الطبري «وقد قام رسول الله ﷺ في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك ثم قال: «أيها الناس! ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهن غير الحق! والله ما علمت منهن إلا خيرا» » . (٧- ٧) التصحيح من الطبري، وفي ف «سعد بن معاذ» .
(٧) وزيد بعدها في الطبري ٤/ ١٥٢٢ «فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا فقال: كذبت لعمر الله! لا تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج! ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. قال أسيد: كذبت لعمر الله! ولكنك منافق تجادل عن المنافقين» .
[ ١ / ٢٧٧ ]
أن يكون بين الأوس والخزرج قتال «١» بهذه الكلمة، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، وبكت عائشة يومها ذلك كله، «٢» فبين أبواها جالسين عندها وهي تبكي إذا استأذنت عليها «٢» امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معها؛ ثم دخل رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس ثم تشهد حين جلس ثم قال: «أما بعد! يا عائشة! فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك «٣» الله، «٤» وإن كنت ألممت بذنب «٤» فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه»، فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص «٥» دمعي حتى [ما] «٦» أحسست «٧» منها بقطرة وقالت لأبيها: أجب رسول الله ﷺ فيما قال، فقال أبو بكر: والله! ما أدري ما أقول! فقالت لأمها: أجيبي رسول الله ﷺ فيما قال، فقالت: والله! ما أدري ما أقول! فقالت عائشة! إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم وصدقتم! فلو قلت لكم: إني بريئة «٨»، لا تصدقوني بذلك، وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لا تصدقوني، والله! ما أجد لي ولكم مثلا
_________________
(١) في الأصل: فقال. (٢- ٢) كذا في ف، ولعله: فبينما؛ وفي الطبري ٣/ ٧٩ «عندي أبوي وعندي» ولفظه كما يلي «ثم دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي أبوي وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي معي فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا عائشة! إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله، وإن كنت قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده»، قالت: فو الله ما هو إلا أن قال ذلك تقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا وانتظرت أبوي أن يجيبا رسول الله ﷺ فلم يتكلما، قالت: وأيم الله! لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله ﷿ في قرآنا يقرأ به في المساجد ويصلى به ولكني أرجو أن يرى رسول الله ﷺ شيئا يكذب الله به عني ما يعلم من براءتي أو يخبر خبرا» .
(٢) في الأصل «فسيريك» كذا. (٤- ٤) وفي الطبري «وإن كنت قارفت سوءا» .
(٣) في الطبري «تقلص» .
(٤) زيد من الطبري.
(٥) في ف «أحسب» كذا، وفي الطبري «حتى ما أحس منه شيئا» .
(٦) من الطبري، وفي ف «برية» .
[ ١ / ٢٧٨ ]
إلا ما قال أبو يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ «١» ثم تحولت عائشة واضطجعت على فراشها فما راح «٢» رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من الرحضاء حتى أنه ينحدر «٣» منه العرق مثل الجمان وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، فسرى عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لها: «يا عائشة! أما والله! فقد برأك» ! فقالت لها أمها: قومي إليه، فقالت «٤»: لا والله! ما أقوم، وإني لا أحمد إلا الله، وأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ «٥» جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ «٦» إلى تمام العشر الآيات، فلما أنزل الله هذه الآيات قال أبو بكر: وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله! لا أنفق على مسطح شيئا بعد الذي قال لعائشة! «٧» فأنزل الله وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى «٨» - الآية، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! والله إني لأحب أن يغفر الله لي! فرجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنتزعها منه أبدا؛ وقد قيل: إن النبي ﷺ حد أصحاب الإفك الذين رموا عائشة فيما رواه «٩» .
_________________
(١) سورة ١٢ آية ١٨.
(٢) في الأصل «رام» كذا.
(٣) وفي الطبري «فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: أبشري يا عائشة! فقد أنزل الله براءتك» .
(٤) وفي الطبري «قالت فقلت: بحمد الله وذمكم» .
(٥) في ف «الذي» خطأ.
(٦) سورة ٢٤ آية ١١.
(٧) زيد في الطبري «وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا ثم قال الله ﷿ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا الآية أي كما قال أبو أيوب وصاحبته ثم قال إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ الآية.
(٨) سورة ٢٤ آية ٢٢.
(٩) كذا في الأصل، ولعله «روي» أو «روته» .
[ ١ / ٢٧٩ ]