وَإِن لم يكن من مَقْصُود الْكتاب وَإِنَّمَا أوردته لما فِيهِ من إِظْهَار معجزته ﷺ
قَالَ السُّهيْلي ذكر ابْن سعد فِي الطَّبَقَات عَن عُثْمَان بن طَلْحَة الحَجبي قَالَ كُنَّا نفتح الْكَعْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَأقبل النَّبِي ﷺ يَوْمًا يُرِيد أَن يدْخل الْكَعْبَة مَعَ النَّاس فأغلظت لَهُ ونلت مِنْهُ فحلم عني ثمَّ قَالَ يَا عُثْمَان لَعَلَّك سترى هَذَا الْمِفْتَاح يَوْمًا بيَدي أَضَعهُ حَيْثُ شِئْت فَقلت لَهُ هَلَكت قُرَيْش يَوْمئِذٍ وذلت قَالَ بل عمرت وعزت يَوْمئِذٍ وَدخل الْكَعْبَة فَوَقَعت كَلمته مني موقعا ظَنَنْت يَوْمئِذٍ أَن الْأَمر سيصير إِلَى مَا قَالَ فَلَمَّا كَانَ يَوْم فتح مَكَّة وركزت رايته بالحجون عِنْد مَسْجِد الْفَتْح ونهض ﷺ والمهاجرون وَالْأَنْصَار حوله وَبَين
[ ٢ / ٢٣٨ ]
يَدَيْهِ وَخَلفه حَتَّى دخل الْمَسْجِد فَأقبل إِلَى الْحجر الْأسود فاستلمه ثمَّ طَاف بِالْبَيْتِ وَبِيَدِهِ قَوس وَكَانَ طَوَافه على رَاحِلَته وَلم يكن محرما يَوْمئِذٍ فاقتصر على الطّواف حول الْبَيْت وَعَلِيهِ ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ صنما فَجعل يطعنها بِالْقَوْسِ وَيَقُول ﴿جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا﴾ ﴿جَاءَ الْحق وَمَا يبدئ الْبَاطِل وَمَا يُعِيد﴾ والأصنام تتساقط على وجوهها وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَت مثبتة أرجلها بالرصاص وَبعث رَسُول الله ﷺ إِلَى الْأَصْنَام الَّتِي كَانَت حول الْكَعْبَة فَكسرت كلهَا مِنْهَا اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى ونادى مناديه بِمَكَّة من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدع فِي بَيته صنما إِلَّا كَسره
قَالَ وهم فضَالة بن عُمَيْر بن الملوح أَن يقتل رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ فَلَمَّا دنا مِنْهُ قَالَ رَسُول الله ﷺ أفضالة قَالَ فضَالة نعم يَا رَسُول الله قَالَ مَاذَا كنت تحدث بِهِ نَفسك قَالَ لَا شَيْء كنت أذكر الله فَضَحِك النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ اسْتغْفر الله ثمَّ وضع يَده على صَدره فسكن قلبه وَكَانَ فضَالة يَقُول وَالله مَا رفع يَده عَن صَدْرِي حَتَّى مَا خلق الله شَيْئا أحب إِلَيّ مِنْهُ قَالَ فضَالة فَرَجَعت إِلَى أَهلِي فمررت بِامْرَأَة كنت أتحدث إِلَيْهَا فَقَالَت هَلُمَّ إِلَى الحَدِيث فَقلت لَا وانبعث فضَالة يَقُول
[ ٢ / ٢٣٩ ]
(قَالَت هَلُمَّ إِلَى الحَدِيث فَقلت لَا يَأْبَى عَلَيْك الله وَالْإِسْلَام)
(لَو قد رَأَيْت مُحَمَّدًا وقبيله بِالْفَتْح يَوْم تكسر الْأَصْنَام)
(لرأيت دين الله أضحى بَيْننَا والشرك يغشى وَجهه الأظلام)
ثمَّ دَعَا ﷺ عُثْمَان بن طَلْحَة فَأخذ مِنْهُ مِفْتَاح الْكَعْبَة فَأمر بهَا ففتحت فَدَخلَهَا فَرَأى الصُّور فَأمر بهَا فمحيت ثمَّ صلى وَدَار فِي الْبَيْت وَكبر فِي نواحيه ووحد الله ثمَّ فتح الْبَاب وقريش قد مَلَأت الْمَسْجِد صُفُوفا ينظرُونَ مَاذَا يصنع فَأخذ بِعضَادَتَيْ الْبَاب وهم تَحْتَهُ فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ صدق وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده أَلا كل مأثرة أَو دم أَو مَال فَهُوَ تَحت قدمي هَاتين إِلَّا سدانة الْبَيْت وسقاية الْحَاج ثمَّ قَالَ يَا معشر قُرَيْش إِن الله قد أذهب عَنْكُم نخوة الْجَاهِلِيَّة وتعظيمها بِالْآبَاءِ النَّاس من آدم وآدَم من تُرَاب ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة يأيها النَّاس إِنَّا خلقنكم من ذكر وَأُنْثَى الْآيَة ثمَّ قَالَ يَا معشر قُرَيْش مَا ترَوْنَ أَنِّي فَاعل بكم قَالُوا بل خيرا أَخ كريم وَابْن أَخ كريم قَالَ فَإِنِّي أَقُول لكم كَمَا قَالَ يُوسُف لإخوته ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم﴾ اذْهَبُوا فَأنْتم
[ ٢ / ٢٤٠ ]
الطُّلَقَاء ثمَّ قَامَ إِلَيْهِ عَليّ وَفِي رِوَايَة الْعَبَّاس فِي رجال من بني هَاشم ومفتاح الْكَعْبَة فِي يَده فَقَالَ يَا رَسُول الله اجْمَعْ لنا الحجابة مَعَ السِّقَايَة صلى الله عَلَيْك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَيْن عُثْمَان بن طَلْحَة فدعى لَهُ فَقَالَ هاك مفتاحك يَا عُثْمَان الْيَوْم يَوْم بر ووفاء خذوها خالدة تالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم إِلَّا ظَالِم يَا عُثْمَان إِن الله استأمنكم على بَيته فَكُلُوا مِمَّا يصل إِلَيْكُم من هَذَا الْبَيْت بِالْمَعْرُوفِ قَالَ فَلَمَّا وليت ناداني فَرَجَعت إِلَيْهِ فَقَالَ ألم يكن الَّذِي قلت لَك قَالَ فَذكرت قَوْله فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْهِجْرَة لَعَلَّك سترى هَذَا الْمِفْتَاح بيَدي أَضَعهُ حَيْثُ شِئْت فَقلت بلَى أشهد أَنَّك رَسُول الله
[ ٢ / ٢٤١ ]
حرف الْجِيم