وهذا من أعظم مظاهر الحلم في الدعوة إلى الله - تعالى - وقد اقتضت حكمة النبي ﷺ أن يقسم تلك الغنائم بين هؤلاء المؤلَّفة قلوبهم، ويُوكِلَ من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه (١).
المثال الثاني: مع من قال: كُنَّا أَحَقَّ بهذا: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - إلى رسول الله من اليمن بذهيبة (٢) في أديم مقروظ (٣) لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر (٤) وأقرع بن حابس، وزيد الخيل (٥) والرابع إما علقمة (٦) وإما عامر بن الطفيل،
_________________
(١) انظر: فتح الباري، شرح صحيح البخاري ٨/ ٤٩.
(٢) أي: ذهب. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.
(٣) مدبوغ بالقرظ. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.
(٤) وهو عيينة بن حصن بن حذيفة، نسب لجده الأعلى. الفتح ٨/ ٦٨.
(٥) زيد الخيل بن مهلهل الطائي، وسماه النبي - ﷺ - زيد الخير، بالراء بدل اللام. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.
(٦) ابن علاثة العامري، أسلم وحسن إسلامه، واستعمله عمر على حوران، فمات بها في خلافته. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.
[ ١٤٥ ]
فقال رجل من أصحابه: كُنَّا نحن أحقُّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء؟ " قال: فقام رجل غائر العينين، مُشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مُشمِّر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، قال: "ويلك، أولستُ أحقُّ أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا، لعله أن يكون يصلي" فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول الله ﷺ: "إني لم أُومر أن أَنقُب قلوب الناس ولا أشقَّ بطونهم". قال: ثم نظر إليه وهو مُقَفٍّ فقال: "إنه يخرج من ضئضيء هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (١).
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد= = - ﵄ - إلى اليمن ٨/ ٦٧ برقم ٤٣٥١، ومسلم، في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٢/ ٧٤١، برقم ١٠٦٤.
[ ١٤٦ ]