على أن حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية التي أعرضت عن محمد أوّل الأمر كما أعرض عنه غيرها لم تجد من تدفع إليها طفلها؛ ذلك أنها كانت على جانب من ضعف الحال صرف الأمهات عنها. فلما أجمع القوم على الانطلاق عن مكة قالت حليمة لزوجها الحارث بن عبد العزّى: والله إني لأكره أن أرجع مع صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم ولآخذنه! وأجابها زوجها: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. وأخذت حليمة محمدا وانطلقت به مع قومها إلى البادية. وكانت تحدّث أنها وجدت فيه منذ أخذته أيّ بركة: سمنت غنمها وزاد لبنها، وبارك الله لها في كل ما عندها.
وأقام محمد في الصحراء سنتين ترضعه حليمة وتحضنه ابنتها الشّيماء؛ ويجد هو في هواء الصحراء وخشونة عيش البادية ما يسرع به إلى النموّ ويزيد في وسامة خلقه وحسن تكوينه. فلما أتمّ سنتيه وآن فصاله ذهبت به حليمة إلى أمه ثم عادت به إلى البادية، رغبة من أمه، في رواية، ومن حليمة في رواية أخرى؛ عادت به حتى يغلظ، وخوفا عليه من وباء مكة. وأقام الطفل بالصحراء سنتين أخريين يمرح في جوّ باديتها الصحو الطلق لا يعرف قيدا من قيود الروح ولا من قيود المادة.