هل فكر أحد من نصارى يومئذ في هذا الدين الجديد وفي إمكان التوفيق بين فكرة التوحيد فيه وبين ما جاء به عيسى؟ نعم، وآمن به منهم كثيرون. ولكن الروم الذين اغتبط المسلمون بنصرهم واعتبروه نصرا للأديان الكتابية؛ لم يكلف سادتهم أنفسهم مؤونة البحث في الدين الجديد، ولم يلبثوا أن نظروا إلى الأمر من ناحيته السياسية، وفكروا فيما يصيب ملكهم إذا تمّ للدين الجديد الغلب. لذلك بدؤا يأتمرون به وبأهله،
_________________
(١) سورة المائدة الآيات من ١١٦ الى ١١٨.
(٢) سورة الاخلاص.
(٣) سورة مريم آية ٣٥.
(٤) سورة آل عمران آية ٥٨.
(٥) سورة النساء آية ٤٨.
(٦) سورة النساء آيتي ١٥٧ و١٥٨.
(٧) سورة لقمان ٣٣.
[ ١٧ ]
حتى أرسلوا جيشا عرموما عدّته مائة ألف في رواية، ومائتا ألف في رواية أخرى، مما أدّى إلى غزوة تبوك. وقد انسحب فيها الروم أمام المسلمين الذين خرجوا ومحمد على رأسهم لدفع عدوان لم يكن له ما يسوّغه.
من يومئذ وقف المسلمون والنصارى موقف خصومة سياسية حالف النصر فيها المسلمين قرونا متتالية امتدّت إمبراطوريتهم في أثنائها إلى الأندلس غربا وإلى الهند والصين شرقا. وآمنت أكثر أجزاء هذه الإمبراطورية بالدين الجديد واستقرّت فيها لغته العربية. فلما آن لدورة التاريخ أن تدور، طرد النصارى المسلمين من الأندلس، وحاربوهم الحروب الصليبية، وأخذوا يطعنون في دينهم ونبيهم طعنا كله فحش وكذب وافتراء؛ ونسوا في فحشهم ما بلّغ محمد ﵇ في أحاديثه، وما بلّغ القرآن في الوحي الذي نزل عليه، من رفع مقام عيسى ﵇ إلى المستوى الذي رفعه الله إليه.