أن البراهمة الذين حرفوا تعاليم هذه الديانة، التى كانت فى الأصل ديانة توحيد، حاولوا أن يحرفوا الكلم عن مواضعه، ويغيروا المعنى بتفسيرها بغير مجراها.
ولا شك أن التفسير التحريفى لهم يخالف ما يدل عليه الأصل كما قرر الأستاذ عبد الحق، وفوق ذلك فإن العبارة تفيد بنصها «أن أحمد تلقى الشريعة من ربه» ويخالفه التفسير المنحرف، فإن الذى تلقاه بالنص أحمد هو الشريعة وإنه تلقاها من ربه لا من ابنه، والفرق واضح بين الأب والرب إلا إذا كانوا يجعلون الرب أبا كما قال النصارى من بعدهم.
وقد يقول قائل إن البرهمية لم يأت بها رسول نزل عليه أمر من الله، وإن الجواب عن ذلك أن نصوص كتبهم تفيد كما ذكر البيروني، أن براهما كان مرسلا ولم يكن إلها، ولم يكن ابن إله، وقد نقلنا لك ما ذكره البيرونى فارجع إليه.
لقد جاء فى كتب الهنود كما قررنا تبشير بمحمد ﷺ، كما جاءت بكتب فيدا، التى اعتبرها الهنود أصلا لعبادتهم، ولقد ذكر الأستاذ عبد الحق أن وصف الكعبة ثابت فى كتب الاثار فافيدا، ويسميها الكتاب بيت الملائكة، ويذكر من أوصافها أنها ذات ثمانية جوانب، وأبواب تسعة، والأستاذ عبد الحق يعبر عن الأبواب بالأبواب المؤدية إلى الكعبة، وهى باب إبراهيم، وباب الوداع، وباب الصفا، وباب على، وباب عباس، وباب النبى ﷺ، وباب الزيارة، وباب الحرم.
ويفسر الجوانب الثمانية، كما فسر الأبواب. فيذكر أنها جبال تكتنف البيت الحرام، وهى جبال خليج، وقيقعان، وجبل هندى، وجبل لعلع، وجبل كدا، وجبل أبى حديد، وجبل أبى قبيس.
_________________
(١) معالم النور للأستاذ المرحوم عباس محمود العقاد ص ١٢.
[ ١ / ٦٢ ]
ولا يلتفت الكاتب إلى ما قاله البراهمة المحرفون من أن البيت هو مثل الإنسان وجسمه، وذلك لأنه قول لا اعتبار له، إذ أنه يتنافى مع وصف القدسية المذكورة وصفا للبيت، ولا إلى أنه بيت الملائكة، فلا يوصف الإنسان بأنه بيت الملائكة.
ويسترسل الكاتب فى بيان أن كتب البراهمة قد اشتملت على إشارة إلى ما يلاقيه النبي ﷺ من عداوات، ويشير إلى عدد الذين حاربوا النبي ﷺ فى موقعة بدر وانتصاره عليهم «١» .
وقد تشكك بعض النصوص فى الكاتب الهندي، ولكن الكاتب لم يعتمد على أوهام توهمها، لم يعتمد على وهمه، أو خياله، إنما اعتمد على المنقول، وفسره تفسيرا تحتمله الألفاظ، ولا يجافى العقول، والذين خالفوه فسروها تفسيرات لا تقلبها العبارات. بل تناقضها، وهى مخالفة للمعقول، كتفسيرهم بيت الملائكة والقداسة بأنه جسم الإنسان، وكتفسير الرب بالأب، وغير ذلك.
٥٢- ولقد ذكر الكاتب الأستاذ عبد الحق إشارة تبشر بالنبى محمد ﷺ من كتاب زاندافستا، إنه وصف فى هذا الكتاب ببعض الأوصاف التى جاءت فى القران الكريم، فقد وصف بأنه رحمة للعالمين، والله تعالى يقول فى الكتاب المبين وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٢» وذكر أنه يدعو إلى الواحد الأحد الذى ليس له كفء، وليس له أول ولا اخر، ولا ضريع ولا قريع، ولا صاحب ولا أب ولا أم، ولا ولد، ولا مسكن ولا جسد، ولا شكل ولا لون ولا رائحة.
ولا شك أن هذه أوصاف للذات العلية، وهى من الواحدانية فى الذات والصفات وواحده الخلق والتكوين ثابتة واضحة، والنتيجة لهذا واحدة العبارة فلا يعبد إلا الله تعالى.
ويقول الأستاذ العقاد «ويشفع (أى الأستاذ عبد الحق) ذلك بمقتبسات كثيرة من كتب الزرادشتية تنبيء عن دعوة الحق التى يجيء بها النبى الموعود، وفيها إشارات إلى البادية العربية، ويترجم نبذة منها إلى اللغة الإنجليزية معناها بغير تصرف «إن أمة زرادشت حين ينبذون دينهم، يتضعضعون، وينهض رجل فى بلاد العرب يهزم أتباعه فارس ويخضع الفرس المتكبرين، وبعد عبادة النار فى هياكلهم يولون نحو كعبة إبراهيم التى تطهرت من الأصنام، ويومئذ يصبحون وهم أتباع للنبى رحمة العالمين وسادة لفارس ومديان، وطوس وبلخ، وهى الأماكن المقدسة للزرادشتين ومن جاورهم، وإن نبيهم ليكونن فصيحا يتحدث بالمعجزات «٣» .
_________________
(١) كتاب مطلع النور للأستاذ المرحوم عباس محمود العقاد ص ١٣ بتصريف قليل.
(٢) سورة الأنبياء: ١٠٧.
(٣) الكتاب المذكور ص ١٤.
[ ١ / ٦٣ ]
وهنا نقف وقفة قصيرة، فإن هذا الكلام يدل على أن زرادشت كان نبيا، وأن ديانته ديانة سماوية، وإلا ما اشتملت على هذه البشارات، وما كان لها عندنا اعتبار، لولا أصلها السماوي، وكيف يتفق هذا مع ما يقال فى كتب الفرنجة من أن زرادشت كان يدعو إلى القوة، وإلى معاضدة الأقوياء، وإفناء الضعفاء حتى وجدت فلسفة فى أوربا تدعو إلى إفناء الضعفاء.. وألا يكون لهم مكان فى الوجود، وذلك يتنافى كل المنافاة مع أخلاق النبوة السماوية، وما تدعو إليه الأخلاق الإنسانية الكاملة، فإن حق الحياة ثابت لكل الأحياء، والضعيف لا يموت أو يبخع بحق قانون الأخلاق وقانون السماء، ولكن يعاون ويعيش، حتى يبلغ أجله.
والجواب عن ذلك أن هذه النصوص موجودة فعلا فى كتب الزرادشتية وهى تؤدى بمنطقها إلى أنها جاءت على لسان رسول فى كتاب سماوي، فقد وقعت الحوادث، كما ذكرت، فقد تضعضع الشعب الفارسى فعلا، وأدخل أرضه العرب فعلا، وكان الفارسيون حملة العلم الإسلامى الذى كان رحمة للعالمين. وذلك لا يكون إلا من وحى السماء. فليس لنا إلا أن نقول أن هنا رسولا ورسالة، وكتابا ينطق بوحى الله تعالى.
أما ما ينحل إلى زرادشت من أنه كان يدعو إلى القوة فإن كان يراد بها أن يكون المؤمن برسالته قويا فى خلقه وعقله وجسمه، فإن ذلك حق، وهو يتفق مع مباديء الأخلاق، ورسائل الرسل، وقد أثر عن محمد ﷺ أنه قال: «المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف، وفى كل خير» وليس فى هذا ما يمنع أن يكون نبيا مرسلا، داعيا إلى التوحيد؟
وإن كان يراد أنه يغلب القوة على الحق فذلك باطل، وتقوله أوهام الأوربيين وهو جدير بساستهم، ولا نظن إلا أن فلاسفتهم الذين زعموا هذا قد حرفوا القول عن مواضعه، كما حرفوا دعوة المسيح ﵇، وادعوا له الألوهية وهو منها براء، وما قال لهم إلا ما أمر الله تعالى به.
وكذلك ما يزعمون من أنه أوجب إفناء الضعفاء، إنه فيما نرى دعا أهل الإيمان إلى أن يدرعوا بالقوة، وأن يعالجوا الضعيف، لا أن يفنوا الضعفاء.
وخلاصة القول فى هذا المقام أن البشارات جاءت فى هذه الكتب، وهى صادقة فيما قالت، وتنتج إثبات النبوة لمن وجدت فى كتبه، وليس لنا أن نطعن فى صدق ما تنتجه، لمجرد أوهام توهمها ناس ينكرون الواحدانية، وادعوا على عيسى أنه إله، أو أنه ابن الله، فليس غريبا أن يدعوا على غيره ما دونها.
وقد يقول قائل إن القران الكريم عندما ذكر الذين بشروا بالنبى ﷺ لم يذكر هؤلاء، بل ذكر أن الإنجيل فيه أن المسيح ﵇ بشر برسول يأتى من بعده اسمه أحمد، وذكر أن التوراة فيها محمد
[ ١ / ٦٤ ]
﵊ مكتوب، كما قال تعالي: وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ، قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ، وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ، فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» .
والجواب عن ذلك أن أهل الكتاب كانوا يجادلون النبي ﷺ إذ كانوا على مقربة من دعوته، فكان يحاجهم بما عندهم، وكانوا هم يعرفون النبي، ويستفتحون على المشركين عندما كانوا ينازلونهم بالنبى ﵊ قبل أن يبعث، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
على أن رسالة النبى ﵊ ما كانت تستمد من شهادة السابقين، إنما كانت قوتها تستمد من ذاتها، وتحمل فى نفسها الشهادة بصدقها، والبينات الناطقة بأنها حق، وأنها من الله العزيز الحكيم.