وتصوير ما كان يبدو على محمد في ساعات الوحي على هذا النحو خاطئ من الناحية العلمية أفحش الخطأ فنوبة الصرع لا تذر عند من تصيبه أي ذكر لما مرّ به أثناءها؛ ولا يذكر شيئا مما صنع أو حلّ به خلالها؛ ذلك لأن حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام التعطل. وهذه أعراض الصرع، كما يثبتها العلم، ولم يكن ذلك ما يصيب النبي العربي أثناء الوحي، بل كانت تتنبه حواسه المدركة في تلك الأثناء تنبها لا عهد للناس به، وكان
[ ٣٥ ]
يذكر بدقة غاية الدقة ما يتلقاه وما يتلوه بعد ذلك على أصحابه. هذا، ثم إن نزول الوحي لم يكن يقترن حتما بالغيبوبة الجسمية مع تنبه الإدراك الروحي غاية التنبه، بل كان كثيرا ما يحدث والنبيّ في تمام يقظته العادية، وحسبنا أن نشير إلى ما أوردنا في هذا الكتاب عن نزول سورة الفتح عند قفول المسلمين من مكة إلى يثرب بعد عهد الحديبية.
ينفي العلم إذا أن الصرع كان يعتري محمدا؛ ولذلك لم يقل به إلا الأقلون من المستشرقين الذين افتروا على القرآن أنه حرف. وهم لم يقولوا به حرصا على حقيقة يتلمسونها، وإنما قالوا به ظنّا منهم أنهم يحطّون من قدر النبي العربي في نظر طائفة من المسلمين. أم حسبوا أنهم يلقون بأقوالهم هذه ظلا من الريبة على الوحي الذي نزل عليه، لأنه نزل عليه فيما يزعمون أثناء هذه النوبات؟ إن يكن ذلك فهو الخطأ البين، كما قدمنا، وهو ما ينكره العلم عليهم أشد الإنكار.