وهو قوله ﷿: «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «١» . فورثها أصحاب محمد ﷺ كما قال وكما أخبر، وفيه مع كونه دلالة على نبوة محمد ﷺ لما في الكتب التي أنزلها الله عليهم، ان النبيّ الأخير من ولد إسماعيل بن هاجر بن إبراهيم، القائم من فاران، هو أعز وأعلى وأقهر من جميع النبوات، وأن أتباعه الصالحين يرثون الأرض ويحيون الحق ويميتون الباطل ويذلون الجبابرة كما هو مذكور في الكتب ذكرا تقدم به الحجة عند العلماء، وقد ذكره من أسلم، مثل عبد الله بن سلام ومن يليه طبقة طبقة، وللعلماء فيه كتب مفردة، مثل أحمد بن يحيى بن المنجم/ المعروف بالنديم، ومثل أبي عبد الله محمد بن زيد الواسطي الكاتب، ومثل أبي بكر الزهيري الكاتب، ومثل ابن قتيبه، وغيرهم، فإنهم ذكروا تلك المواضع من تلك
_________________
(١) الأنبياء ١٠٥
[ ٢ / ٣٥٢ ]
الكتب، وما فيها من البشارات والإشارات، فإن أردتها وجدتها، وإن كان فمعك ما يغنيك عنها «١» .
وفي هذا أيضا دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وأتباعهم وشيعهم، فإن الله قد شهد لهم بالصلاح وهم ورثوا الأرض. فإن قيل فقد ورثها بعضهم ممن «٢» ليس هو في مثل حالهم عندكم، حتى انتهى ذلك إلى القرامطة والروم وأشباههم، ومن يقرب حاله من حالهم، فإنهم قد غلبوا على كثير من الأرض. قيل له: لو ملكوا الأرض كلها لم يقدح ذلك في هذا العلم ولم يؤثر في هذا الخبر، لأنه ما قال: لا يرثها إلا الصالحون، ولا تخرج من أيدي الصالحين.
ومثله قال موسى لقومه: «اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» «٣»، ومثله قوله: «أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا» «٤»، وقد خرجت من أيدي بني إسرائيل وملكها بخت نصرّ وملوك الروم وأمثالهم من الكفرة، وهذا غير مشكل.
وقوله في آخر الآية: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «٥» يزيدك علما بأن المراد، أن الوارثين «٦» للأرض هم أهل دينه والقائمون بشريعته،
_________________
(١) أحمد بن يحيى المنجم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ أديب وشاعر ومتكلم وفقيه. معجم الأدباءه: ١٤٦ ومحمد بن زيد الواسطي المتوفى سنة ٣٠٦ هـ متكلم معتزلي. الفهرست ١: ١٧٢. وأظنه يقصد ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم الدينوري. المتوفى سنة ٢٧٦ هـ.
(٢) في الاصل: من
(٣) الأعراف ١٢٨
(٤) الأعراف ١٣٧
(٥) الأنبياء ١٠٧
(٦) كتب في هامش الأصل: الوارث، الصواب: الوارثين.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وهذا خبر وبشرى ووعد، وإخبار الله لا يكذب، ووعده لا خلف له.
فشهد ﷿ لمن قدّمنا بالصلاح، وعند الإمامية وطبقات الرافضة أن أبا بكر وعمر وعثمان والبدريين والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم وأعانوهم على وراثة الأرض حتى أبادوا الأمم وغلبوا ملوك الفرس والروم والترك وغيرهم من أمم الشرك كانوا اكفارا مشركين طلاب دنيا لا طلاب دين/ وأنهم غيروا القرآن، وعطّلوا النصوص، وبدلوا الشريعة من الطهارة والأذان والصلاة والمواقيت والصوم والمواريث والنكاح والطلاق، ورفعوا ما كان ووضعوا ما لم يكن، وشهادة الله لهم بخلاف قول هؤلاء فيهم.
وأنت وإن كنت قد عرفك الله بعقلك بطلان دعاويهم عليهم فاعرفه أيضا بالسمع، فقد أتاك الله به في غير موضع من القرآن ومن غير القرآن. وفي قوله ﷿: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» «١» دلالة أيضا على طهارتهم وعمق إيمانهم وبراءة ساحتهم، فهم أظهروا الدين، وأخذوا الممالك والأمصار ممن قبلهم، والذين من بعدهم إلى طاعتهم رجعوا، وبأمرهم سفكوا الدماء، وبقولهم أخذوا وأعطوا، فلو كانوا مبطلين لما كان الظاهر هو دين رسول الله ﷺ على الدين كله، بل كان ما ذهب اليه هؤلاء الصحابة ظاهرا، ودين رسول الله ﷺ الذي تدعيه الرافضة خاملا خفيا ميتا، فإن الذي يقول الإمامية أنه الحجة وأن الحق معه قد كان مغلوبا مقهورا، قد أسكته بزعمهم الخوف عن النطق بالحق والدعاء إلى دين النبي، وألجأه إلى تصديق الكاذبين وتكذيب الصادقين، وموالاة المشركين. والذي قرّره هؤلاء الصحابة من الدين والشريعة والقرآن هو الظاهر على الأديان، القائم به الحجة إلى الآن.
_________________
(١) التوبة ٣٣، الفتح ٢٢٨ الصف ٩
[ ٢ / ٣٥٤ ]
فإذا قد أخلف هذا الوعد من قوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ»، فاعلم ذلك ففيه أتم كفاية.
وهم يقولون: ما ظهر بعد، وإنما يتم ظهوره بقيام صاحب الزمان. وجواب هذا: السكوت عنه والتعجب منه، فإنه ليس مع المكابرة مناظرة.
وقد علم المتأمل كذب من ادّعى أن دين رسول الله ﷺ كان في زمن أبي بكر وعمر وعثمان ذليلا ميتا قد أطفىء نوره وقلعت أصوله. / وقد علمنا أن في زمان هؤلاء كسرت الأصنام، وهدمت بيوت النيران وتعطل «١» النوروز والمهرجان وعيد السلامة وعيد الصليب، وتمزق التقويم «٢» وكسر الاصطرلاب، ولما انضاف إلى ذلك من جميل أفعالهم فقد تيقّنّا أن هذا هو المراد من دين الإسلام وهو معنى ظهوره.
ومن عجيب الأمور أن أصحاب الزنجاني القاضي قد تستروا بالتشيع، وهم من عداوة النبي ﷺ والطعن عليه وإخراج الناس من دينه بكل حيلة، إذا أرادوا التشفي منه قالوا لنا: الآن انحلّ أمره وبطل دينه، وأوردوا ما قد ظهر من تعطيل الحدود وأخذ المكوس وارتكاب المحرمات وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقولون: انظروا إلى وجوه قريش واعتصامهم بالتقويم والاسطرلاب، ورجوعهم إلى أرباب هذه المقالات، وتدبرهم بهم دون الاستخارة بالقرآن والرجوع إلى وصايا نبيهم، وغير ذلك مما قد ارتكبه الملوك والخاصة. ولو استطعنا تسمية أصحاب الزنجاني وذكر القرشيين الذين
_________________
(١) في الأصل: تعطيل
(٢) في الأصل: تمزيق
[ ٢ / ٣٥٥ ]
قد سلكوا هذه السبيل والأمصار التي غلب عليها هذا لكان أشفى وأبين، ولكنا لا نقدر على ذلك من الخوف، والله المستعان.