فأما العشر التي في سورة براءة فقوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فقد أوتيها محمد - ﷺ - بل وكثير من أمَّته، فإنه - ﷺ - قال: «استغفروا الله وتوبوا إليه فإنِّي أتوب إلى الله في اليوم مائة مرّة» (٢)، وفي أمّته من يفعل ذلك وقريبًا منه كثير، وقوله: ﴿الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فبعبادته تضرب الأمثال وحالُهُ فيها لاتطاق، فقد كان يقوم حتى تتفطر قدماه (٣)، ويصوم حتى يُقال لا يفطر، وكنت لاتشاء أن تراه من الليل قائمًا إلا رأيته (٤)، وكان يقوم من الليل ما شاء الله ثم ينام ثم يقوم ثم ينام ثم
يقوم (٥) وهذه حالةٌ لا يتمكن منها أحد غيره في الليلة الواحدة، وكثير من أمَّته كان يُحيي
_________________
(١) انظر الأقوال في تأويل الآية: الكشف والبيان (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، للثعلبي.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب استحاب الاستغفار والاستكثار منه، بلفظ: «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة»، ح ٢٧٠٣.
(٣) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٤٨.
(٤) أخرج البخاري في صحيحه (٢/ ٥٢)، كتاب التهجد، باب قيام النبي - ﷺ - بالليل من نومه وما نُسخ من قيام الليل، ح ١١٤١، عن أنس - ﵁ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - يُفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يُفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليًّا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته".
(٥) قال الإمام ابن عبدالبر معلقًا على قول عائشة ﵂: "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثًا قالت عائشة فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» "، قال ابن عبدالبر: "وأما قولها في هذا الحديث أتنام قبل أن توتر فإنه لا يوجد إلا في هذا الإسناد ففيه تقديم وتأخير لأنه في هذا الحديث بعد ذكر الوتر، ومعناه أنه كان ينام قبل أن يصلي الثلاث التي ذكرت، وهذا يدل على أنه كان يقوم ثم ينام ثم يقوم فينام ثم يقوم فيوتر، ولهذا ما جاء في هذا الحديث أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا أظن ذلك والله أعلم من أجل أنه كان ينام بينهن فقالت أربعًا ثم أربعًا يعني بعد نوم ثم ثلاث بعد نوم ولهذا ما قالت له أتنام قبل أن توتر". التمهيد (٢١/ ٧٢).
[ ٣٥٤ ]
الليل ويصوم النهار، وأراد بعض أصحابه أنْ يتبتَّل (١) فنهاهم عن ذلك (٢)، وعزموا على الوصال في رمضان كما كان يُواصِل فنهاهم خوفًا عليهم أن يُفرَض عليهم فيعجز منهم من يعجز منهم عنه (٣)، وكان كثيرًا ما يعمل العمل والأشياء من النوافل وقتًا دون وقتٍ خوفًا أن يتبعه أصحابُه فيُفرَض عليهم، وخلائق من لايُحصى من أمَّته كان يصلِّي الصبح بوضوء العشاء ويَسرُد الصَّومَ في ضمن ما يعملون من الجهاد وغيره مما يطول شرحه وهو واضح ظاهر، وقوله: ﴿الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فقد كان محمد - ﷺ - أعظم النَّاس [ق ١١/ظ] حمدًا لربِّه سبحانه، وأنزل الله فاتحة الكتاب المفتتحة
بالحمد لله التي لم تُنزل على أحد من الأنبياء قبله المتضمّنةِ لحقوق الله تعالى ومطالب العبد كما في الحديث «قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي » (الحديث) (٤) (٥)، فجعل الله
_________________
(١) التبتل: الانقطاع عن النساء وترك النكاح. النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٢٨).
(٢) أخرج مسلم في صحيحه (٢/ ١٠٢٠)، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، ح ١٤٠١، عن أنس - ﵁ -: "أن نفرًا من أصحاب النبي - ﷺ - سألوا أزواج النبي - ﷺ - عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكنى أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
(٣) أخرج البخاري في صحيحه (٣/ ٢٩)، كتاب الصوم، باب بركة السحور من غير إيجاب، ح ١٩٢٢: عن عبدالله بن عمر - ﵁ -: "أن النبي - ﷺ - واصل، فواصل الناس، فشق عليهم فناهم، قالوا: إنك تواصل، قال: «لست كهيئتكم إني أظل أطعم وأسقى»؛ وأخرجه مسلم (٢/ ٧٧٤)، بنحوه في كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم، ح ١١٠٢.
(٤) لفظ "الحديث" ليس في ب.
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٢٩٦)، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يُحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، ح ٣٩٥، من طريق أبي هريرة - ﵁ -، بلفظ: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قال الله تعالى: حمدني عبدي » الحديث؛ وأخرجه النسائي في السنن الصغرى (٢/ ١٣٥)، كتاب الافتتاح، باب ترك قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] في فاتحة الكتاب، ح ٩٠٩، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية ١٤٠٦، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، بلفظ: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل» قال رسول الله - ﷺ -: «اقراءوا يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، يقول الله - ﷿ -: حمدني عبدي » الحديث؛ وأخرجه أبو داود (١/ ٢٦١)، بلفظ النسائي في كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، ح ٨٦١؛ وأخرجه الترمذي (٥/ ٢٠١)، بنحوه في أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة فاتحة الكتاب، ح ٢٩٥٣؛ وأخرجه ابن ماجه، بنحوه في كتاب الأدب، باب ثواب القرآن، ح ٣٧٨٤.
[ ٣٥٥ ]
هذه السورة مُكرَّرة في صلاته في كل ركعة من الصلوات الخمس فجعل صلاته كلّها حمدًا لله تعالى، هذا غير ما يحمده في غيرها ضمن التسبيح والتحميد والتكبير الذي كان يفعله عقيب الصلوات وعند المنام وعند القيام وعند الطعام وعند غالب أحواله ولأمَّته من ذلك النصيب الوافر، ولهذا أنزل في التوراة على موسى في صفتهم أنهم "الحمَّادون رُعاة الشمس" (١) يعني المحافظين على الصلوات في أوقاتها بمراعاة (٢) زوال
الشمس وتحلّقها (٣) وغروبها وغير ذلك، فمحمَّد - ﷺ - وأمَّته الحمَّادون الله (٤) على كل حال وفي كل نعمة، وفي التوراة أنهم الحمادون على كل نجد (٥) (٦)؛ وقوله:
_________________
(١) روى البغوي بسنده في تفسيره -معالم التنزيل- (٣/ ٢٧٩)، تحقيق: محمد النمر وعثمان ضميرية وسليمان الحرش، الطبعة الرابعة ١٤١٧، دار طيبة، عن كعب الأحبار "أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، رب اجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد يا موسى، فقال: ربي إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرًا قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد "؛ وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٣٨٥).
(٢) كذا في أونسخة بهامش ب. وفي ب "لمُرعاة".
(٣) في هامش ب "التحلُّق: استواء الشمس في الفلك".
(٤) في نسخة بهامش ب "لله" بالجر.
(٥) النجد: ما ارتفع من الأرض. النهاية (٥/ ٤٧).
(٦) روى البغوي بسنده في تفسيره (٣/ ٢٨٩)، عن كعب - ﵁ - قال: "إني أجد في التوراة مكتوبًا محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد ".
[ ٣٥٦ ]
﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] يعني «الصّائمين» (١) رواه أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - (٢)، وقال سعيد بن جُبَيْر: هم الصائمون ألم تر أنّ الله تعالى إذًا ماذكر الصائمين (٣)، وقال الحسن: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] الصائمون عن الحلال الممسكون عن الحرام، وقال عطاء: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] الغُزَاةُ والمجتهدون، وقال عُمَر بن نافع: سمعت عكرمة وسئل عن قول الله تعالى: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فقال: هم طلبة العلم (٤)، وقد أوتي محمَّد - ﷺ - وأمَّته من هذا النصيب الأوفى فقد ذكرنا أنه كان يصوم حتى يُقال لايُفطر، وقال بعض أصحابه وأراد التّبتل للعبادة: أما أنا فأصوم لا أُفْطر وهو عبدالله بن عمرو بن العاص وفعل ذلك مدَّة حتى نهاه النبي - ﷺ - عن ذلك شفقةً عليه (٥)، وأمّا كون السياحة الجهاد فقد باشر النبي - ﷺ - الجهاد بنفْسه وكُسرت رباعيته ودُمِي وهُشمت البيضة على رأسه وكان يَحْمل على الكَتيبَةِ ويقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب» (٦) فيُوَلّي الكفارُ الأدبارَ، وقد جاهد في الله تعالى حق جهاده، وفي الصحيح أنَّ البراء قال: كنا والله
_________________
(١) في ب "الصائمون".
(٢) روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح. انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٢٠).
(٣) قال سعيد بن جبير: "هم الصائمون ألم تر أن الله - ﷿ - إذا ذكر الصائمين لم يذكر السائحين، وإذا ذكر السائحين لم يذكر الصائمين". تفسير الثعلبي (٥/ ٩٨).
(٤) انظر الأقوال في تأويل الآية: تفسير الثعلبي (٥/ ٩٨).
(٥) أخرج البخاري في صحيحه (٨/ ٣١)، كتاب الأدب، باب حق الضيف، ح ٦١٣٤، عن عبدالله بن عمرو - ﵁ - قال: "دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - فقال: «ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار» قلت: بلى، قال: «فلا تفعل، قم ونم، وصم وأفطر، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا » الحديث.
(٦) أخرجه البخاري (٤/ ٣٠)، كتاب الجهاد والسير، باب من قاد دابة غيره في الحرب، ح ٢٨٦٤؛ وأخرجه مسلم (٣/ ١٤٠١)، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، ح ١٧٧٦.
[ ٣٥٧ ]
إذا احمرَّ البأس نتَّقي به وإن الشجاع منَّا للذي يُحاذي به يعني [ق ١٢/و] النبي - ﷺ - (١)، وكان من أُمَّته من إذا لقي العدو كسَر جَفْن سيفه (٢) (٣) وحمل عليهم (٤)، ومنهم من كان في يده تمرات فلمَّا التقى الجمعان قال: لئن عشتُ حتى آكل تمراتي هذه إنَّها لحياة طويلة فألقى التمرات وقاتل حتّى قُتل (٥) ومن هذا الجنس في أمّة محمد - ﷺ - قديمًا وحديثًا كثيرٌ معروف مشهور، وأمَّا كون السِّياحة طلب العلم فإنَّ محمَّدًا - ﷺ - كان في بَدْء أمره يتزوَّد ويخرج إلى جبل حراء يتوقع نزولَ الوحي وتعلُّم العلم من الملَك، ولم يُنقَل عن أحد من الأمم في كثرة طلب العلم ما في أمَّة محمد - ﷺ - حتى إنَّ أحدهم يرحل مسيرة الشهر في طلب الحديث الواحد، ومنهم من يتغرَّب السنين في طلب العلم ويترك وطنه وأهله وولده، وقوله: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢]: يعني
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٠١)، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، ح ١٧٧٦.
(٢) جفن السيف: غمده. لسان العرب (١٣/ ٨٩).
(٣) في هامش ب "جفن السيف: غمده، أي يقع الكسر في آلات حربه من غاية شجاعته كقوله: بهن فلول من قراع الكتائب".
(٤) أخرج مسلم في صحيحه (٣/ ١٥١١)، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ح ١٩٠٢، من طريق أبي بكر بن عبدالله بن قيس عن أبيه، قال سمعت أبي، وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف»، فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى، آنت سمعت رسول الله - ﷺ - يقول هذا؟ قال: نعم، قال فرجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتل".
(٥) وهو عمير بن الحمام بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي، قال ابن الأثير في ترجمته: "قتل ببدر وهو أول قتيل من الأنصار في الإسلام في حرب قال ابن إسحاق: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: «لا يقاتل أحد في هذا اليوم فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا دخل الجنة»، وكان عمير واقفًا في الصف بيده تمرات يأكلهن فسمع ذلك فقال: بخ بخ ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء وألقى التمرات من يده وأخذ السيف فقاتل القوم وهو يقول: ركضًا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد إن التقى من أعظم السداد وخير ما قاد إلى الرشاد وكل حي فإلى نفاد ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل، قتله خالد بن الأعلم". أسد الغابة (٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩).
[ ٣٥٨ ]
المصلين، وقد ذكرنا (١) أن محمدًا - ﷺ - صلَّى حتى تفطَّرت قدماه، وأمَّتُه الموصوفون في التوراة بأنهم رُعاة الشمس يُوضِّؤون أطرافهم ويسجدون على جباههم وأن الأرض كلها لهم مسجد وترابها طَهُور، فليس في الأمم أعظم صلاة منهم كما هو وصفهم في التوراة أنهم يصفّون في صلاتهم صفوف الملائكة وأصواتهم في مساجدهم كَدوي النحل (٢)، وأن موسى - ﵇ - قد كان أراد بني إسرائيل على أقلّ من خمس صلوات فلم يقدروا ولم يفعلوا كما في حديث الإسراء، وفي أمّة محمد - ﷺ - مَن يُصلي الخمس ثم يصلي من النوافل أضعافها، فصلاة محمد - ﷺ - وأمّته على أتمّ الوجوه وأكمل الأحوال؛ وقوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] وكان لمحمد - ﷺ - من ذلك النصيب الأوفى والحظ الأسنى كما أوحى الله تعالى إليه في شأن أهل الكتاب أنه - ﷺ - ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٥٧] فأخبر ﷾ أنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل بهذه الصفات وكذلك صفة [ق ١٢/ظ] أمته في التوراة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (٣)، وقوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] قال ابن عباس ﵄: القائمون على طاعة الله (٤)، وهذا من خواص ما أوتي محمد - ﷺ - أنّ دينه لا يزال قائمًا حتى تقوم الساعة كما في الصحيح: «لا تزال
_________________
(١) في ب "ذكر".
(٢) أخرج الدارمي في سننه (١/ ١٥٨)، كتاب دلائل النبوة، باب صفة النبي - ﷺ - في الكتب قبل مبعثه، ح ٧، تحقيق: حسن سليم، الطبعة الأولى ١٤١٢، دار المغني، عن كعب - ﵁ - قال: "محمد رسول الله أمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء يحمدون الله في كل منزله، ويكبرون على كل شرف، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة، ويأتزرون على أوساطهم، ويوضؤن أطرافهم، وأصواتهم بالليل في جو السماء كصوت النحل".
(٣) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٥٦.
(٤) تفسير الثعلبي (٥/ ٩٨).
[ ٣٥٩ ]
طائفة من أمتي يدعون إلى الحقّ لايضرهم مَن خذلهم ولا مَن خالفهم حتى تقوم الساعة» (١)، وقال الحسن: الحافظون لحدود الله هم أهل الوفاء ببيعته (٢) كما قال له بعض أصحابه حين ندبهم إلى الجهاد: والله لانقول لك كما قال أصحاب موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، بل نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون، واللهِ لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادَها إلى بَرك الغِماد لفعلنا (٣). ولما نودي في أصحابه يوم هوازن حين ولّوا لما رَمَوهم بالنّبل نادى العباس: يا أصحاب السَمُرة يا أصحاب سورة البقرة فذكّرهم عقد البيعة التي بايعوا بها محمّدًا - ﷺ - تحت الشجرة عَطَفوا عطفة (٤) البقر على أولادها يقولون
: يالبيّك يالبيّك، فقال رسول الله - ﷺ -: «الآن حين حمي الوطيس» (٥) وأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]؛ وأما تفصيل العشر التي في الأحزاب وأن محمّدًا - ﷺ - أوتيها على أكمل الأحوال وأتمّ الأفعال فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ﴾ الآية
_________________
(١) أخرج البخاري في صحيحه (٤/ ٢٠٧)، كتاب المناقب، ح ٣٦٤١، بلفظ: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك»؛ وأخرج مسلم في صحيحه (٣/ ١٥٢٤)، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»، ح ١٠٣٧، بلفظ: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس».
(٢) تفسير الثعلبي (٥/ ٩٨ - ٩٩).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ١٠٥) ح ١٢٠٤٥، من طريق أنس - ﵁ -، بلفظ: "لما سار رسول الله - ﷺ - إلى بدر خرج فاستشار الناس، فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم، فأشار عليه عمر، فسكت، فقال رجل من الأنصار: إنما يريدكم، فقالوا: يا رسول الله، والله لا نكون كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههانا قاعدون، ولكن والله لو ضربت أكبادها حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك". قال ابن كثير: "وهذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الصحيح". البداية والنهاية (٣/ ٣٢١).
(٤) عطف عطفًا وعطوفًا: مال وانحنى. المعجم الوسيط (٢/ ٦٠٨).
(٥) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٩٨)، كتاب الجهاد والسير، باب في غزو حنين، ح ١٧٧٥، بلفظ: «هذا حين حمي الوطيس».
[ ٣٦٠ ]
[الأحزاب: ٣٥] فقد روي أن مقاتل بن حَيَّان قال: بلَغني أنّ أسماء بنت عُمَيس ﵂ رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب ﵄ (١) فدخلت على نساء رسول الله - ﷺ - فقالت (٢): هل نزل فينا شئ من القرآن، قلن: لا، فأتَتْ رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خَيبةٍ وخسارٍ، فقال رسول الله - ﷺ -: «ومِمَّ ذاك»، قالت: لأنهنّ لا يُذكَرْن [ق ١٣/و] بخير كما يُذكَر الرجال فأنزل الله - ﷾ -: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] (٣) ولا ريب أنّ هذه الأمور كانت من محمد - ﷺ - على أكمل الأحوال وفي كثير من أمّته كانت وتكون على الأحوال الكاملة، وقد قال عطاء بن أبي رباح رحمة الله عليه: من فوَّض أمره إلى الله - ﷿ - فهو داخل في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥]، ومن أقرّ بأنَّ الله ربّه وأن محمدًا - ﷺ - رسوله ولم يخالف قلبُه لسانَه فهو داخل في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥]، ومن أطاع الله تعالى والرسول - ﷺ - في السنَّة فهو داخل في قوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥]، ومن صان لسانه عن الكذب فهو داخل في قوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥]، ومن صَلَّى فلم يَعرفْ مَن عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾
_________________
(١) في هامش أ "أي عن الزوج والزوجة" -الترضي-.
(٢) في ب "فقال"، وهو تصحيف.
(٣) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٤٥).
[ ٣٦١ ]
[الأحزاب: من الآية ٣٥]، ومن صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرَّزيئة (١) (٢) فهو داخل في قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥]، ومن تصدَّق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥]، ومن صام في كل شهر أيام البيض: ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر فهو داخل في قوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥]، ومن حفظ فرجَه عمّا لا يحل له فهو داخل في قوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥]، ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] (٣)، فمحمَّد - ﷺ - في الإسلام جبل راسخ، وفي الإيمان عَلَم شامخ، وفي القنوت بحر طافح، وفي الصدق [ق ١٣/ظ] سحاب سافح (٤)، وفي الخشوع إمام، وفي الصبر على الطاعة هُمام، وكان أبعد الناس عن المعصية، وأصبرهم على المَرْزِية، وكان أعظم الخلق بالصّدقة إيثارًا، وفي الهَواجر (٥)
على مواظبة الصوم اصطبارًا، وكان - ﷺ - أمْلَكَ الخلق لإربه في الحلال فكيف عن الحرام، وأشد الناس مُثابرة على الصلوات والناس نيام، وكم في أمّته من قُطْبٍ (٦) استنَّ بسنّته، وكم فيهم من
_________________
(١) في ب "الرزيّة" بالتسهيل وكلاهما صحيح، فقد جاء في المعجم الوسيط: "الرزيئة ويقال الرزية بالتسهيل". المعجم الوسيط، إبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبدالقادر ومحمد النجار، تحقيق: مجمع اللغة العربية، دار الدعوة؛ وفي نسخة بهامش ب "الذريئة".
(٢) الرزيئة بالمد والرزية: المصيبة. مختار الصحاح ص ٢٦٧.
(٣) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٤٦).
(٤) سافح: اسم لـ (سفح)، وقال ابن فارس: " السين والفاء والحاء أصل واحد يدل على إِراقة شيء، يقال سفح الدم إذا صبَّه" معجم مقاييس اللغة (٣/ ٦١).
(٥) الهواجر: شدة الحر. لسان العرب (٥/ ٢٥٠).
(٦) القطب: كل من دار عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا باطنًا أو ظاهرًا، فهو قطب ذلك الأمر ومداره، سواءٌ كان الدائر عليه أمر داره أو دربه أو قريته أو مدينته، أمر دينها أو دنياها، باطنًا أو ظاهرًا، لكن الممدوح من ذلك من كان مدارًا لصلاح الدنيا والدين دون مجرد صلاح الدنيا، وهي من الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة، وليست موجودة في كتاب الله تعالى، ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي - ﷺ - بإسناد صحيح ولا ضعيف. انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٣٣، ٤٤٠).
[ ٣٦٢ ]
وليٍّ سار بسيرته، وليس ذلك لغير محمد - ﷺ - (كما لَه، وليس لواحد من الأمم مثل ما) (١) ولأمّته (٢)، ولا اجتمع في أهل ملل غير أهل ملّته.
وأما العشر التي في المؤمنين فقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١] فقد مضى ذكر الإيمان والخشوع وهنا ذكر الخشوع في الصلاة فإنّه أوكَدُ منه في غير الصلاة واللغو القبيح من القول وقد قال - ﷺ -: «إني لم أُبْعَثْ لعَّانًا ولا فحَّاشًا ولا سخَّابًا في الأسواق» (٣)، وقوله: ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: من الآية ٤] ولم يكن - ﷺ - صاحبَ مال، وعُرضت عليه - ﷺ - كنوز الأرض فأباها (٤) ولم يكن فقره كفقر غيره من الناس الذين يأكلون الصدقات فإن الصدقة محرّمة
عليه وعلى ذريّته وبَني عمّه إلى يوم القيامة، [ففقره أعلى درجة من درجة الملوك] (٥)، وهذه المرتبة أكمل من مرتبة صاحب مالٍ يُسأل من أين اكتسبه وفيما أنفقه (٦)، وفي أمّة محمد
_________________
(١) ما بين القوسين ليس في ب.
(٢) في ب "وأمته" بدون اللام، وهو تصحيف.
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٦)، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، ح ٢٥٩٩، بلفظ: «إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة».
(٤) أخرج الإمام أحمد في مسنده (١٢/ ٧٦) ح ٧١٦٠، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "جلس جبريل إلى النبي - ﷺ -، فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل، إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربم، أفملكًا نبيًا يجعلك، أو عبدًا رسولًا، قال جبريل: تواضع لربك يا محمد، قال: «بل عبدًا رسولًا».
(٥) الزيادة من نسخة في ب، وفي هامش أكذلك.
(٦) في أ "أخرجه"، وما أثبته في ب ونسخة بهامش أوهي اللفظة الواردة في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي (٤/ ٦١٢)، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب في القيامة، ح ٢٤١٧.
[ ٣٦٣ ]
- ﷺ - من أولياء الله الصّالحين مَن سُئل عن قدر الزكاة ماهو فقال للسائل: عندنا أو عندكم، وكان السائل فقيهًا، فقال السائل: وهل عندكم غير ماعندنا، قال: نعم، أنتم عندكم في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم حقّ الله، ونحن عندنا أنّ الكلّ حقّ الله (١) و[ق ١٤/و] لهذا قال النبي - ﷺ -: «ما يكن عندي من خير فلن ادّخره عنكم» (٢) وكان - ﷺ - لا (٣) يدّخر شيئًا لغد، وكان يعطي عطاء من لايخشى الفاقة.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] فقد تقدم شرف النبي - ﷺ - في هذا المقام، وأنه كان أملك الخلق لإربه، وفي أمّته عجائب في حفظ الفروج ومجانبة الزّنا كما يروى عن مَن حُصِر في بيت وأُغلق عليه ودُعي إلى الفاحشة فمنهم من ألقى نفسه من أعالي البيت فسَلِم، ومنهم من دخل الخلاء وتلطَّخ بالعَذرة وخرج في زيّ مجنون، وأمثال هذه الأمور كما سيأتي في قصّة يوسف ﵊، كل ذلك حفظًا للفروج وخوفًا من الله تعالى عن تعدِّي حدوده (٤) واللائمة يوم القيامة، وتقدّم الكلام في مراعاة العهود والوفاء بها والمحافظة على القيام بها.
وأما المحافظة على الصلوات فكان النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - من المحافظة عليها في أوقاتها من الغاية، حتى إن رسول الله - ﷺ - أبطأ ليلة فلم يخرج إليهم حتى ذهب ما شاء الله من الليل فقالوا: أبطأت عنّا يا رسول الله، فقال: «أبشروا فإنه ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم» (٥) ولم يكن يومئذ يُصلَّى بغير المدينة، ولهم اختصاص الانتظار للصلاة
_________________
(١) نسبها بعضهم إلى أن السائل: هو الإمام أحمد بن حنبل، والمسؤول: هو بشر الحافي؛ وعلق الشيخ عبدالرحمن الوكيل على القصة بقوله: "تبرق عيون الصوفية بالسرور السكران -أي من جواب بشر الحافي-، وتميد أعطافهم من نشوة الخمر الصوفي! !، هؤلاء ينسون الإثم الكبير في قول الصوفي الحافي: "عندنا أم عندكم" فإنه نزغة من الأسطورة الصوفية التي تزعم: أن الدين شريعة وحقيقة". هذه هي الصوفية ص ١٥٣، لعبدالرحمن الوكيل، الطبعة الرابعة ١٩٨٤ م، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٢) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٤٦.
(٣) في نسخة بهامش ب "لم".
(٤) في ب "حدود الله".
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١١٨)، كتاب مواقيت الصلاة، باب النوم قبل العشاء لمن غلب، ح ٥٧٠؛ وأخرجه مسلم (١/ ٤٤٢)، في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب وقت العشاء وتأخيرها، ح ٦٣٩، من طريق عبدالله بن عمر - ﵁ -، بلفظ: "أن رسول الله - ﷺ - شُغل عنها ليلةً، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا النبي - ﷺ -، ثم قال: «ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم».
[ ٣٦٤ ]
بعد الصلاة، والمراعاة للجماعات والمشي إليها في الظلمات، حتى إنّ في هذه الأمّة من ذُكِر أنه لم يفته صلاة في جماعة إلا مرّة فصلى سبعًا وعشرين صلاة لما بلغه أن صلاة الجماعة تضاعف على صلاة الواحد سبعًا وعشرين ضعفًا والحكاية معروفة (١)، وفي إسباغ الوضوء في المكروهات والمشي إلى الجماعات وانتظار الصلوات بعد الصلوات يَختصم الملأ الأعلى كما جاء في الحديث المشهور (٢)، فأولئك هم الوارثون
الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، وهذا الميراث إنما هو أنّ هذه الصلوات عرضت على من كان قبلهم فأضاعوها، كما قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: من الآية ٥٩] فأوْرَثَ الله هذه الأمّة [ق ١٤/ظ] مكانهم الذي وعدهم على حفظ الصلوات لو حفظوها والله تعالى أعلم؛ واستثنى الله تعالى في
_________________
(١) الحكاية تروى عن (عبيد الله بن عمر القواريري) -شيخ البخاري ومسلم-، يقول القواريري: "لم تكن تكاد تفوتني صلاة العتمة في جماعة، فنزل بي ضيف، فشغلت به، فخرجت أطلب الصلاة في قبائل البصرة، فإذا الناس قد صلوا، فقلت في نفسي: يروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ إحدى وعشرين درجة»، وروي: «خمسًا وعشرين درجة» وروي: «سبعًا وعشرين»، فانقلبت إلى منزلي، فصليت العتمة سبعًا وعشرين مرة، ثم رقدت فرأيتني مع قوم راكبي أفراس، وأنا راكب، ونحن نتجارى وأفراسهم تسبق فرسي، فجعلت أضربه لألحقهم، فالتفت إلي آخرهم، فقال: لا تجهد فرسك، فلست بلاحقنا، قال: فقلت: ولم؟ لأنا صلينا العتمة في جماعة". سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٤٤)، تهذيب الكمال (١٩/ ١٣٤)، للإمام المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، الطبعة الأولى ١٤٠٠، مؤسسة الرسالة، بيروت؛ الوافي بالوفيات (١٩/ ٢٦٢)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٦٦)، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة ص، ح ٣٢٣٥، عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: احتبس عنا رسول الله - ﷺ - ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فثوب بالصلاة، فصلى رسول الله - ﷺ - وتجوز في صلاته، فلما سلم دعا بصوته قال لنا: «على مصافِّكم كما أنتم» ثم انْفَتَلَ إلينا ثم فقال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: أني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي فاستثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة فقال: يا محمد، قلت: لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري -قالها ثلاثًا-، قال: فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك رب، قال فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: ما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين المكروهات » الحديث. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
[ ٣٦٥ ]
سورة (سأل سائل) المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ممّن ذمّهم بالهَلع والجزع، وجعل الدائمين عليها المحافظين في جنّات مكرمين (١).
وأما العشرة التي ذكرها طاوس عن ابن عباس ﵄ من الفطرة التي أوتيها إبراهيم ﵊ فقد أوتيها محمد - ﷺ - وزيادة عليها ففعلها هو - ﷺ - وأمَّته على الوجه الكامل والحال الفاضل.
وأما قول مجاهد بأنها قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] فقد كانت إمامة محمد - ﷺ - أظهر وتبع الخلق له على دينه أشهر.
وأما قول الحسن أنها سبعة أشياء الكوكب والقمر والشمس فقد ذكرنا (٢) أنّ محمدًا - ﷺ - أوتي في صباه من الحفظ والإيقان والسلامة من أسباب الإشراك وإلهام التوفيق إلى الحق مافيه كفاية، وكذلك ذكرنا صبره - ﷺ - على القتل بنفسه والتّغْرير بها في طاعة الله تعالى ماهو أعظم من الصبر على فقد الولد وألم الختان وصبره في هجرته - ﷺ - من مكة إلى المدينة وبلواه كانت أعظم من صبر إبراهيم - ﷺ - في هجرته، فإنه خرج مختفيًا وقد بيَّته القوم كما ذكر الله - ﷿ - في كتابه ليقتلوه، ولما علموا أنه قد خرج بعثوا في طلبه في جميع الطرق وبذلوا الأموال الكثيرة لمن يقتله أو يأتي به، وقصته مع سُراقة في ذلك معروفة حتى قدم المدينة.
وأما قول أبي رَوْق أنها قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) ﴾ [الشعراء: ٧٨] [الآيات] (٣) فإنّ محمدًا - ﷺ - كان من هذه الأمور بالمنزلة التي لايصل إليها غيره وهي ظاهرة مِن سيرته - ﷺ -، وقد ذكرنا الكلام على قول بعضهم أنها ابتلاؤه (٤) في ماله وولده ونفسه وقلبه وأنّ الله اتخذه لذلك خليلًا، فمحمّد - ﷺ - كان في هذه الأمور أكمل قدرًا وأعظم أجْرًا فإن الله تعالى اتخذه خليلًا حبيبًا.
_________________
(١) في ب "مكرمون".
(٢) في أ "ذكر".
(٣) "الآيات" زيادة من ب.
(٤) في ب "ابتلاه".
[ ٣٦٦ ]
وأما قول من قال: هي سهام الإسلام وهي عشرة شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملّة فقد كان محمّد - ﷺ - يدعوا إليها على [ق ١٥/و] الوجه الأتمّ، والحال الأعمّ كما صعد - ﷺ - على الصّفا ونادى «يا صباحاه» فاجتمعوا فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم (١) أنّ عدوًّا يُصَبّحكم أو يُمَسّيكم أكنتم مصدِّقي»، قالوا: ما جرَّبنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدَي عذاب شديد» (٢) يعني أن تقولوا لا إله إلا الله، وكان يدعو إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن كما أمره الله تعالى حتى أذن له في جهادهم فجاهدهم حتى أقام الدّين وظهر أمْرُ الله وهم كارهون وأقام الملّة العوجاء وقالوا: لا إله إلا الله، وأما الصلاة فقد تقدم الكلام فيها وقال - ﷺ -: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة » الحديث (٣)، وكذلك الحج والجهاد والطاعة والجماعة والألفة (٤) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أشرنا إلى ذلك وأنَّ محمّدًا - ﷺ - فعل هذه الأمور مع غيرها من شريعته وسنّته على أتمّ النظام وأكمل الأقْسام، فمرتبة إبراهيم الخليل ﵊ جليلة (٥)، ومزيّته نبيلة، ودرجته أثيلة (٦)، ولا كمحمّد - ﷺ - صاحب الوسيلة والمنزلة الرفيعة العريضة الطويلة صلوات الله وسلامه عليهما، وبركاته وتحيّاته واصلة إليهما، فقد تبين بالبرهان الواضح، والدليل الرّاجح، أن ماوَفّى محمد - ﷺ - أبلغ مما وفّى إبراهيم - ﷺ - فإنه بلغ ما أوحي إليه من ربِّه سبحانه البلاغ المبين ولم يألُ جهدًا في توضيح أصول الدين، ولم يكتم شيئًا ممّا أوحي إليه، وسواءً كان ذلك له أو عليه كما قالت عائشة رضي الله
_________________
(١) في ب "أخيرتكم"، وهو تصحيف.
(٢) أخرجه البخاري (٦/ ١٢٢)، بنحوه في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: من الآية ٤٦]، ح ٤٨٠١، من طريق ابن عباس - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (١/ ١٤)، بنحوه في كتاب الإيمان، باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: من الآية ٥]، ح ٢٥؛ وأخرجه مسلم (١/ ٥٣)، بنحوه في كتاب الإيمان، باب الأمر بتقال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ح ٢٢.
(٤) في هامش ب "لم يذكر الصوم وجعل الجماعة والألفة اثنين وهو واحد".
(٥) في هامش ب "أي خُلّتُه".
(٦) أثيل: أصيل. المعجم الوسيط (١/ ٦).
[ ٣٦٧ ]
عنها لمّا نزلت قصّة زيد - ﵁ - من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٧]: "لو كان النبي - ﷺ - كاتمًا شيئًا من الوحي كتم هذه الآية" (١) فلم يمنعه من تبيلغ الوحي مانعٌ، ولا دفعه عن قول الحق دافعٌ، كما قال بعض أصحابه: "لقد تَرَكَنا رسولُ الله - ﷺ - ومامن طائر يطير بين السماء والأرض إلا وقد ذكر لنا منه علمًا" (٢) واستنطق الناس في أعظم حَفْلٍ وأكثر جمعٍ [ق ١٥/ظ] يوم حجّة الوداع «ألا هل بلّغت» فيقولون: نعم، فيرفع يده إلى فوق وينكبها (٣) إليهم ويقول: «اللهم اشهد» (٤)، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ
رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: من الآية ٥١] وقوله في الكوكب والقمر والشمس وإلهامُه أن قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: من الآية ٧٩] فإنَّ حال محمد - ﷺ - أكمل وأتمّ وأقوى في التبليغ وأنجع في قلوب السامعين، وروى أبو نعيم بسنده عن النَّزَّال بن سَبْرَة عن علي - ﵁ - قال: قيل للنبي - ﷺ -: هل عبدت وثنًا قطّ قال: «لا»، قالوا: هل شربت خمرًا قطّ قال: «لا وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان» (٥)، وفي حديث آخر أنه - ﷺ - قال:
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٥٣)، أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، ح ٣٢٠٨، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٤٧٢) ح ١٣٩٧٣، عن أبي الدرداء - ﵁ -، بلفظ: "لقد تركنا رسول الله - ﷺ - وما في السماء طائر يطير بجناحيه إلا ذكرنا منه علمًا"، وقال: "رجاله رجال الصحيح"؛ وأخرجه أحمد في مسنده (٣٥/ ٢٩٠) ح ٢١٣٦١، من طريق أبي ذر - ﵁ -، بلفظ: "لقد تركنا محمد - ﷺ - وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما" قال الهيثمي: "رواه: الإمام أحمد، والطبراني ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم".
(٣) ينكبها: أي يُمِلها إليهم يريد بذلك أن يُشْهِدَ الله عليهم. النهاية (٥/ ٢٣٥).
(٤) أخرجه البخاري (٢/ ١٧٦)، بنحوه في كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، ح ١٧٤١، من طريق أبي بكرة - ﵁ -؛ وأخرجه مسلم (٣/ ١٣٠٧)، بنحوه في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، ح ١٦٧٩.
(٥) لم أقف على الحديث في كتب أبي نعيم، ولعله سقط من نسختي المطبوعة عن كتاب الدلائل، وقد عزاه أيضًا لأبي نعيم وابن عساكر: السيوطي في الخصائص الكبرى ص ١٤٩، الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٥٤٦) وعزاه لكتاب الدلائل، والمتقى الهندي في كنز العمال (١٢/ ٤٠٦) وعزاه أيضًا لكتاب الدلائل.
[ ٣٦٨ ]
«لمّا نشأتُ بُغضت إليّ أوثان قريش وبُغض إليَّ الشعر» (١)، وعن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جُبير - ﵁ - قال: كانت قريش إنَّما تدفع (٢) من المزدلفة وتقول: نحن الحُمْس (٣) فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة، قال: فرأيت رسول الله - ﷺ - في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة ثم يدفع بدفعهم إذا دَفعُوا (٤)، وأمثال هذا كثير من تجنُّبه لشركهم وضلالهم وكل ذلك بتوفيق من الله تعالى له.
وقيل له: متى كنت نبيًّا، قال: «وآدم مُنْجدلٌ (٥) في طينته» (٦) فمن يكون هذا حاله كيف يتطرق إليه شرك أو (٧) شكّ وقد جرى بينه وبين رجل من قريش كلامٌ فقال له
_________________
(١) ذكره البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (٧/ ١٧)، كتاب علامات النبوة، باب ما جاء أول أمره ومولده وإرضاعه وغير ذلك مما يَذكر - ﷺ -، ح ٦٣١٩، تحقيق: دار المشكاة، الطبعة الأولى ١٤٢٠، دار الوطن، الرياض، وقال في إسناده: "هذا إسناد ضعيف لضعف عمر بن صبح، والرواي عنه محمد بن يعلى الكوفي"؛ وذكره ابن حجر في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (١٧/ ١٨٥) ح ٤٢٠٧، تنسيق: د. سعد الشثري، الطبعة الأولى ١٤١٩، دار العاصمة؛ وعزاه السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ٩٩) لأبي نعيم وابن عساكر.
(٢) في هامش ب "أي: ترجع قريش".
(٣) الحُمْس: جمع الأحْمَس: وهم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس، سُمُّوا حمسًا لأنهم تحمسوا في دينهم: أي تشددوا، كانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم، وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون. انظر: النهاية (١/ ١٠٤٦).
(٤) أخرجه البخاري (٢/ ١٦٢)، كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة، ح ١٦٦٤، بلفظ: "أضللت بعيرًا لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي - ﷺ - واقفًا بعرفة، فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا"، وأخرجه مسلم (٢/ ٨٩٤)، كتاب الحج، باب في الوقوف وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: من الآية ١٩٩]، ح ١٢٢٠، بلفظ: "أضللت بعيرًا لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت رسول الله - ﷺ - واقفًا مع الناس بعرفة، فقلت: والله إن هذا لمن الحمس، فما شأنه هاهنا، وكانت قريش تُعَدُّ من الحمس".
(٥) منجدل: أي مُلقى على الجَدَالة وهي الأرض. النهاية (١/ ٧٠٧).
(٦) أخرجه أحمد في مسنده (٢٨/ ٣٩٥) ح ١٧١٦٣، بلفظ: «إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته » الحديث، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: "صحيح لغيره"، وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٤٥٣)، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب، ح ٣٥٦٦، تحقيق: مصطفى عبدالقدار عطا، الطبعة الأولى ١٤١١، دار الكتب العلمية، بيروت، بلفظ: «إني عبدالله وخاتم النبيين، وأبي منجدل في طينته» وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
(٧) في ب "و".
[ ٣٦٩ ]
القرشيّ: احلف باللات والعزى فقال: «والله ما أبغضتُ شيئًا ما أبغضتهما وإنّي لأمُرُّ بهما فأعرِض عنهما»، فقال له القرشي [ق ١٦/و]: أنت صادق فيما تقول (١)؛ وقد كان - ﷺ - قبل الوحي يتألَّه ويتحنَّث ويتعبَّد لله تعالى كما قد ثبت في الصحاح وغيرها من سيرته - ﷺ - وكل ذلك رُشد آتاه الله تعالى إيَّاه في صغره وتوفيق مَنَحه إيَّاه في طفوليته، وذلك (من) (٢) فضل الله الذي يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ وأما تبليغ دعوة إبراهيم - ﷺ - لمّا بنى البيت بالحج في الناس فبلغ صوته مَن قضى الله أن يحجّ، قلنا لمحمد - ﷺ - أبلغ من ذلك فإنه زُويت (٣) له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها وقال: «سيبلغ مُلْك أمّتي مازوي لي منها» (٤) ولو أراد أن يبلّغ الله صوته ما بلغ نظره لكان ذلك، وما أُعطي محمد - ﷺ - أعظم مما أُعطي إبراهيم ﵊، وقد أعطى الله بعض أمة محمد - ﷺ - أن بلغ صوته حيث أراد وكشف عن بصيرته وبصره المسافة البعيدة مسيرة شهر وذلك ما
رواه أبو نعيم بإسناده عن عمرو بن الحارث قال: "بينما عمر بن الخطاب - ﵁ - يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا ساري (٥) (٦) الجبل مرتين أو ثلاثًا ثم أقبل على خطبته، فقال أولئك النظراءُ من أصحاب محمد - ﷺ -: لقد جُنَّ إنه لمجنون، بينا (٧) هو في خطبته قال: يا ساري الجبل، فدخل عليه عبدالرحمن بن عوف - ﵁ - وكان يطمئنّ إليه فقال: لشدّ ما ألُومُهم عليه أنك لتجعل لهم على نفسك مقالًا بينا أنت تخطب إذ أنت
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (١/ ١٢٨) ح ١٠٥، بلفظ: «ما حلفت بهما قط وإني لأمر بهما فأعرض عنهما».
(٢) "من" ليس في ب.
(٣) زويت: أي جُمعت: يقال زويته أزويه زيًّا. النهاية (٢/ ٨٠١).
(٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢١٥)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، ح ٢٨٨٩، بلفظ: «وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها».
(٥) هو سارية بن زنيم الكناني، اختلف في صحبته، توفي نحو ٣٠ هـ. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٤ - ٥)؛ الأعلام (٣/ ٦٩ - ٧٠).
(٦) ساري بحذف تاء التأنيث: من باب الترخيم، والوارد في الدلائل بإثبات التاء "سارية".
(٧) في ب "بينما".
[ ٣٧٠ ]
تصيح: يا ساري الجبل أيّ شيء هذا؟ قال: إني والله ما ملكت ذلك أن رأيتهم يقاتلون عند جبل يُؤتَون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت: يا ساري الجبل ليلحقوا بالجبل، فلبثوا إلى (١) أن جاء رسول سارية بكتابه أنّ القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم من حين صلينا الصّبح حتى إذا حضرت الجمعة وسمعنا مناديًا ينادي: يا ساري الجبل مرتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدوِّنا حتى هزمهم الله تعالى وقتلهم، فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا (٢) هذا الرجل فإنه مصنوع له (٣) " (٤).
_________________
(١) في ب "إذا"، وهو خطأ.
(٢) في أ "دعوه".
(٣) في هامش ب "أي الله تعالى صنع لعمر عجائب وأسرارًا لم نصل إليه".
(٤) انظر: دلائل النبوة (١/ ٥٨٠ - ٥٨١) ح ٥٢٨.
[ ٣٧١ ]