ولما انصرف عبد الله مع أبيه من نحر الإبل، مرّ على أمرأة من بنى أسد ابن عبد العزى، وهى عند الكعبة، واسمها قتيلة- بضم القاف وفتح المثناة الفوقية- ويقال رقية بنت نوفل، فقالت له حين نظرت إلى وجهه، وكان أحسن رجل رؤى فى قريش: لك مثل الإبل التى نحرت عنك وقع على الآن، لما رأت فى وجهه من نور النبوة، ورجت أن تحمل بهذا النبى الكريم ﷺ-، فقال لها: أنا مع أبى، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه «١»، وقيل:
أجابها بقوله:
أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذى تبغينه يحمى الكريم عرضه ودينه
وعند أبى نعيم والخرائطى وابن عساكر، من طريق عطاء عن ابن عباس: لما خرج عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه، مر به على كاهنة من تبالة «٢» متهودة قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مر الخثعمية، فرأت نور النبوة فى وجه عبد الله فقالت له وذكر نحوه.
ثم خرج به عبد المطلب، حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة وهو يومئذ سيد بنى زهرة نسبا وشرفا- فزوجه ابنته آمنة، وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا.
فزعموا: أنه دخل عليها حين ملكها مكانه، فوقع عليها يوم الاثنين أيام منى، فى شعب أبى طالب عند الجمرة، فحملت برسول اللهﷺ-. ثم خرج من عندها فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا
_________________
(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام (١/ ١٦٤) .
(٢) تبالة: بفتح التاء وتخفيف الباء، اسم بلد باليمن معروف.
[ ١ / ٧١ ]
تعرضين على اليوم ما عرضت بالأمس، فقالت: فارقك النور الذى كان معك بالأمس، فليس لى بك اليوم حاجة، إنما أردت أن يكون النور فى فأبى الله، إلا أن يجعله حيث شاء.
ولما حملت آمنه برسول اللهﷺ- ظهر لحمله عجائب، ووجد لإيجاده غرائب.
فذكروا أنه لما استقرت نطفته الزكية، ودرته المحمدية فى صدفة آمنة القرشية نودى فى الملكوت ومعالم الجبروت، أن عطروا جوامع القدس الأسنى، وبخروا جهات الشرف الأعلى، وافرشوا سجادات العبادات فى صفف الصفا لصوفية الملائكة المقربين، أهل الصدق والوفا، فقد انتقل النور المكنون إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر، والفخر المصون، قد خصها الله تعالى القريب المجيب بهذا السيد المصطفى الحبيب، لأنها أفضل قومها حسبا وأنجب، وأزكاهم أصلا وفرعا وأطيب.
وقال سهل بن عبد الله التسترى فيما رواه الخطيب البغدادى الحافظ: لما أراد الله تعالى خلق محمدﷺ- فى بطن أمه آمنة، ليلة رجب، وكانت ليلة جمعة، أمر الله تعالى فى تلك الليلة رضوان خازن الجنان، أن يفتح الفردوس، وينادى مناد فى السماوات والأرض: ألا إن النور المخزون المكنون الذى يكون منه النبى الهادى، فى هذه الليلة يستقر فى بطن أمه الذى فيه يتم خلقه ويخرج إلى الناس بشيرا ونذيرا.
وفى رواية كعب الأحبار: أنه نودى تلك الليلة فى السماء وصفاحها، والأرض وبقاعها، أن النور المكنون الذى منه رسول اللهﷺ- يستقر الليلة فى بطن آمنة، فيا طوبى لها ثم يا طوبى، وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا منكوسة، وكانت قريش فى جدب شديد، وضيق عظيم، فاخضرت الأرض وحملت الأشجار، وأتاهم الرفد من كل جانب، فسميت تلك السنة التى حمل فيها برسول اللهﷺ- سنة الفتح والابتهاج.
وطوبى: الطيب والحسنى والخير والخيرة. قاله فى القاموس. وقال
[ ١ / ٧٢ ]
غيره: فرح وقرة عين. وقال الضحاك: عطية. وقال عكرمة: نعم. وفى الحديث: «طوبى للشام فإن الملائكة باسطة أجنحتها عليها» «١» فالمراد بها هنا:
«فعلى» من الطيب وغيره مما ذكر، لا الجنة ولا الشجرة.
وفى حديث ابن إسحاق: أن آمنة كانت تحدث: أنها أتيت حين حملت بهﷺ- فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، وقالت: ما شعرت بأنى حملت به، ولا وجدت له ثقلا، ولا وحما، كما تجد النساء إلا أنى أنكرت رفع حيضتى، وأتانى آت وأنا بين النائمة واليقظانة فقال: هل شعرت بأنك حملت بسيد الأنام، ثم أمهلنى حتى إذا دنت ولادتى أتانى فقال لى:
قولى:
أعيذه بالواحد من شر كل حاسد
ثم سميه محمدا «٢» .
وفى رواية غير ابن إسحاق: وعلقى عليه هذه التميمة، قالت فانتبهت وعند رأسى صحيفة من ذهب مكتوب فيها هذه الأبيات:
أعيذه بالواحد من شر كل حاسد
وكل خلق رائد من قائم وقاعد
عن السبيل حائد على الفساد جاهد
من نافث أو عاقد وكل خلق مارد
يأخذ بالمراصد فى طرق الموارد
قال الحافظ عبد الرحيم العراقى. هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير، وجعلها من حديث ابن عباس ولا أصل لها. انتهى.
وعن شداد بن أوس أن رجلا من بنى عامر سأل رسول اللهﷺ-: ما حقيقة أمرك، قال: «بدو شأنى أنى دعوة أبى إبراهيم، وبشرى أخى عيسى،
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٩٥٤) فى المناقب، باب: فى فضل الشام واليمن، وأحمد فى «مسنده» (٥/ ١٨٤)، وابن حبان فى «صحيحه» (١١٤ و٧٣٠٤)، من حديث زيد بن ثابترضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٣٩٢٠) .
(٢) أخرجه ابن إسحاق فى «السيرة» (١/ ١٦٦)، والبيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٨٢) .
[ ١ / ٧٣ ]
وأنى كنت بكر أبى وأمى، وأنها حملت بى كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكى إلى صواحبها ثقل ما تجد، ثم إن أمى رأت فى منامها أن الذى فى بطنها نور» «١» . الحديث.
ففيه: أن أمه﵇- وجدت الثقل فى حمله، وفى سائر الأحاديث أنها لم تجد ثقلا؟!
وجمع أبو نعيم الحافظ بينهما: بأن الثقل كان فى ابتداء علوقها به، والخفة عند استمرار الحمل به، فيكون على الحالين خارجا عن المعتاد المعروف، انتهى.
وخرج أبو نعيم عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال: كان من دلالة حمل آمنة برسول اللهﷺ- أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة، وقالت:
حمل برسول اللهﷺ- ورب الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج أهلها، لم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضا، وله فى كل شهر من كل شهور حمله نداء فى الأرض ونداء فى السماء: أن أبشروا فقد آن أن يظهر أبو القاسمﷺ- ميمونا مباركا.. الحديث. وهو شديد الضعف.
وعن غيره: لم يبق فى تلك الليلة دار إلا أشرقت ولا مكان إلا دخله النور، ولا دابة إلا نطقت.
وعن أبى زكريا يحيى بن عائذ «٢»: بقىﷺ- فى بطن أمه تسعة أشهر كملا، لا تشكو وجعا ولا مغصا ولا ريحا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء، وكانت تقول: والله ما رأيت من حمل هو أخف منه ولا أعظم بركة منه.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أحمد فى «المسند» (٤/ ١٢٧ و١٢٨)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٤٠٤)، والحاكم فى «مستدركه» (٢/ ٤٥٣ و٦٥٦)، من حديث العرباض بن سارية ﵁-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٢٠٩١) .
(٢) هو: يحيى بن مالك بن عائذ، الإمام المجود، الحافظ المحقق، أبو زكريا الأندلسى، سمع من ابن عبد ربه صاحب «العقد الفريد»، مات بالأندلس سنة (٣٧٦ هـ) .
[ ١ / ٧٤ ]
ولما تم لها من حملها شهران توفى عبد الله، وقيل: توفى وهو فى المهد، قاله الدولابى «١» .
وعن ابن أبى خيثمة: وهو ابن شهرين.
وقيل: وهو ابن سبعة. وقيل: وهو ابن ثمانية وعشرين شهرا.
والراجح المشهور: الأول.
وكان عبد الله قد رجع ضعيفا مع قريش لما رجعوا من تجارتهم، ومروا بالمدينة يثرب، فتخلف عند أخواله بنى عدى بن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا، فلما قدم أصحابه مكة سألهم عبد المطلب عنه فقالوا: خلفناه مريضا، فبعث إليه أخاه الحارث فوجده قد توفى، ودفن فى دار التابعة، وقيل دفن بالأبواء.
وقالت آمنة زوجته ترثيه:
عفا جانب البطحاء من آل هاشم وجاور لحدا خارجا فى الغمائم
دعته المنايا دعوة فأجابها وما تركت فى الناس مثل ابن هاشم
عشية راحوا يحملون سريره تعاوره أصحابه فى التزاحم
فإن تك غالته المنايا وريبها فقد كان معطاء كثير التراحم
ويذكر عن ابن عباس، أنه لما توفى عبد الله قالت الملائكة إلهنا وسيدنا، بقى نبيك يتيما، فقال الله تعالى: أنا له حافظ ونصير.
وقيل لجعفر الصادق «٢»: لم يتم النبىﷺ- من أبويه؟ قال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق. نقله عنه أبو حيان فى البحر.
_________________
(١) هو: الإمام الحافظ البارع، أبو بشر، محمد بن حماد بن سعيد، الأنصارى الدولابى الرازى، ودولاب قرية من قرى الرّى، مات سنة (٣١٠ هـ) .
(٢) هو: جعفر بن محمد بن على، من نسل على بن أبى طالبرضي الله عنه-، وأمه من أحفاد أبى بكر الصديق، كان يغضب من الرافضة، ويمقتهم إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبى بكر ظاهرا وباطنا، وكان يقول: برئ الله ممن تبرأ من أبى بكر وعمر، مات سنة (١٤٨ هـ) .
[ ١ / ٧٥ ]