٧٢- إن أحداث هذا الوجود تسير علي مقتضى ناموس كونى ثابت عند رب العالمين، قد أراده الله تعالى بحكمته وتخيره بإرادته، وأقامه بقدرته، وليس للمصادفة حكم عند الله، وإنما حكمها لا يتجاوز ما عند الناس، لأنهم يربطون الأسباب بمسببات بحكم العادة، ويطبقون عليها نظام قانونهم المحسوس المعلوم، فإذا خالفه قالوا إنه مصادفة، وهذا نظر الذين يدركون الماديات، ولا يدركون ماوراءها، ويحكمون بالمحسوسات، ولا يحكمون بأن ثمة سلطانا قاهرا لخالق الأسباب والمسببات، وأنها لا تقيد إرادته، بل هو الذى يقدرها بحكمته.
وقد صرح سبحانه بأن أهل القرى لو آمنوا واتقوا لأنزل لهم الرزق مدرارا، فقال تعالت كلماته، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «١» .
وصرح سبحانه بأنه أنزل الرجز على الذين ظلموا من ال فرعون، وقد ربط الله تعالى ذلك بعصيانهم، فقال تعالت كلماته فى قصصهم وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ. وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ. فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ. فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ «٢» .
وإن هذه النصوص الكريمة تدلنا دلالة قاطعة على أن الله ينزل البركات لمن استقاموا على الطريقة، إن سلكوا طريق الوصول إلى الخير وتوكلوا عليه سبحانه حق التوكل، وأنه يصيب الأقوام بالرجز والحرمان والبلايا إن هم طغوا وبغوا، فى ترتيب محكم سنه ﷾ وأراده، وإن خالف ما نعلم من الأسباب والمسببات.
لسنا نقول مقالة قدماء الصين من أن الكون يضطرب، وما فى السماء يختلف إذا عصى ابن الأرض وأفسد ولم يصلح، فإن ذلك كلام قوم وثنيين يؤمنون بالمحسوس، ولكنا نقول مقالة المؤمنين، إن
_________________
(١) سورة الأعراف: ٩٦.
(٢) سورة الأعراف: ١٣٠- ١٣٦.
[ ١ / ٩٣ ]
مدبر الكون يجرى الأمور على مقاديرها بما قدره سبحانه وأراده، وعلى ما ارتضاه من نظام لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ «١» .
٧٣- سقنا هذا الكلام لتوضيح أن محمد بن عبد الله قد كان وجوده بركة على قومه من وقت أن علقت به أمه إلى أن قبضه الله تعالى إليه، وأن البركة التى اتاها الله تعالى لقومه مباشرة من وقت العلوق به فى بطن أمه، كانت خيرا على الإنسانية كلها، لأنها حمت البيت الذى كان أول بيت للناس، وهو كعبة المسلمين. وهو المكان المقدس الذى قدسته الأديان كلها كما أسلفنا من قبل.
وقد كان إنقاذ البيت، وهو فى بطن أمه، إذ أن أبرهة ملك الحبشة واليمن أراد اقتلاع البيت من مكة وهدمه، وأن يا بنى بدله فى اليمن ليكون ذلك البيت الجديد هو مزار العرب، ومثابتهم وأمنهم كما كان البيت، وفى ذلك مصادمة لدعوة إبراهيم ﵇، إذ يقول رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ «٢» .
وقد استعد بخيله ورجله من قبل الحمل بالنبى، وساور مكة وأمه حامل به، وقد ردهم الله مدحورين ببركة الجنين الذى بعثه الله تعالى برسالة تشرف البيت الحرام وتحميه، ولنعرج على ذلك بكلمة موضحة موجزة.