ولا يزال هؤلاء الشيع يقولون: الدلالة على أن أمير المؤمنين خير من أبي بكر وعمر وأن المعجزات كانت تظهر عليه، أن قوما في زمانه قد ادّعوا فيه أنه إله العالمين ورب السموات والأرضين، وأن مثل ذلك ما قيل في أبي بكر وعمر.
قيل لهم: فقد ادّعى قوم من الهند والعرب وغيرهم في الأصنام والبددة أنها آلهة وأرباب وعبدوها، وادّعى قوم في الكواكب مثل ذلك، فينبغي على
_________________
(١) في الأصل: يظهرون
(٢) الطامور والطومار: هو الصحيفة وهو لفظ فارسي الأصل. لسان العرب مادة: طمر
[ ٢ / ٥٤٤ ]
قياسكم أن يكون قد ظهر منها آيات ومعجزات، وأن تكون خيرا من الأنبياء وقد ادعى قوم لخلق بما تقدم ذكره.
ومن عجيب الأمور، أن أفعال هؤلاء وأقوالهم، تشهد بأنهم ﵈ ما ادّعوا ما تدعيه الشيع لهم من النصوص والوصايا والمعجزات، وقد تيقن ذلك كل متوسم ومتأمل، فقالوا: ننصرف عن هذا كله لقول جاهل لا يعرف الربوبية من الانسانية، فإن الذي ألقى هذا في عسكر أمير المؤمنين إلى قوم جهال لا يعرفون عبد الله بن سبأ «١»، وهو/ المعروف بابن السوداء، وكان يهوديا من ناحية اليمن، وكان خبيثا منكرا، فأظهر الإسلام في زمن عثمان، وسار حتى أتى الحجاز، وأظهر التقشف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاختلاط بالمسلمين. وكان يطلب الرئاسة فلم يقم له سوق، ولم يؤبه له. فرحل إلى الكوفة فأقام مدة يطلب ذلك، فلم يقم له سوق فرحل إلى الشام وأقام يطلب ذلك واختلط بالصحابة، وتقرب إلى أبي الدرداء، وعبادة ابن الصامت، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففطن أولئك له فنهوه، وأوقع بين أبي الدرداء وبين قوم بالشام شرا، وتبين أمره بالشام فرحل إلى مصر، وكان على هذا، واغتر به قوم فأوقع خلافا بين الناس، ووافى عمار ابن ياسر رسولا لعثمان إلى مصر، فحمل أقواما على أن بلغوا عمارا ﵀ عليه من بمصر عن الولاة مكروها، فثار من ذلك فتنة
وسار ابن السوداء هذا إلى المدينة مع المصريين الذين تظلموا من عمال عثمان، وأقام بالمدينة معهم، وما زال يغري بعثمان إلى أن اغتاله قوم من المصريين، فتسلقوا عليه في السحر فقتلوه، وقاتله لا يعرف إلى هذه الغاية.
_________________
(١) كتب في هامش الصفحة: أول من ألقى في عسكر علي بن أبي طالب أنه إله العالمين، عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء اليهودي.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ثم وثب المصريون، فأثاروا فتنة عظيمة بعد قتل عثمان، ولما نفر طلحة والزبير وعائشة من أفعالهم وصاروا إلى البصرة، راسلهم أمير المؤمنين بالقعقاع بن عمرو، وبابن عباس، وبمحمد بن حاطب، وبكليب الجرمي، واصطلحوا على أن يصير أمير المؤمنين إلى البصرة ويجتمعون وينظرون، فدس ابن السوداء أصحابه وقال لهم: أوقعوا الفتنة حتى تنشب الحرب، فإنهم إن اصطلحوا فما يصطلحون إلا عليكم، فكانت الفتنة، وكل هذا فقد ذكره غير/ واحد من العلماء وشرحوه طويلا مفصلا، وحاله هذه معروفة.
وكان بالكوفة يظهر تعظيم أمير المؤمنين بما لا يرضاه أمير المؤمنين ويستغوي بذلك من ليست له صحبة ولا فقه في الدين، وكالبوادي وأهل السواد، ويتحدث بينهم، وربما استقصر عندهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان، ويقدم أمير المؤمنين عليهم في الفضل، لأنه كان يدعي ما ادعاه أبو الخطاب وهشام بن الحكم. وكان يدّعي عند أمثال هؤلاء أن أمير المؤمنين يستخصه ويخرج اليه بأسرار لا يخرج بها إلى غيره، وأمير المؤمنين لا يعلم بذلك.
ولقد قال قائل لأمير المؤمنين عجبت لقوم كنت فيهم كيف ولّوا عليهم وعليك غيرك؟ فقال له أمير المؤمنين: أرأيت أبا بكر الصديق؟ قال: لا، قال أما إنك لو قلت لي أنك رأيته لفعلت بك وفعلت.
وكان ابن سبأ هذا يقول لأصحابه: إن أمير المؤمنين قال لي: إنه يدخل دمشق ويهدم مسجدها حجرا حجرا، ويظهر على أهل الأرض ويكشف له أسرارا ويعرفهم أنه ربهم، وليس لهذا كأبي بكر وعمر وعثمان.
ولقد أتى أمير المؤمنين ﵁ سويد بن عقلة، وكان من خاصته وكبار أصحابه، فقال له: يا أمير المؤمنين، مررت بنفير من الشيعة يتناولون
[ ٢ / ٥٤٦ ]
أبا بكر وعمر بغير الذي هما من الأمة له أهل، ويرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا، فقال: أعوذ بالله أعوذ بالله، مرتين، أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله ﷺ وصاحباه ووزيراه، رحمة الله عليهما. / ثم نهض دامع العينين يبكي، قابضا على يدي سويد، حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فجلس عليه متمكنا، قابضا على لحيته، وهي بيضاء، حتى اجتمع الناس. ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيّدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه، ومما قالوا برىء، وعلى ما قالوا معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء يأمران وينهيان، ويقضيان ويعاقبان، فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ، وكان لا يرى مثل رأيهما رأيا، ولا يحب كحبهما أحدا، مضى رسول الله ﷺ وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمّر رسول الله ﷺ أبا بكر على صلاة المؤمنين، فصلى بهم تلك الأيام في حياة رسول الله ﷺ، فلما قبض الله نبيه ﵇ واختار له ما عنده، مضى مفقودا ﷺ، ولاه المؤمنون ذلك، وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، أنا أول من سنّ له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يودّ لو أن بعضنا كفاه، فكان والله خير من بقي رأفة، وأرحمه رحمة، وأيبسه ورعا، وأقدمه سلما وإسلاما، شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ، حتى قبضه الله على ذلك. ثم ولىّ الأمر بعده عمر، واستأمر/ في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي ومنهم من كره، فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي
[ ٢ / ٥٤٧ ]
ﷺ، يتبع أثرهما كاتباع الفصيل أثر أمه، وكان والله رفيقا رحيما لضعفاء المسلمين، وبالمؤمنين عونا وناصرا على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه، أعز الله باسلامه الاسلام وجعل هجرته للدين قواما، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة وفي قلوب المشركين المنافقين الرهبة، شبهه رسول الله ﷺ بجبريل فطنا غليظا على الأعداء، وبنوح حنقا مغتاظا على الكفار، والضراء على طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله، فمن لكم بمثلهما رحمة الله عليهما ورزقنا المضيّ على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا بالحب لهما، واتباع آثارهما، فمن أحبني فليحبهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت اليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، فمن أوتيت به بعد هذا اليوم فإنه عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
فإن قالوا: لا نصدق بهذا، قلنا: العجب أنكم تصدقون قوله ﵇:
من كنت مولاه فعليّ مولاه، ولا تصدقون بهذا ومجيئه أقوى من مجيء ذاك.
والحال التي وصفها أمير المؤمنين في هذا الحديث بيّنة معلومة قد شهد بها العقل، وقد تقدم بيان ذلك، وإنما ذكرنا هذا عند ذكركم للتفضيل وتعلقكم بصحته/ مما ادعته السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو ابن السوداء.
ولقد قال أبو القاسم البلخي في كتابه الذي نقض به اعتراض ابن الراوندي على كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في أن القرآن سليم من الزيادة والنقصان: إن قول أمير المؤمنين: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر «١»
_________________
(١) في الأصل: أبي بكر
[ ٢ / ٥٤٨ ]
وعمر قد جاء مجيئا لا ينكره من له في العلم نصيب، وذكر جماعة ممن رووا فضلهم ونبلهم وكثرتهم وجلالتهم ثم قال: ولكن عندنا ما أراد نفسه.
ثم ذكر أبو القاسم رحمة الله عليه أن شريك بن عبد الله كان من كبار الشيعة «١»، وكان يقول: خير هذه الأمة أبو بكر وعمر وهما خير من عليّ، ولو قلت غير هذا ما كنت من شيعة علي، لأنه قد قام على هذه الأعواد فقال:
ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، فنكذبه، والله ما كان كذابا.
قال أبو القاسم: الخبر صحيح، ولكنه عندنا مخصوص، ولم نقصد لذكر ما قاله أمير المؤمنين في فضلهما، فإن ذلك أوضح من الشمس وهو كثير، وله كتب كثيرة مفردة طويلة، وإنما ذكرنا هذا عند ذكر عبد الله بن سبأ وما كان منه. وبما أفسد به على أمير المؤمنين، وربما ألقى عبد الله بن سبأ هذا ما ألقاه، وظهر إلى قوم كان يلقيه اليهم من أنه إله، واستتابهم أمير المؤمنين فما تابوا فأحرقهم، وكانوا نفيرا يسيرا، ونفى عبد الله بن سبأ عن الكوفة إلى المدائن، فلما قتل أمير المؤمنين ﵇ قيل لابن سبأ قد قتل ومات ودفن فأين ما كنت تقول من مصيره إلى الشام؟ فقال: سمعته يقول: لا أموت حتى أركل برجلي من رحاب الكوفة فأستخرج منها السلاح وأصير إلى دمشق، فأهدم مسجدها حجرا حجرا، وأفعل وأفعل، فلو جئتمونا بدماغه مسرودا لما صدقنا أنه قد مات. / ولما افتضح بهت، وادّعى على أمير المؤمنين ما لم يقله.
والشيع الذين يقولون بقوله الآن بالكوفة كثير، وفي سوادها وفي العراق كله يقولون: أمير المؤمنين كان راضيا بقوله، وبقول الذين حرقهم، وإنما
_________________
(١) يقصد بأبي القاسم: عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، من كبار المعتزلة، له آراء ومقالات انفرد بها، أخذ عنه قاضي القضاة عبد الجبار كثيرا في كتابه طبقات المعتزلة.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
أحرقهم لأنهم أظهروا السرّ، ثم أحياهم بعد ذاك. قالوا: وإلا فقولوا لنا لم لم يحرّق عبد الله بن سبأ؟
قلنا: عبد الله ما أقر عنده بما أقر أولئك، وإنما اتهمه فنفاه، ولو حرّقه لما نفع ذلك معكم شيئا، ولقلتم إنما حرقه لأنه أظهر السر.
وأنت رحمك الله، إذا شاهدت الإمامية مع هؤلاء ومع من يقول في أمير المؤمنين وولده أنهم أنبياء، فإن الإمامية تقول لهم: قد كان هؤلاء الأئمة بين الناس فما ادّعوا النبوة، فيقولون لهم: قد كانوا بين الناس فما ادعوا ولا أظهروا ما يدّعون عليهم من الإمامة والنص والوصية والعصمة والآيات والمعجزات، فإن كان ما يقولون لنا من أنهم ما أظهروا النبوة حجة، فهذا حجة عليكم لمن خالفكم، فإن قلتم: قد أظهروا ما يدّعون بهتم الناس وليس مع المباهتة مناظرة، وقلنا لكم: أيضا قد أظهروا ادعاء النبوة، فإن قلتم بالعقل قد علمنا أنه لا بد من إمام معصوم، قلنا لكم: بالعقل علمنا وبالسمع جميعا أنه لا تخلو الدنيا من نبيّ موجود فيها قائم العين ولا تقوم شريعة نبيّ إلا بنبيّ مثله، ولا يبلغ شريعة نبيّ إلا نبيّ مثله، وقد قال الله: «ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا» «١» وقال: «يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا» «٢» فإن قلتم: هذا انصراف عن الضرورات بالظواهر والتأويلات، لأن رسول الله ﷺ قال: لا نبيّ بعدي، قلنا: فما حالنا نحن وقد ادعينا/ ذلك، فإن ادعيتم علينا المكابرة ادّعينا عليكم مثله، وبعد فنحن ندّعي أن هؤلاء القوم قالوا لنا ولسلفنا أنهم أنبياء وقد ذكرنا لكم بحجة العقل وحجة السمع، فكيف يريد النبي أنه لا نبي بعده. وأيضا فنقول لكم: ما في العقل وجوب إمام معصوم، وإنما هو ظن يظنونه بما ألقاه هشام لكم، وقد بينا لكم
_________________
(١) المؤمنون ٤٤
(٢) المؤمنون ٥١
[ ٢ / ٥٥٠ ]
من أفعال رسول الله ﷺ وأقواله، وأفعال أمير المؤمنين وأقواله، أن الإمامة بالاختيار، وأن الإمام يجوز أن يخطىء ويعصى. فإن قلتم لنا: أنتم كفار عندنا. قلنا لكم: هذا أول انقطاعكم وأيضا فإنكم عندنا كذلك، فإنه لا حجة تقوم لكم، ونحن نروي أن النبيّ ﷺ قال لعليّ: لا نبيّ بعدي إلا أنت وولداك، فإن قلتم هذا كذب ولدتموه، قالت لكم المعتزلة والفقهاء وأصحاب الحديث: قولكم: إنه لا بد من نص ووصية من النبيّ، وبيان شخص الإمام، وأنه معصوم، وأن الآيات قد ظهرت عليه، شيء وضعه هشام وفرية ابتدعها، والعقل والسمع يشهد بكذبه، فلا يجدون فصلا، وإذا كلم هؤلاء الإمامية من يقول أمير المؤمنين إله فإنهم ينقطعون في أيديهم أيضا كما انقطعوا في أيدي الذين قالوا إنه نبيّ، لأنهم إن قالوا: لهم جسم لا يكون قديما قالوا لهم فهشام بن الحكم وأمثاله من الإمامية يقولون في الله إنه جسم ذو نهاية، وأنه نور وأنه يتحرك ويرى ويلمس، قالوا: والعقل يشهد بذلك.
قالوا: ومع هذا فإنا أخذنا هذا عن الأئمة بالمشافهة، قالوا لهم: دعوا ما حكته المعتزلة عن هشام وأصحابه في أن الله جسم ونور يتحرك ويرى ويصعد وينزل ويلمس وأنه لا يعلم الشيء قبل أن يكون، وخذوا فيما حكاه عنهم أبو عيسى الوراق وابن الراوندي وأبو محمد الحسن بن موسى النوبختي وأبو سهل النوبختي والسوس النجردي، وأمثالهم من الإمامية، وكتبهم مملوءة بذلك، ويذكرونه عن كل من سبق وتقدم من الإمامية، وكذا أيضا يذكرون عنهم القدر، قالوا لهم: ونحن نروي أن أمير المؤمنين قال في خطبته وعلى منبره: أنا رفعت سماءها وحفرت بحارها ونصبت جبالها، فإذا قالوا لهم: هذا لا يصح، قالوا: هذا أصح من قول النبي: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) فيقول الإمامية لهم: فقد قال: أنا عبد الله وأنا أخو رسول الله،
[ ٢ / ٥٥١ ]
قالوا: ما هكذا قال، قد حرفتم القول، إنما قال أأنا عبد الله، أأنا أخو رسول الله، على طريق الإنكار لقول من يحكي هذا عنه، فينقطع الإمامية في أيديهم.
وهؤلاء يروون عن أبي الخطاب محمد بن أبي زينب قال: كنت عند جعفر بن محمد فأستأذنت عليه، هذه الإمامية الذين يقولون فيه إنه إمام وحجة الله على أهل زمانه، فقال: ائذن لهم، عليهم لعنتي وغضبي، فلما دخلوا قطع الكلام الذي كان يتكلم به قبل أن يدخلوا، فلما خرجوا أتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، ما خلقت خلقا أبغض إلي من هذه الإمامية، وإني لأتقيهم أكثر مما أتقي الناصبة، واتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، أنا إلهك وأنت رسولي إلى خلقي. وكان أبو الخطاب إذا لبّى يقول: لبيك جعفر لبيك.
وإنما أوردنا هذا لأنه مثل ادعاء الإمامية وروايتهم أن أمير المؤمنين وولده كانوا يدّعون أنهم يعلمون الغيب وما في نفس عدوهم ووليهم، ويظهرون المعجزات، ويدّعون العصمة، فليس لكذبهم عليه غاية، وفي كل حين قد ولّد أهل ذلك العصر من الإمامية على أهل البيت غير ما ولده من قبلهم. ويدّعون أن هذا مما قاله النبيّ ﵇ ونص عليه ومما هذا سبيله. وقد أذاعوه في هذا العصر ووضعوا أنّ النبيّ ﷺ قال: إن بنتي فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، فلا يجوز أن يدخل النار أحد من ولد فاطمة. فأعداء رسول الله ﷺ يطعنون عليه بمثل هذا. قلنا: لو كان هذا من نصوصه لجاء مجيء أمثاله ممن نصّ عليه ﷺ أنه لا يدخل النار وأن النار لا تمسه مثل آدم ونوح وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم، بل كان يجب أن يكون العلم بما ادعوه لولد فاطمة ﵍ أقوى من العلم بنصه على أولئك، لأن عهد هؤلاء
[ ٢ / ٥٥٢ ]
أقرب من عهد أولئك، وهم خلق كثير وأمم عظيمة، أحياء بين الناس، وهذا نص فيهم وحجة لهم، فالعلم به كان ينبغي أن يكون أقوى، فلما لم يكن كذلك علمت أنه أمر لا أصل له، وهو كادعائهم النص والعصمة والمعجزات لأئمتهم.