قال المصنف: «فرجعَ بها رسُولُ الله ﷺ ترجُفُ بوادِرُه، فأخبرَ بذلك خديجةَ رضي الله تعالى عنها، وقال: قد خشيتُ على عقلي، فثبّتته، وقالت: أبْشر،
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ١٦٤، ١٢/ ٣٥٦.
(٢) طرح التثريب ٤/ ١٨٧.
(٣) صحيح البخاري «٣»، صحيح مسلم «١٦٠».
[ ٤٢ ]
كلا والله! لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصلُ الرحمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، وتحملُ الكَلَّ (^١)، وتُعين على نوائب الدهر (^٢)، في أوصافٍ أُخر جميلة عدّدتها من أخلاقه ﷺ، وتصديقًا منها له، وتثبيتًا، وإعانة على الحقّ، فهي أولُ صِدّيقٍ له رضي الله تعالى عنها وأكرمها».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "ترجف بوادره": هذه إحدى روايات الصحيحين (^٣)، وفسرها المصنف في حاشية الأصل بقوله: "البوادر هي: اللحم الذي بين العُنُق والمنكب" (^٤). وقد جاء في بعض روايات الصحيحين: «يرجف فؤاده» (^٥).
٢ ــ وسبب هذا الخوف أن النبي ﷺ لم يعهد مثل هذا الأمر من قبل، ولم يسمع به، وقد طال عهد انقطاع العرب عن النبوة والأنبياء.
٣ ــ وقوله: "قد خشيت على عقلي": هذه الرواية ذكرها المؤلف بالمعني، ولفظ رواية الصحيحين: «لقد خشيت على نفسي» (^٦)، ومعناها خشيت على نفسي من الجنون ومسّ الشياطين. وكان هذا قبل أن يعلم أن الذي جاءه ملَكٌ ووحي من عند الله.
_________________
(١) الكلّ: الضعيف، والمرد إعانته والإنفاق عليه.
(٢) حوادثه.
(٣) صحيح البخاري «٤٩٥٣»، صحيح مسلم «١٦٠».
(٤) انظر الفصول ص ٥٩، حاشية: ٣.
(٥) صحيح البخاري «٣»، صحيح مسلم «١٦٠».
(٦) صحيح البخاري «٣»، صحيح مسلم «١٦٠».
[ ٤٣ ]
٤ ــ قوله: "فهي أول صدّيق له": أي أنها أول من آمن به وصدّقه ﷺ، وهذا هو القول الصحيح الذي تقتضيه المرويات الصحيحة؛ أن أول من آمن بالنبي ﷺ على الإطلاق هي زوجه خديجة بنت خويلد ﵂.
واختلف فيمن آمن بعدها، والذي ذكره ابن إسحاق: أنه علي بن أبي طالب ﵁، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر الصديق ﵁ (^١).
ونقل ابن عبد البر عن بعض السلف أن أبا بكر أسلم قبل علي (^٢)، والأمر في هذا يسير.
٥ ــ وفي مبادرة هؤلاء الناس إلى الإسلام دلالة على صدق النبي ﷺ، فقد كانوا أقرب الناس إليه وأعرفهم بحاله فبادروا إلى تصديقه.
٦ ــ وفي قول خديجة للنبي ﷺ: "كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ .. " دليل على أن التحلي بمكارم الأخلاق سبب في وقاية المرء من مصارع السوء ووقوع المكاره (^٣).