قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: حَسْبُ الْمُتَأَمّلِ أَنَّ يُحَقّقَ أَنَّ كِتَابَنَا هَذَا لَمْ نَجَْمعهُ لِمُنْكِرِ نُبُوَّةِ نَبِيّنَا ﷺ وَلَا لِطَاعِنٍ فِي مُعْجزَاتِهِ فَنَحْتَاجُ إِلَى نَصْبِ الْبَرَاهِينِ عَلَيْهَا وَتَحْصِينِ حَوْزَتِهَا حَتَّى لَا يَتَوَصَّلَ الْمُطَاعِنُ إِلَيْهَا وتذكر شُرُوطَ الْمُعْجِزِ وَالتَّحَدّي وَحْدَهُ وَفسَادَ قَوْلِ من أَبْطَلَ نَسْخَ الشَّرَائِعِ وَرَدَّهُ، بَلْ أَلَّفْنَاهُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ الْمُلبّينَ لِدَعْوَتِهِ الْمُصَدّقِينَ لنُبُوَّتِهِ لِيَكُونَ تَأكِيدًا فِي مَحَبَّتِهِمْ لَهُ ومنماة لأعمالهم وليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ، وَنِيَّتُنَا أنْ نُثْبِتَ في هذا الباب أمهات معجزاته ومشاهير آياته لتدل على عظيم قدره عند ربه وأتينا مِنْهَا بِالْمُحَقَّقِ وَالصَّحِيحِ الْإِسْنَادِ وَأَكْثَرُهُ مِمَّا بَلَغَ الْقَطْعَ أَوْ كَادَ وَأَضَفْنَا إِلَيْهَا بَعْضُ مَا وَقَعَ فِي مَشَاهِيرِ كُتُبِ الأئِمّةِ، وَإذَا تَأمَّلَ الْمُتَأَمّلُ
_________________
(١) (قوله حوزتها) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها زاى (قوله والتحدى) يفتح المثناة الفوقية وفتح الحاء وتشديد الدال المهملتين هو طلب المعارضة. (*)
[ ١ / ٢٤٦ ]
الْمُنْصِفُ مَا قَدَّمْنَاهُ من جَمِيلِ أَثَرهِ وَحَمِيدِ سِيَرِهِ وَبَرَاعَةِ عِلْمِهِ وَرَجَاحَةِ عَقْلِهِ وَحِلْمِهِ وَجُمْلَةِ كَمَالِهِ وَجَمِيع خِصَالِهِ وَشَاهِد حَالِهِ وَصَوابِ مَقَالِهِ لَمْ يَمْتَرِ فِي صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَصدْقِ دَعْوَتِهِ وَقَدْ كَفَى هَذَا غَيْرَ وَاحِدٍ فِي إسْلامِهِ وَالْإِيمَان بِهِ فَرَوَيْنَا عَنِ التَرْمِذيّ وَابْنِ قَانِع وَغَيْرِهِمَا بِأَسَانِيدِهِمْ أَنَّ عَبُدَ اللَّه بن سَلَام قَالَ لَمّا قدم رَسُولُ اللَّه ﷺ الْمَدِينَةَ جِئْتُهُ لِأَنْظُرَ إليْهِ فَلَمّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ
أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ ﵀ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْن الصَّيْرَفيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ عَنْ أَبِي يَعْلَى الْبَغْدَادِيِّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ السِّنْجِيِّ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ التَرْمِذِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبُدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ زُرَارَةَ ابن أَوْفَى عَنْ عَبُدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ الْحَدِيثَ، وَعَنْ أَبِي رَمْثَةَ التَّيْمِيِّ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنٌ لِي فَأُرِيتُهُ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قُلْتُ هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ ضِمَادًا لَمَّا وَفَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ له النبي ﷺ: أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا
_________________
(١) (قوله ابن أبى جميلة) بالجيم المفتوحة (قوله أبى رمثة) بكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة، والرمث ضرب من النبات (قوله ضماد) بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الميم وفى آخره دال مهملة هو ابن ثعلبة الأزدي أزد شنوءة كان صديقا للنبي ﷺ قبل النبوة، أسلم أول الإسلام وكان يتطيب ويرقى ويطلب العلم (قوله أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ) بفتح الهمزة وكسر النون المخففة لا لتقاء الساكنين. (*)
[ ١ / ٢٤٧ ]
مُضِلَّ لَهُ وَمِنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ لَهُ أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤْلَاءِ فَلَقَدْ بلغان قاموسي الْبَحْرِ هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ) وَقَالَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ طَارِقٌ فَأخْبَرَ أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ هل معكم شئ تييعونه قُلْنَا هَذَا الْبَعِيرُ قَالَ بِكَمْ قُلْنَا بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًَا مِنْ تَمْرٍ فَأخَذَ بِخِطَامِهِ وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقُلْنَا بِعْنَا مِنْ رَجُلٍ لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ فَقَالَتْ أَنَا ضَامِنَةٌ
لِثَمَنِ الْبَعِيرِ رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يَخِيسُ بِكُمْ فَأَصْبَحْنَا فَجَاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ فَقَالَ أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ هَذَا التَّمْرِ وَتَكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا فَفَعَلْنَا، وَفِي خَبَرِ الْجُلَنْدَى مَلِكُ عُمَانَ لَمّا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) (قوله قاموس البحر) بالقاف والميم قال ابن قرقول عند السجزى قاموس البحر وعند العذري قاعوس البحر وذكره الدمشقي قاموس البحر وهو الذى يعرفه أهل اللغة ورواه أبو داود قاموس أو قابوس على الشك في الميم والباء قال والمعول من هذا كله على قاموس أو قاعوس وقال أبو عبيدة قاموس البحر وسطه وقال أبو الحسين بن سراج: قاعوس البحر الصحيح كأنه من القصس وهو دخول الظهر وتعمقه أي إن كلماتك بلغت عمقه ولجته الداخلة (قوله هات) بكسر المثناة الفوقية (قوله ظعينة) أي امرأة وأصله الهودج الذى يكون فيه المرأة ثم سميت به المرأة قيل ولا يقال للمرأة ظعينة إلا إذا كانت راكبة (قوله لا يخيس) بالخاء المعجمة مضارع خاس أي غدر، ويقال أيضا يخوس (قوله الجلندى) بضم الجيم وفتح اللام وسكون النون بعدها دال مهملة، في الصحاح جلندا بضم الجيم مقصورا اسم ملك عمان بضم العين وتخفيف الميم، وفى القاموس وجلندى بضم أوله اسم ملك عمان ووهم الجوهرى فقصره. (*)
[ ١ / ٢٤٨ ]