وَمَرْكُوبَاتِهِ، وَمَنْ مَلَكَ الْأَرْضَ وَجُبِيَ إِلَيْهِ مَا فِيهَا وَتَرَكَ ذَلِكَ زُهْدًا وَتَنَزُّهًا فهو حَائِزٌ لِفَضِيلَةِ الْمَالِيَّةِ ومالك للفخر بهذا الْخَصْلَةِ إنْ كَانَتْ فَضِيلَةً زَائِدٌ عَلَيْهَا فِي الْفَخْرِ وَمُعْرِقٌ فِي الْمَدْحِ بِإِضْرَابِهِ عَنْهَا وَزُهْدِهِ فِي فَانِيهَا وَبَذْلِهَا فِي مَظَانِّهَا.
(فصل) وَأَمَّا الْخِصَالُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالآدَابِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي اتَّفَقَ جَمِيعُ الْعُقَلَاءِ عَلَى تَفْضِيلِ صَاحِبِهَا وَتَعْظِيمِ المتصف بِالْخُلُقِ الْوَاحِدِ مِنْهَا فَضْلًا عَمَّا فَوْقَهُ وَأَثْنَى الشَّرْعُ عَلَى جَمِيعِهَا وَأَمَرَ بِهَا وَوَعَدَ السَّعَادَةَ الدَّائِمَةَ لِلْمُتَخَلَّقِ بِهَا وَوَصَفَ بَعْضَهَا بِأنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ وَهُوَ الاعْتِدَالُ فِي قُوَى النَّفْسِ وَأَوْصَافِهَا وَالتَّوَسُّطُ فِيهَا دُونَ الْمَيْلِ إِلَى مُنْحَرِفِ أَطْرَافِهَا، فَجَمِيعُهَا قَدْ كَانَتْ خُلُقَ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى الانْتِهَاءِ فِي كَمَالِهَا وَالاعْتِدَالَ إِلَى غَايَتِهَا حَتَّى أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى (وَإِنَّكَ لَعَلَى خلق عظيم) قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كان خُلُقُهُ الْقُرْآنَ يَرْضَى بِرِضَاهُ وَيَسْخَطُ بِسَخَطِهِ، وَقَالَ ﷺ (بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ)، قَالَ أَنَسٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَعَنْ عَلِيِّ بن
_________________
(١) (قوله ومعرق بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الراء، في الصحاح أعرق الرجل صار عريقا وهو الذى له عرق في الكرم (قوله بإضرابه) بكسر الهمزة مصدر اضرب أي أعرض (قوله يرضى برضاه) أي يرضى برضاء القرآن ويسخط بسخط القرآن، يعنى أن رضاه لم يكن إلا لأوامر الله، وسخطه لم يكن إلا لنواهيه، (*)
[ ١ / ٩٦ ]
أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِثْلُهُ، وَكَانَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ مَجْبُولًا عَلَيْهَا فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَأوَّلِ فِطْرَتِهِ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ بِاكْتِسَابٍ وَلَا رِيَاضَةٍ إِلَّا بجود إلهى وَخُصُوصِيَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ، وَهَكَذَا لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْ طَالَعَ
سِيَرَهُمْ مُنْذُ صِبَاهُمْ إِلَى مَبْعَثِهِمْ حَقَّقَ ذَلِكَ كَمَا عُرِفَ مِنْ حَالِ عِيسَى وَمُوسَى وَيَحْيَى وسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ ﵈ بَلْ غُرِزَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ فِي الْجِبِلَّةِ وَأُودِعُوا الْعِلْمَ وَالحِكْمَةَ فِي الْفِطْرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صبيا) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَعْطَى اللَّهُ يَحْيَى الْعِلْمَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ صِبَاهُ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ ابْنُ سَنتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ فَقَالَ لَهُ الصِّبْيَانُ لِمَ لَا تَلْعَبُ؟ فَقَالَ (ألِلَّعِب خُلِقْتُ)؟ وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) صَدَّقَ يَحْيَى بِعِيسَى وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ سِنِينَ فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرَوْحُهُ، وَقِيلَ صَدَّقَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَكَانَتْ أُمُّ يَحْيَى تَقُولُ لِمَرْيَمَ إِنِّي أَجِدُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ تَحِيَّةً لَهُ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كَلَامِ عِيسَى لأُمِّهِ عِنْدَ وِلَادَتِهَا إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ لَهَا (لَا تَحْزَنِي) عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (مِنْ تَحِتَهَا) وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُنَادِي عِيسَى وَنَصَّ عَلَى كَلَامِهِ فِي مَهْدِهِ فَقَالَ (إِنِّي عبد الله
_________________
(١) (قوله في الفطرة) أي الخلقة (قوله عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ مِنْ تَحِتَهَا) بفتح الميم والتاء قال البغوي: قرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي وحفص بكسر الميم والتاء، والمعنى نادى جبرئيل مريم من تحتها بأن كانت مريم على أكمة وكان جبريل تحت الأكمة، وقرأ الاخرون بفتح الميم والتاء والمراد جبريل عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ والسدى وقتادة والضحاك، وعند مجاهد والحسن: المراد عيسى لما خرج من بطن أمه (*)
[ ١ / ٩٧ ]
آتَانِيَ الْكِتَابَ وجعلني نبيا) وقال تعالى (ففهمناها سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حكما وعلما) وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ حُكْمِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ صَبِيٌّ يَلْعَبُ فِي قَضِيَّةِ الْمَرْجُومَةِ وَفِي قِصَّةِ الصَّبِيِّ مَا اقْتَدَى بِهِ دَاوُدُ أَبُوهُ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ إِنَّ عُمُرَهُ حِينَ أُوتِيَ الْمُلْكَ اثْنَا عَشَرَ عَامًا، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ
مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ وَأَخْذَهُ بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ طِفْلٌ.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ) أَيْ هَدَيْنَاهُ صَغِيرًا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: اصْطَفَاهُ قَبْلَ إِبْدَاءِ خَلْقِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا وُلِدِ إبْرَاهِيمُ ﵇ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكًا يَأمُرُهُ عَنِ اللَّهِ أَنْ يَعْرِفَهُ بِقَلْبِهِ وَيَذْكُرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ وَلَمْ يَقُلْ أَفْعَلُ
_________________
(١) (قوله في قصة الْمَرْجُومَةِ وَفِي قِصَّةِ الصبى) أما قصة المرجومة فروى أن رجلا راود امرأة في زمن داود ﵇ فامتنع فأقام أربعة شهود زور، وشهدوا بزناها، فهم داود برجمها، فبلغ ذلك سليمان فدعا الشهود متفرقين فاختلفوا، فبلغ ذلك داود فدعاهم متفرقين فاختلفوا، فدرأ الحد عنها. وأما قصة الصبى فهى ما روى البخاري وغيره أن امرأتين كبرى وصغرى لكل منهما ابن ذهب الذئب بابن إحداهما فاختصما في الابن الآخر إلى داود فقضى به للكبرى، فلما مر على سليمان فقال شقه بينهما فقالت الصغرى: هو ابنها فقضى به للصغرى، قال النووي: يحتمل أن داود قضى به للكبرى لشبه بينهما أو لأن في شريعته الترجيح بالكبرى أو باليد وكان في يدها، وأما سليمان فتوصل بملاطفته إلى باطل القضية، ولعله استقرر الكبرى فأقرت بعد ذلك به للصغرى، فحكم به لها بإقرار صاحبتها لا بمجرد الشفقة، فإن قيل المجتهد لا ينقض حكم المجتهد، فالجواب أن سليمان فعل ذلك توسلا إلى إظهار الحق فلما أقرت به الكبرى عمل بإقرارها، أو ليل في شرعهم ما يجوز للمجتهد نقض حكم المجتهد (قوله مع فرعون) هو عدو الله الوليد بن مصعب بن الريان، كان من القبط العماليق، وعمر أكثر من أربعمائة سنة (*)
[ ١ / ٩٨ ]
فَذَلِكَ رُشْدُهُ، وَقِيلَ إِنَّ إِلْقَاءَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي النَّارِ وَمِحْنَتَهُ كَانَتْ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَإِنَّ ابْتِلَاءَ إِسْحَاقَ بِالذَّبْحِ كَانَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَإِنَّ اسْتِدْلَالَ إِبْرَاهِيمَ بِالْكوْكَبِ والقمر
_________________
(١) (قوله وَإِنَّ ابْتِلَاءَ إِسْحَاقَ بالذبح) في أنوار التنزيل للبيضاوي: والأظهر بيا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك (اسمعيل) لأنه الذى ذهب به أثر الهجرة أي هجرته مع لوط وسارة إلى الشام، وقيل إلى حران: وهى بتشديد الراء ونون في الآخر، وللنسبة إليها حرنى بنون بعد الراء الساكنة على غير قياس، كما قالوا منائى في النسبة إلى منان والقياس ما نوى وجرانوى والعامة عليها، وهى في الإقليم الرابع، مدينة عظيمة بين الموصل الشام والروم بينها وبين الرها يوم وبين الرقة يومان، قال المفسرون في قوله تعالى (إنى مهاجر إلى ربى) إن التى هاجر إلهيا حران. وفى قوله تعالى (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التى باركنا فيها للعالمين) هي حران، فتحت في أيام عمر بن الخطاب على يد عياض بن غنم صلحا مثل ما صالحه عليه أهل الرها، ولأن البشارة بإسحاق معطوفة على البشارة بهذا الغلام، ولقوله ﵇ (أنا ابن الذبيحين) فأحدهما جده إسمعيل، والآخر أبوه عبد الله فداه أبوه بمائة من الإبل ولذلك سنت الدية مائة ولأن ذلك كان بمكة وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة، احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن اسحاق ثمة، ولأن البشارة بإسحاق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقا. وفى تفسير القرطبى وهو قول أبى هريرة وأبى الطفيل عامر بن واثلة، وروى عن ابن عمر وابن عباس وسعيد ابن المسيب والشعبى ويوسف بن مهران ومجاهد، وقيل المخاطب به إسحاق وهو قول الأكثرين، وممن قال بذلك: العباس وعمر وجابر في أربعة آخرين من اصحابة وجماعة من التابعين وهو قول أهل الكتابين، قال سعد بن جبير سار بن مسية شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما صرف الله عنه الذبح سار به مسيرة شهر في غداة واحدة. وفى الهدى لابن قيم الجوزية: واسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فمردود بأكثر من عشرين وجها (*)
[ ١ / ٩٩ ]
وَالشَّمْسِ كَانَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقِيلَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى
يُوسُفَ وَهُوَ صَبِيٌّ عند ما هَمَّ إِخْوَتُهُ بِإِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ يَقُولُ اللَّهُ تعالى (وأوحينا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا) الآيَةَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ.
وَقَدْ حَكَى أَهْلُ السِّيَرِ أكن آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أَخْبَرَتْ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ وُلِدِ حِينَ وُلِدِ بَاسِطًا يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ ﷺ (لَمَّا نَشَأْتُ بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَانُ وَبُغِّضَ إِلَيَّ الشِّعْرُ وَلَمْ أَهِمُّ بشئ مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِليَّةُ تَفْعَلُهُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ فَعَصَمَنِي اللَّهُ مِنْهُمَا ثُمَّ لَمْ أَعُدْ) ثُمَّ يَتَمَكَّنُ الْأَمْرُ لَهُمْ وَتَتَرَادَفُ نَفَحَاتُ الله تعالى علهيم وَتُشرِقُ أنْوَارُ الْمَعَارِفِ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى الْغَايَةِ ويَبْلُغُوا بِاصْطَفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بالنُّبُوَّةِ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الْخِصَالِ الشَّرِيفَةِ النِّهَايَةَ دُونَ مُمَارَسَةٍ وَلَا رِيَاضَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَمَّا بَلَغَ أشده واستوى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) وقد
_________________
(١) (قوله إلى يوسف) قال الثعلبي: كان يُوسُف ﵇ أبيض اللون حسن الوجه جعد الشعر ضخم العين مستوى الخلق غليظ الساعدين والعضدين خميص البطن أقنى الأنف بخده الأيمن خال أسود وبين عينيه، توفى وَهُوَ ابن مِائَةِ وعشرين سنة ودفن بمصر بالنيل ثم حمله ﵇ إِلَى الشام حين خرجت بنو إسرائيل من مصر (قوله الأوثان) بالمثلثة جمع وثن وهو الجثة من أجزاء الأرض أو الخشب تعبد، وفى حديث عدى بن حاتم: قدمت على النبي ﷺ وفى عنقي صليب من ذهب فقال (ألق عنك هذا الوثن) وفى الصحاح الوثن: الصنم. والصنم، واحد الأصنام ويقال إنه معرب (ممن) وهو الوثن (قوله أهم) بفتح الهمزة وضم الهاء (قوله ثُمَّ يَتَمَكَّنُ الْأَمْرُ) عطف على قوله قبل هذا (وَهَكَذَا لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ) (*)
[ ١ / ١٠٠ ]
نَجِدُ غَيْرَهُمْ يُطْبَعُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ دُونَ جَمِيعِهَا وَيُولَدُ عَلَيْهَا فَيَسْهُلُ
عَلَيْهِ اكْتِسَابُ تَمَامِهَا عِنَايَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا نُشَاهِدُ مِنْ خَلْقِهِ بَعْضُ الصِّبْيَانِ عَلَى حُسْنِ السَّمْتِ أَوِ الشَّهَامَةِ أَوْ صِدْقِ اللِّسَانِ أَوِ السَّمَاحَةِ وَكَمَا نَجِدُ بَعْضُهُمْ عَلَى ضِدِّهَا، فَبِالاكْتِسَابِ يَكْمُلُ نَاقِصُهَا وَبِالرِّيَاضَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ يُسْتَجْلَبُ مَعْدُومُهَا وَيَعْتدِلُ مُنْحرِفُهَا، وَبِاخْتِلَافِ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِيهَا، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَلِهَذَا مَا قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهَا: هَلْ هَذَا الْخُلُقُ جِبِلَّةٌ أَوْ مُكْتَسَبَةٌ؟ وَحَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ الْخُلُقَ الْحَسَنَ جِبِلَّةٌ وَغَرِيزَةٌ فِي الْعَبْدِ، وَحَكَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ وَبِهِ قَالَ هُوَ، وَالصَّحِيحُ مَا أصَّلْنَاهُ.
وَقَدْ رَوَى سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (كُلُّ الْخِلالِ يُطْبَعُ عَلَيْهَا المُؤْمِنُ إِلَّا الْخِيانَةَ وَالْكَذِبَ) وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي حَدِيثِهِ: والْجُرْأَةُ وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهُمَا اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ.
وَهَذِهِ الْأَخْلَاقُ الْمَحْمُودَةُ وَالْخِصَالُ الْجَمِيلَةُ الشَّرِيفَةُ كَثِيرَةٌ وَلَكِنَّنَا نَذْكُرُ أُصُولَهَا وَنُشِيرُ إِلَى جَمِيعِهَا وَنُحَقِّقُ وَصْفَهُ ﷺ بِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
_________________
(١) (قوله عَلَى حُسْنِ السَّمْتِ) أي الطريقة وهيئة أهل الخير (قوله والشهامة) بفتح الشين المعجمة مصدر شهم الرجل بضم الهاء فهو شهم: أي جلد ذكى الفؤاد (قوله وَلِهَذَا مَا قَدِ اختلف) هكذا وقع في كثير من النسخ بزيادة (ما) للتأكيد (قوله والجرأة) هي الشجاعة على وزن الجرعة ويقال الجرة بفتح الراء وحذف الهمزة (*)
[ ١ / ١٠١ ]