تمهيد:
"من المعلوم لكل من عنده مسكة من عقل أن الله ﷾ لم يخلق هذا الخلق عبثا كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ١ وكما قال: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٢ أي مهملا هملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب.
والغاية التي خلق من أجلها الجن والإنس هي التي أخبر الحق ﵎ عنها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا والثواب أو العقاب في الآخرة.
وإذا تمهد هذا فإنه يعلم مدى حاجتهم وضرورتهم إلى الشريعة وأحكامها، إذ بواسطها يتعرف على مواقع رضى الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية.
والناس أحوج ما يكونون إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، إذ ليس للعالم صلاح بدون ذلك البته"٣
ولذلك فرض الله على الإنس والجن طاعة من أرسل من الرسل وفي هذا يقول الحق ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فالطاعة بذلك متحتمة على من شملتهم دعوة الرسل.
_________________
(١) ١ الآية (١١٥) من سورة المؤمنون. ٢ الآية (٣٦) من سورة القيامة. ٣ كتاب تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن، تأليف الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الخطيب الحسني الأسعردي مطبوع ضمن الرسائل المنبرية (١/ ١٤٠، ١٤١) بتصرف.
[ ٢٤٦ ]
وقد بعث الله نبيه ورسوله محمدا ﷺ إلى الناس كافة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وبذلك عمت دعوته كل الأمم سواء كانوا في زمانه أو في الأزمان التالية من بعده وذلك على اختلاف تلك الأمم في ألوانها وأجناسها ولغاتها وشرائعها بما فيهم أهل الكتاب - اليهود والنصارى -، فترتب على عموم الرسالة أن نسخت الشرائع السابقة لشريعته ﷺ فلم يبق من طريق يوصل إلى عبادة الله ورضوانه سوى طريق خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم فلا حجة لأحد دون حجته ولا يستقيم لعاقل سبيل سوى واضح محجته.
وقد جمعت سنته ﷺ تحت حكمتها كل معنى حكيم فلا يسمع بعد بيانها خلاف مخالف ولا قول مختلق، ومن تبع سنته فهو على نور من ربه، وبصيرة من أمره، والمائل عن شرعه، واقع في ظلمته مرتبك في حيرته ومرتكس في ضلاله وشقاوته.
ولذلك كان لزاما على الجن والإنس أن يستجيبوا له ﷺ ويتبعوا شريعته ظاهرا وباطنا.
وقد وعد الله المستجيب منهم أن يدخله جنته ويسبغ عليه رضاه ومحبته. وتوعد المخالف منهم بأن يذيقه أليم عقابه ويلقيه في جهنم ليعلم بذلك كيف يكون مصيره وعاقبته.
وإن آيات القرآن ونصوص السنة في هذا الشأن كثيرة جدا، وقد تقدم إيراد الأدلة الواردة في وجوب طاعته واتباعه.
[ ٢٤٧ ]
وفي هذا المبحث سأتناول بإذن الله الأدلة الواردة في حكم مخالفته ﷺ والبعد عن سنته والعقوبات الدنيوية والأخروية المترتبة على تلك المخالفات على تنوع صورها وأشكالها سواء كانت إعراضا وكفرا، أو بدعة، أو معصية، أو غير ذلك.
وعسى أن يكون فيما سيعرض من آيات قرآنية وأحاديث نبوية تذكرة وعظة، وخاصة أننا نعيش في زمان نحتاج فيه إلى التمعن في هذه النصوص وتدبرها لكثرة ما يقع من الإعراض والمخالفة لشرع النبي ﷺ ونهجه عند كثير من الناس.
[ ٢٤٨ ]
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه.
ورد التحذير من معصية الرسول ﷺ في مواطن عدة من القرآن الكريم، وقد جاء التحذير مصحوبا بالوعيد الشديد لذلك المخالف العاصي ومن تلك المواطن: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية (٦٣) من سورة النور. ٢الآية (١٤) من سورة النساء. ٣ لآية (٣٦) من سورة الأحزاب. ٤ الآية (٢٣) من سورة الجن. ٥ الآية (١١٥) من سورة النساء. ٦ الآية (١٣) من سورة الأنفال.
[ ٢٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ ٣.
وإن المتأمل في هذه الآيات يرى ما تضمنته من الوعيد الشديد والعقاب الأليم لمن خالف منهج الرسول وطريقته وشرعه وحاد كلما جاء به فقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تحمل هذه الآية الوعيد الشديد لمن خالف أمررسول الله ﷺ وشريعته، ومعناها: "أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول ﷺ باطنا وظاهرا" ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي في قلوبهم من كفرأو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك"٤.
هذا من جهة العقوبة الدنيوية كما فسر ابن كثير الآية بذلك.
أما على صعيد العقوبة الأخروية فاقرأ الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وعلى هذا فإن المخالف العاصي متوعد بالعقوبتين الدنيوية والأخروية، إضافة إلى وصفه بالضلال البين الواضح بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ
_________________
(١) ١ الآية (٦٣) من سورة التوبة. ٢ الآية (٥) من سورة المجادلة. ٣ الآية (٢٠) من سورة المجادلة. ٤ تفسير ابن كثير (٣/ ٣٠٧) .
[ ٢٥٠ ]
ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾، وفي هذا الوصف والجزاء للمخالف حكم بخروجه عن دائرة الإيمان.
كما أن كل من أعرض عن حكم الرسول ولم ينقد له ولم يرض به إلا إذا كان مواففا لهواه فهو محكوم عليه بالنفاق بنص القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
وهذه الآيات بينت موقف كلا الطرفين- الطرف الأول أهل الإيمان الحقيقي والطرف الثاني أهل النفاق المظهرون للإسلام المخفون للكفر- من التحاكم لما جاء به الرسول ﷺ فمن سمة المنافقين أنهم لا يتحاكمون لشرع الله إلا إذا كان الحق في صفهم وحكم الشرع لصالحهم، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك فلا ترى منهم سوى الإعراض عن شرع الله المتمثل في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
_________________
(١) ١ الآيتان (٦٠، ٦١) من سورة النساء. ٢ الآيات (٥٨- ٥١) من سورة النور.
[ ٢٥١ ]
أما أهل الإيمان الذين ترسخ في قلوبهم الإيمان بشرع الله اعتقادا بالقلب وقولا باللسان وعملا بالجوارح فإن من صفاتهم وعلاماتهم تحاكمهم لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في جميع أحوالهم وشؤونهم مع الرضى والتسليم لذلك الحكم سواء كان لهم أم عليهم.
ولذلك فقد جاء وصف أهل الإيمان بالفلاح فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ بينما وصف أهل النفاق بالظلم حيث قال تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
فيجب على المسلم أن يحذر من الوقوع في هذا العمل الخطير الذي من شأنه أن يوقع صاحبه في مثل هذه الصفات، ويعرضه لتلك العقوبات التي تحدثت بها آيات القرآن الواردة في هذا الشأن.
وقال ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١:."قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ أي ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح، وقوله ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقا فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفا لهم وتعظيما
_________________
(١) ١ الآية (١١٥) من سورة النساء.
[ ٢٥٢ ]
لنبيهم وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك
ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجا له كما قال تعالى ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٣.
وجعل النار مصيره في الآخرة لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة"٤.
ولقد ذكر الله ﵎ في كتابه العزيز عددا من قضايا المخالفة وعلى رأسها التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فهذا الداء من أعظم المخاطر وبخاصة في زماننا هذا الذي طرح فيه كثير ممن ينتمون إلى الإسلام كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وراء ظهورهم، واعتاضوا عنهما بقوانين الكفار وآراء ابتدعوها تقولا على الشريعة حتى جعلوا لتلك القوانين محاكم تحمى بقوة السلطان وأجبروا الناس على التحاكم إليها. والحكم بغير ما أنزل الله هو من أعظم أسباب المقت والحرمان وأكبر موجبات العقوبة والخذلان، كيف لا وهو شرع دين لم يأذن به الله واتباع لغير سبيل المؤمنين ومشاقة ومحادة ومحاربة وخيانة لله ولرسوله ﷺ واتخاذ لدين الله هزوا ولهوا ولعبا وتبديلا لنعمة الله إلى غير ذلك من
_________________
(١) ١ الآية (٤٤) من سورة القلم. ٢ الآية (٥) من سورة الصف. ٣ الآية (١١٠) من سورة الأنعام. ٤ تفسير ابن كثير (١/ ٥٥٤، ٥٥٥) .
[ ٢٥٣ ]
المفاسد والمحاذير التي لا تدخل تحت حساب.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ٧.
قال ابن القيم: "قال أهل التحقيق من أهل التفسير الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله.
_________________
(١) ١ الآية (٤٤) من سورة المائدة. ٢ الآية (٤٥) من سورة المائدة. ٣ الآية (٤٧) من سورة المائدة. ٤ الآية (٧٠) من سورة الأنعام. ٥ الآية (٢٨، ٢٩) من سورة إبراهيم. ٦ الآية (٢١) من سورة الشورى. ٧ الآية (٦٠) من سورة النساء.
[ ٢٥٤ ]
فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم انحرف عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحابة ومن تبعهم ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معا، ولو لم يكن في القرآن المجيد من الزجر عن اتباع القوانين البشرية غير هذه الآية الكريمة لكفت العاقل اللبيب، فكيف والقرآن الكريم كله يدعو إلى تحكيم ما أنزل الله، وعدم تحكيم ما عداه١.
وبما تقدم من آيات يعلم المسلم خطورة مخالفة الرسول ﷺ والإعراض عن سنته ومنهجه والشرع الذي جاء به من عند ربه.
فالآيات السابقة وما كان على منوالها فيها خطاب لكل معرض عن سنة النبي ﷺ ومنهجه وشرعه الذي جاء به، وهي بما تضمنته من الوعيد الشديد بمثابة الإنذار لكل من كان على هذه الحال لكي يكون على بينة من أمره فيعلم على أي ذنب قد أقدم ولأي جرم قد ارتكب ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ٢ وذلك قبل أن يكون من أولئك الذين يتحسرون ويعضون أيديهم ندما في يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ ٣. ومعلوم أن كل من ترك ما جاء به الرسول ﷺ فإنه قائل لهذه المقالة لا محالة. فنعوذ بالله ممن هذه حاله ويوم القيامة تكون نار جهنم مآله وقراره.
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد (ص ٤٩٣) . ٢ الآية (٤٢) من سورة الأنفال. ٣ الآيات (٢٧، ٢٨، ٢٩) من سورة الفرقان.
[ ٢٥٥ ]