٣٨- وإن أهل نجران أخلصوا فى المسيحية وقبلوا فى سبيلها العذاب الشديد، ورضوا به عن أن يغيروا دينهم غير مطمئنين إلى عقيدة سواه، وابتلوا فى ذلك، فأبلوا بلاء حسنا، وصبروا.
وذلك أن ذا نواس سار إليهم وأراد حملهم على اليهودية، أو أن يعودوا إلى الوثنية، فأبى أهل نجران أن يخالفوا، وأن يرتضوا بالعذاب بدل أن يغيروا ويبدلوا فحفر لهم أخدودا، أى شق لهم فى الأرض شقا طويلا امتد، وألقى بهم فى النار التى أثارها فى هذا الأخدود، وحرقهم، فما غيروا وما بدلوا، حتى قالوا أنه ألقى فيها نحو عشرين ألفا أبادهم، وهؤلاء هم الذين جاء ذكرهم فى القران الكريم فقال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ. وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ. قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ.
وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ «١» .
وهكذا نرى أن الذين عذبوا ذلك العذاب سماهم القران الكريم مؤمنين، مما يدل على سلامة اعتقادهم وحسن إيمانهم، وأنهم يؤمنون بالعزيز الحميد، لا يؤمنون بشيء سواه، فلا تثليث ولا شريك. وإذا كان هؤلاء هم نصارى نجران، فهو دليل على أنه لم يصل إليهم التحريف النصرانى، أولم يكن قد دخل التحريف بعد إلى الدين المتين.
وكأنه قد نزل بأولئك المؤمنين الصادقين ما نزل بهم من القياصرة قبل قسطنطين أمثال دقلديانوس ومن قبله نيرون وغيرهما ممن أذاقوا النصارى الخسف والهوان.
_________________
(١) سورة البروج: ١- ١٠.
[ ١ / ٤٢ ]