ما دام الأمر بهذه الأهميةِ فلنُعِدَّ العُدةَ ولنأخذ الأُهبةَ من الآن، ولنبتعدْ عن كلِّ ما يكون سببًا في حرمانِنا ذلك الفضلَ، ولندرس الموانعَ التي تجعل حُرَّاسَ الحوضِ يَذودون أقوامًا عنه ويَحرمونَهم من الشرب ومنها:
١ - إعانة الظالم على ظلمِه قال ﷺ: «إنَّه سيكونُ أمراءُ من بعدي فلا تُصدِّقوهم بكذبِهم ولا تُعينوهم على ظلمِهم فإنه من صدَّقهم بكذبِهم وأعانَهم على ظلمِهم فلن يرِدَ عليَّ الحوضَ» (^١).
٢ - كبائرُ الذنوبِ كالزنا وعقوقِ الوالدين وقطعِ الأرحامِ وأواصرِ الأُخوةِ وعدم قبول الأعذار: قال رسول الله ﷺ: «عِفُّوا عن نساءِ الناسِ تَعِفَّ نساؤُكم وبَرُّوا آباءَكم تَبَرّكم أبناؤُكم ومن أتاه أخوه متنصِّلا [أي معتذرًا] فليقبلْ ذلك منه مُحقًا كان أو مُبطلًا فإنْ لم يفعلْ لم يَرِدْ عليَّ الحوضَ» (^٢).
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين ج ١/ ص ١٥١ وقال حديث صحيح على شرط مسلم. وذكر نحوه الترمذي وصححه الألباني.
(٢) المستدرك على الصحيحين ج ٤/ ص ١٧٠ وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وضعف الذهبي أحد رواته وهو (سويد).
[ ٥٤ ]
- ومنها القتلُ العمدُ «… ألا إنه لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له ولا دينَ لمن لا عهدَ له ومن نَكثَ ذمتي لم ينلْ شفاعتي ولم يَرِدْ عليَّ الحوضَ، ألا إن الله ﷿ لم يُرخِّصْ في القتلِ إلا ثلاثًا: مرتدٌّ بعد إيمانٍ أو زانٍ بعد إحصانٍ أو قاتلِ نفسٍ فيُقتل بقتلِه ألا هل بلغتُ …» (^١).
ويدخل في ذلك ما ورد في النصوص العامة الدالة على المحرمات المصحوبة بالوعيد والتهديد ومنها:
- الكهانةُ والسحرُ ومن يذهب للكهنةِ والسحَرةِ، قال ﷺ: «ليس منا مَنْ تَطيَّر أو تُطُيِّرَ له أو تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له أو سَحَرَ أو سُحِرَ له ومن أتَى كاهنًا فصدَّقَه بما يقولُ فقد كفرَ بما أُنزل على محمدٍ ﷺ» (^٢).
- ومنها النياحةُ وضربُ الخدودِ وشقُّ الجيوبِ، قال ﷺ: «ليس منا من ضربَ الخدودَ وشقَّ الجيوبَ ودعا بدعوَى الجاهليةِ» (^٣).
- ومنها الربا والتصويرُ أي تشخيصُ ذواتِ الأرواحِ على هيئةِ تماثيلَ، وقيل رسمُهم أيضًا بلا حاجةٍ وكذلك الواشمةُ والمستوشمةُ:
ففي الحديث: «… ولعنَ آكل الرِّبا ومُوكلَه والواشمةَ والمستوشِمةَ والمصوِّر» (^٤).
_________________
(١) جزء من حديث في المعجم الكبير ج ١١/ ص ٢١٣ ورقمه ١١٥٣٢.
(٢) الترغيب والترهيب ج ٤/ ص ١٧ ورقمه ٤٦٠٦. وصححه الألباني في صحيح الترغيب.
(٣) صحيح البخاري ج ١/ ص ٤٣٦ ورقمه ١٢٣٥.
(٤) صحيح البخاري ج ٥/ ص ٢٢٢٣ ورقمه ٥٦١٧.
[ ٥٥ ]
والحديثُ فيه لعنٌ وهو الطردُ من رحمةِ اللهِ فكيف يَرِدُ الحوضَ عبدٌ مطرودٌ.
وأحاديثُ اللعنِ كثيرةٌ منها لعنُ النامصةِ والمتنمصةِ والواصلةِ والمستوصلةِ والمتشبهين من الرجالِ بالنساءِ والمتشبهاتِ والمخنثين والمترجلاتِ ومن يُفسدُ المرأةَ على زوجِها وغيرِهم نسألُ اللهَ العافيةَ.
٣ - المتهاونون في أوامرِ اللهِ والمبتدعون في الدين والآخذون حقوقَ الغيرِ:
ففي الحديث: «إني مُمسكٌ بِحُجزِكم عن النارِ هَلُمَّ عن النارِ هلم عن النار وتغلبونني تَقاحمون فيها تقاحُمَ الفرَاشِ أو الجنادبِ فأوشكُ أن أرسلَ بحُجزِكم وأنا فَرَطُكم على الحوضِ فتَرِدُون عليَّ معًا وأشتاتًا فأعرفُكم بسيماكم وأسمائِكم كما يعرفُ الرجلُ الغريبةَ من الإبلِ في إبِلِه ويُذهَبُ بكم ذاتَ الشِّمالِ وأُناشدُ فيكم ربَّ العالمين فأقول أي ربِّ قومي أي ربِّ أمتي فيقول يا محمدُ إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنَّهم كانوا يَمشون بعدك القَهقرَى على أعقابِهم فلا أعرِفَنَّ أحدَكم يوم القيامة يحملُ شاة لها ثُغاءٌ فينادي يا محمدُ يا محمد فأقول لا أملكُ لك شيئًا قد بلَّغتُك، فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرًا له رُغاءٌ فينادي يا محمدُ يا محمدُ فأقول لا أملكُ لك شيئًا قد بلغتُك، فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحملُ فَرَسًا له حمحمةٌ فينادي يا محمدُ يا محمدُ فأقولُ لا أملكُ لك شيئًا قد بلَّغتُك، فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي
[ ٥٦ ]
يوم القيامةِ يحملُ سِقاءً من أَدمٍ ينادي يا محمدُ يا محمدُ فأقولُ لا أملكُ لك شيئًا قد بلَّغتُك» (^١).
قال القرطبي: (وكلُّ مَنْ أحدثَ في الدينِ ما لا يرضاه الله ولم يأذنْ به فهو من المطرودين عن الحوضِ والْمُبعَدين والله أعلم).
وأشدُّهم طردًا مَنْ خالَفَ جماعةَ المسلمين وفارقَ سبيلَهم مثل الخوارجِ على اختلاف فرقِها والروافضِ على تباينِ ضلالِها والمعتزلةِ على أصنافِ أهوائِها وجميعِ أهلِ الزيْغِ والبدعِ فهؤلاء كلهم مُبَدِّلون. وكذلك الظلمةُ المسرفون في الجوْرِ والظلمِ وتطميسِ الحقِّ وقتلِ أهلِه وإذلالِهم كلُّهم مبدِّلٌ يَظهرُ على يديْه من تغييرِ سُنَنِ الإسلامِ أمرٌ عظيمٌ …) (^٢).
إلهي .. نعوذُ بك أن نرى الحوضَ فنُذاد عنه ونُذَبَّ عن حياضِه. نعوذُ بك أن نُحرَمَ الارتواءَ يومَ العطشِ الأكبرِ .. ما أكثرَ الظَلمَةَ .. لو يرتدعون .. وما أكثر العقوقَ وقطعَ الأرحامِ .. وما أكثر القتَلةَ والمجرمين، فقد رأينا من يَقتلُ ذوي قرابتِه وأهلَ بيته نسأل اللهَ السلامة .. وما أكثر الفسَقةَ والمخنثين الذين يرضوْن المنكرَ في بناتِهم
_________________
(١) الترغيب والترهيب ج ١/ ص ٣١٨ ورقمه ١١٦٩. وقال الألباني في صحيح الترغيب حسن صحيح.
(٢) الاستذكار ص ١٩٥.
[ ٥٧ ]
وزوجاتِهم نراها تمشي معه متطيبةً متبرجةً وهو يُضاحكها والناس ينظرون.
وما أكثر آكلي الرِّبا ولاعبيّ الميسرِ في يومنا هذا وهم يعلمون، ولكن التطلُّعَ إلى الغِنَى طبعَ على قلوبِهم وشهوةَ المالِ أعمتْ بصائرَهم فلم يعودوا يروْن إلا الدراهم والدنانير، ولم يعودوا يسمعون إلاَّ رنينَها ..
وما أكثر ما نسمع أن فلانةَ خشيتْ من زوجِها أو صديقتِها فاستعانت عليهم بأعمالِ السحَرةِ.
وما أكثر المتنمِّصاتِ .. إنني لم أتفرَّسْ في وجهِ متبرجةٍ قَطُّ في الطريقِ أو في أيِّ مكانٍ إلاَّ ووجدتُها قد نَمصَتْ ما شاءتْ، وأكثرهنَّ يعلمن الحقَّ ولكن تطاول عليهم العمر، وحجبتْهنَّ شهواتٌ تافهةٌ ومطالبُ دنيئةٌ، عن تذكُّرِ الحوضِ والفزعِ الأكبرِ.
والآن .. هاهم الناس يتدافعون عند الحوضِ والرسولُ ﷺ يرحبُ بأمَّتِه ويستقبلُ أفرادها كلُّ واحدٍ باسمه، ويعرفُهُ بسيماه فكيف له أن يميزَهم في هذا الحشد الهائل؟
* * *
[ ٥٨ ]