ونعود إلى المأخذ الأول، الذي أخذه عليّ بعض المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية في رفق ومجادلة بالتي هي أحسن. ذلك قولهم إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة وكتب الحديث، ولم أنهج في التعبير عن مختلف الحوادث نهجها. ولقد كان يكفيني ردّا على هذا أنني أجري في هذا البحث على الطريقة العلمية الحديثة وأكتبه بأسلوب العصر، وأنني أفعل ذلك لأنه الوسيلة الصالحة في نظر المعاصرين لكتابة التاريخ وغير التاريخ من العلوم والفنون. وما كان لي، وذلك شأني، أن أتقيد بنهج الكتب القديمة وأساليبها، وبين هذين وبين النهج والأساليب في عصرنا الحاضر بون عظيم؛ أيسره أن النقد في الكتب القديمة لم يكن مباحا بالقدر الذي يباح به اليوم، وأن كثرة الكتب القديمة كانت تكتب لغاية دينية تعبدية، على حين يتقيد كتاب العصر الحاضر بالنهج العلمي والنقد العلمي. كان يكفيني هذا تسويغا للطريقة التي عالجت بها بحثي ودفعا لكل اعتراض عليه، لكني رأيت من الخير أن أتبسّط بعض الشيء في بيان الأسباب التي دعت المفكرين من أئمة المسلمين فيما مضى، وتدعوهم اليوم، كما تدعو كل باحث مدقق، إلى عدم الأخذ جزافا بكل ما ورد في كتب السيرة وفي كتب الحديث، وإلى التقيد بقواعد النقد العلمي تقيدا يعصم من الزلل ما استطاع الإنسان أن يعصم نفسه منه.
_________________
(١) سورة النحل آية ١٠٣.
[ ٣٩ ]