ومن آياته بمكة، أنه ﷺ لما جمعهم ووعظهم ودعاهم الى اتباعه ومفارقة ما هم عليه من ديانات آبائهم ردّوا قوله، ومشى بعضهم الى بعض وقالوا:
_________________
(١) اسلم بن مسعود قديما وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد كلها، ولازم النبي ﷺ. وحدث عنه الكثير، ثم شهد فتوح الشام، عينه عثمان على الكوفة ثم عزله، توفي سنة ٣٢ هـ. الاصابة ٢: ٣٦٠
(٢) سورة ص ٨٦
[ ١ / ٨٢ ]
(امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا؟) «١» وتوعدوه بكثرتهم وعزهم وأموالهم، ووثقوا بذلك، وغرهم ما رأوا من ضعف رسول الله ﷺ ووحدته وتوعدهم رسول الله وهو في تلك الحال، فأنزل الله (جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ) فكان كما أخبر وكانت العقبى له.
فتأمل الامر في ذلك تجده عظيما لأنه توعدهم بالحرب قبل الحرب وقبل الجماعة وفي حال الضعف، وهو معهم وفي أسرهم وفي قبضتهم، فبعثهم على قتله واستئصاله، وهيّجهم على بذل المجهود واستفراغ الوسع في مكارهه، وهذا لا يقع من عاقل إلا ان يكون واثقا بالله، ساكنا الى تنزيله ووحيه.
واذا وفّيت النظر حقه لم تجد لرسول الله ﷺ في اخوانه من النبّيين والمرسلين صلوات الله عليهم اجمعين نظيرا في الضعف والوحدة، ومن خالف قومه تلك المخالفة وهاجهم وأسخطهم ذلك الاسخاط، واخبرهم بما سيكون من قوته وغلبة الجبابرة من الأمم قبل ان يكون ذلك او يكون له امارة تقتضى، فصارت الامور في القوة والظهور الى ما قال، فابتدأ ابتداء الشمس وامتدّ امتداد النهار.