جاء في موسوعة لآروس الفرنسيّة خلال العرض لآراء كتّاب المسيحية إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر ممن نالوا من محمد شرّ نيل ما يأتي: «بقي محمد مع ذلك ساحرا ممعنا في فساد الخلق، لصّ نياق، كردينالا لم ينجح في الوصول الى كرسي البابوية، فاخترع دينا جديدا لينتقم من زملائه. واستولى القصص الخيالي والخليع على سيرته. وسيرة باهورميه (محمد) تكاد تقيم أدبا من هذا النوع. وقصة محمد التي نشرها رينا وفرانسيسك ميشيل سنة ١٨٣١ تصوّر لنا الفكرة التي كانت لدى أهل العصور الوسطى عنه. وفي القرن السابع عشر نظر بيل في تاريخ أبي القرآن نظرة تاريخية. مع ذلك ظلّت مقرّرات ظالمة ثابتة في نفسه عنه. على أنه يعترف مع ذلك بأن النظام الخلقي والاجتماعي الذي أقامه لا يختلف عن النظام المسيحي لولا القصاص وتعدّد الزوجات» .
وإن واحدا من المستشرقين الذين عرضوا لحياة محمد بشيء من الإنصاف ذلك هو الكاتب الفرنسي إميل درمنجم- ليذكر بعض هذا الذي كتب إخوانه في الدين فيقول «١»: «لمّا نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية اتّسعت هوّة الخلف وسوء الفهم بطبيعة الحال وازدادت حدّة. ويجب أن يعترف الإنسان بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أشدّ الخلاف. فمن البزنطيين من أوقروا الإسلام احتقارا من غير أن يكلّفوا أنفسهم- فيما خلا جان داماسيين- مؤونة دراسته. ولم يحارب الكتّاب والنظامون مسلمي الأندلس إلا بأسخف المثالب. فقد زعموا أن محمدا لص نياق، وزعموه متهالكا على اللهو، وزعموه ساحرا، رئيس عصابة من قطّاع الطرق، بل زعموه قسّا رومانيّا مغيطا محنقا أن لم ينتخب لكرسي البابوية.. وحسبه بعضهم إلها زائفا يقرّب له عباده الضحايا البشرية. وإن چبيردنوچن نفسه، وهو رجل جدّ، ليذكر أن محمدا مات في نوبة سكربيّن؛ وأن جسده وجد ملقى على كوم من الرّوث وقد أكلت منه الخنازير، وذلك ليفسر السبب الذي من أجله حرّم لحم ذلك الحيوان. وذهبت الأغنيات إلى حدّ أن جعلت محمدا صنما من ذهب وجعلت المساجد الإسلامية برابيّ ملأى بالتماثيل والصور!! وقد تحدث واضع أغنية أنطاكية حديث من رأى صنم «ماحوم» مصنوعا من ذهب ومن فضة خالصين وقد جلس فوق فيل على مقعد من الفسيفساء. أمّا أغنية رولان التي تصوّر فرسان شارلمان يحطّمون الأوثان الإسلامية فتزعم أن مسلمي الأندلس يعبدون ثالوثا مكوّنا من ترفاجان وماهوم وأبلون.
وتحسب «قصة محمد» أن الإسلام يبيح للمرأة تعدّد الأزواج!
_________________
(١) راجع كتاب در منجم (حياة محمد) ص ١٣٥ وما بعدها.
[ ١٨ ]
«وقد ظلت حياة الأحقاد والخرافات قوية متشبثة بالحياة. فمنذ رودلف دلوهيم إلى وقتنا الحاضر قام نيكولا دكيز، وقيقس، ومراتشي، وهوتنجر وببيلياندر، وبريدو وغيرهم، فوصفوا محمدا بأنه دجّال، والإسلام بأنه مجموعة الهرطقات كلها وأنه من عمل الشيطان، والمسلمون بأنهم وحوش، والقرآن بأنه نسيج من السخافات، وقد كانوا يعتذرون عن الحديث الجد في أمر هذا مبلغ سخافته. مع ذلك فإن بيير المحترم (قنرابل) مؤلف أول رسالة غريبة ضد الإسلام قد ترجم القرآن في القرن الثاني عشر إلى اللاتينية. وفي القرن الرابع عشر كان بيير باسكال من الذين توسّعوا في الدراسات الإسلامية. وقد وصف إنّوسان الثامن محمدا يوما بأنه عدوّ المسيح. أما القرون الوسطى فلم تكن تحسب محمدا إلا هرطيقا. وكان لريمون ليون في القرن الثامن عشر، ولغليوم بستل في القرن السادس عشر، ولرولان وجانييه في القرن الثامن عشر، وللقسيس دبرجلي ولرينان في القرن التاسع عشر آراء وأحكام مختلفة. على أن الكونت بولنفلييه وشول وكوسّان دبرسفال ودوزي وسبرنجر وبارتلمي سانتيلير ودكاستري وكارليل وغيرهم يظهرون على وجه الإجمال إنصافا للإسلام ونبيه، ويشيدون في بعض الأحيان بهما. مع ذلك فإن بهما. مع ذلك فإن دروتي يتحدث في سنة ١٨٧٦ عن محمد قائلا: «هذا الأعرابي المنافق القذر»، كما طعن عليه فوستر من قبل ذلك سنة ١٨٢٢. وما يزال للإسلام حتى اليوم محاربون متحمسون» .
أرأيت الحضيض الذي هوت إليه هذه الطائفة من كتّاب الغرب؟ أرأيت إصرارهم، مع توالي القرون، على الضلال وعلى إثارة العداوة والبغضاء بين أبناء الإنسانية؟! ومن هؤلاء من جاؤا في العصور التي يسمونها عصور العلم والبحث والتفكير الحر وتقرير الإخاء بين الإنسان والإنسان. قد يخفف من أثر هذا الضلال قيام أولئك المنصفين إلى حدّ ما، ممن أشار إليهم درمنجم، ومنهم من يقرّ بصدق إيمان محمد بالرسالة التي عهد الله إليه تبليغها من طريق الوحي، ومنهم من يشيد بعظمة محمد الروحية وبسموّ خلقه ورفعة نفسه وجمّ فضائله، ومن يصوّر ذلك في أقوى أسلوب وأتمه روعة. وإن بقي الغرب مع ذلك ينال من الإسلام ونبيه أشدّ النيل، ثمّ تبلغ منه الجرأة حتى يبث المبشرين في أنحاء البلاد الإسلامية يذيعون مثالبهم الوضيعة، ويحاولون صرف المسلمين عن دينهم إلى المسيحية.