ولم ينجح إبراهيم في هداية قومه، بل كان جزاؤه منهم أن ألقوه في النار وأنجاه الله منها، ففرّ إلى فلسطين مستصحبا معه زوجه سارة. ومن فلسطين ارتحل إلى مصر. وبها يومئذ ملوك العماليق (الهكسوس)؛ وكانت سارة جميلة وكان الملوك الهكسوس يأخذون الجميلات المتزوجات؛ فأظهر إبراهيم أن سارة أخته خشية أن يقتله الملك ليتّخذها له زوجا. وأراد الملك اتخاذها زوجا، فرأى في المنام أنها ذات بعل، فردّها إلى إبراهيم بعد أن عاتبه وأعطاه هدايا من بينها جارية تدعى هاجر. ولما كانت سارة قد سلخت السنين الطوال مع إبراهيم ولم تلد، دفعته ليدخل بهاجر، فدخل بها، فلم تبطئ أن ولدت له إسماعيل، وبعد أن شبّ إسماعيل وترعرع حملت سارة وولدت إسحاق.
يختلف الرواة هاهنا في مسألة إقدام إبراهيم على ذبح إسماعيل والفداء، وهل كانت قبل ميلاد إسحاق أو بعده، وهل كانت بفلسطين أو بالحجاز.
وإن مؤرخي اليهود ليذهبون إلى أن الذبيح إنما كان إسحاق لا إسماعيل. وليس ها هنا مقام تمحيص هذا الخلاف. وفي رأي الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجّار في كتاب «قصص الأنبياء» أن الذبيح هو إسماعيل. ودليله من التوراة نفسها أن الذبيح وصف فيها بأنه ابن إبراهيم الوحيد. وكان إسماعيل هو الابن الوحيد إلى أن ولد إسحاق. فلمّا ولدت سارة لم يبق لإبراهيم ابن وحيد أن كان له إسماعيل وإسحاق.
والتسليم بهذه الرواية يقتضي أن تكون قصة الذبح والفداء بفلسطين. وكذلك يكون الأمر إذا كان الذبيح إسحاق؛ فقد ظل إسحاق مع أمه سارة بفلسطين ولم يذهب إلى الحجاز. فأما الرواية التي تذهب إلى أن الذبح والفداء إنما كانا فوق منى فتجعل الذبيح إسماعيل. ولم يرد في القرآن ذكر لاسم الذبيح مما جعل المؤرخين المسلمين يختلفون فيه.