أن الجزيرة العربية مع ذكاء أهلها واستقامة نفوسهم، وإن انحرفت أحيانا عقولهم، معتصم حصين، فبيداؤها، وقراها، وبرها فيها حصون لمنع الاعتداء الوحشى من الأمم التى اشتدت إغارتها فى الماضي، فإذا كان النبيون قد قووموا فى إقناعهم ابتداء، فإنهم إذا كانت ديانتهم في حصنين منيعين:
حصن من الأرض المانعة لكل أجنبى من أن يقتطعها، وحصن من النفوس التى إذا أمنت قاومت واعتزت بإيمانها، وأن استقامة النفوس وقوتها هى التى بها تتميز أخلاق الأمم، فإن العقول إذا انحرفت تقوم وتستقيم، والقلوب إذا غشيتها غاشيات الضلال فى نفوس ملتوية غير مستقيمة فإن الحق لا يصل إليها إلا من رحم الله.
واعتبر بحال العرب بين دولتين قويتين من الدول التى صاقبتها، فإنهما لم تتجاوزا فى سلطانهما أطرافها، ولم تتمكن إحداهما أن تنتقل من الأطراف إلى داخلها، فإنهما عندئذ تجدان قلوبا صلدة قواها ضوء الشمس الساطع، وقوة الحياة فيها، والتعرض لأوابد الحيوان ليلا ونهارا.
[ ١ / ٤٣ ]