مِنْ ذَلِكَ مَا قَصَّهُ تَعَالَى مِنْ قِصَّةِ الإِسْرَاءِ فِي سُورَةِ سُبْحَانَ، وَالنَّجْمِ، وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ مِنْ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ وَقُرْبِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ ما شاهد من العجائب، ومن ذلك عِصْمَتِهِ مِنَ النَّاسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآيَةَ وَقَوْلِهِ (إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) وَمَا دَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ أَذَاهُمْ بَعْدَ تَحَرِّيهِمْ لِهُلْكِهِ وَخُلُوصِهِمْ بحيا في أمر
_________________
(١) (قوله لهلكه) الهلك بضم الهاء وإسكان اللام: الاسم من هلك. (*)
[ ١ / ٥١ ]
وَالْأَخْذِ عَلَى أَبْصَارِهِمْ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَلَيْهِمُ وذُهُولِهِمْ عَنْ طَلَبِهِ في الاغر وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ وَنُزُولِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِ وَقِصَّةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ فِي قِصَّةِ الْغَارِ وَحَدِيثِ الْهِجْرَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا أَعْطَاهُ، وَالْكَوْثَرُ حَوْضُهُ وَقِيلَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ وَقِيلَ الخبر الْكَثِيرُ وَقِيلَ الشَّفَاعَةُ وَقِيلَ الْمُعْجِزَاتُ الْكَثِيرَةُ وَقِيلَ النُّبُوَّةُ وَقِيلَ الْمَعْرِفَةُ، ثُمَّ أَجَابَ عنه عدووه وَرَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَقَالَ تَعَالَى (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) أَيْ عَدُوَّكَ وَمُبْغِضَكَ، وَالْأَبْتَرُ الْحَقِيرُ الذَّلِيلُ أَوِ الْمُفْرَدُ الْوَحِيدُ أَوِ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي والقرآن العظيم) قيل السَّبْعُ المَثَانِي السُّوَرُ الطِّوَالُ الْأُوَلُ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَقِيلَ السَّبْعُ الْمَثَانِي أُمُّ الْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ سَائِرُهُ وَقِيلَ السَّبْعُ الْمَثَانِي مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَبُشْرَى وَإِنْذَارٍ وَضَرْبِ مَثَلٍ
_________________
(١) (قوله حَسْبَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الحديث) هو بفتح السين وقد يسكن أي على قدره وعدده (قوله الطوال) بكسر الطاء جمع طويلة وأما بضم الطاء فمفرد يقال رجل طوال أي زائد في الطول، واختلف في سابعة هذا الطوال فقيل الأنفال والتوبة لأنهما في حكم سورة واحدة ولهذا لم يفصل بينهما بالبسملة وقيل التوبة وقيل يونس (قوله سائره) هو بمهملة في أوله وهمزة مكسور ثالثه، قال صاحب الصحاح سائر الناس جميعهم واعترض بأنه انفرد بهذا فلا يقبل منه وأجيب بأنه لم ينفرد بل شاركه في نقله التبريزي والجواليقي وغيرهما وفى القاموس السائر الباقي لا الجميع كما توهم جماعات وقد تستعمل له بعد ذكره أشياء عن العرب مما استعمل له. (*)
[ ١ / ٥٢ ]
وَإِعْدَادِ نِعَمٍ وَآتَيْنَاكَ نَبَأَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَقِيلَ سُمِّيَتْ أُمُّ الْقُرْآنِ مَثَانِي لأَنَّهَا نثى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَقِيلَ بَلِ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَذَخَرَهَا لَهُ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ وسُمِّيَ الْقُرْآنُ مَثَانِي لأَنَّ القصص نثى فِيهِ وَقِيلَ السَّبْعُ الْمَثَانِي أَكْرَمْنَاكَ بِسَبْعِ كَرَامَاتٍ: الْهُدَى وَالنُّبُوَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالشَّفَاعَةِ وَالْوِلَايَةِ والتعظيم والكسينة وَقَالَ (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر) الآيَةَ وَقَالَ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بشيرا ونذيرا) وقال تعالى (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) الآية قَالَ الْقَاضِي ﵀ فَهَذِهِ مِنْ خَصَائِصِهِ وَقَالَ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بلسنان قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) فَخَصَّهُمْ بِقَوْمِهِمْ وَبَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً كَمَا قَالَ ﷺ (بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ) وَقَالَ تَعَالَى (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهمْ أَيْ مَا أَنْفَذَهُ فِيهِمْ مِنْ أمْرٍ فَهُوَ مَاضٍ عليه كَمَا يَمْضِي حُكْمُ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ وَقِيلَ اتِّبَاعُ أَمْرِهِ أَوْلَى مِن اتِّبَاعِ رَأْيِ النَّفْسِ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ أَيْ هُنَّ فِي الْحُرْمَةِ كَالْأُمَّهَاتِ حَرُمَ نِكَاحُهُنَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ تَكْرِمَةً لَهُ وَخُصُوصِيَّةً وَلِأَنهُنَّ لَهُ أَزْوَاجٌ فِي الْجَنَّةِ وَقَدْ قُرِئَ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ وَلَا يُقْرَأُ بِهِ الآنَ لِمُخَالَفَتِهِ الْمُصْحَفَ وَقَالَ الله تعالى
_________________
(١) (قوله لأنها تثنى) بفتح المثلثة وتشديد النون المفتوحة وبتسكين المثلثة وفتح النون (قوله فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) أي كل صلاة من باب تسمية الشئ باسم جزئه (قوله لأن القصص هو بكسر القاف جمع قصة وبفتحها الخبر (قوله وَقَدْ قُرِئَ وَهُوَ أب لهم) هذه قراءة مجاهد وقيل أبي بن كعب. (*)
[ ١ / ٥٣ ]
(وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكتاب والحكمة) الآيَةَ قِيلَ فَضْلُهُ الْعَظِيمُ بِالنُّبُوَّةِ وَقِيلَ بِمَا سَبَقَ لَهُ فِي الْأَزَلِ وَأَشَارَ الْوَاسِطِيُّ إِلَى أنَّهَا إشارَةٌ إِلَى احْتِمَالِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي لَمْ يَحْتَمِلْهَا مُوسَى ﵇.