الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينًا قويمًا، وهدانا صراطًا مستقيمًا، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير، الحمد لله رب العالمين الذي هدانا وعلَّمنا، ومنَّ علينا، وتفضل ببلوغ المراد من خدمة سنة سيد المرسلين، التي فسرت الكتاب الكريم،، وبينته للناس، وحيًا بوحي، ونورًا بنور، فاكتمل بهما الدين القويم، والصراط المستقيم.
اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب العالمين، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وعصمه في دينه وخلقه، ليكون أمينًا علي وحيه، مبينًا لكتابه، خاتمًا لأنبيائه ورسله، ولتقوم به الحجة والقدوة علي هذه الأمة إلي يوم الدين.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلي آله، وصحبه البررة الأوفياء، أئمة الدين، وصفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين.
ورضي الله عمن تبع سنتهم، وسلك طريقتهم، واقتفيَ أثرهم، ونصرهم إلي يوم الدين.
ثم أما بعد
فإن الله تعالي يقول في كتابه العزيز: ﴿قل الحمد الله وسلام علي عباده الذين اصطفي﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار﴾ (٢) .
إن رب العزة في هاتين الآيتين ونحوهما، يبين لكافة عباده أنه اختار واصطفي من خلقه أناسًا أخيارًا، عصمهم في ظاهرهم وباطنهم، ورضاهم وغضبهم قبل النبوة وبعدها، لما علمَه ﷿ فيهم من أنهم سيكونون هداة للخلق يخرجونهم من الظلمات إلي النور، ويهدونهم إلي صراط العزيز الحميد.
وهذا الاصطفاء الذي يتحدث عنه رب العزة، هو اصطفاء وهم لا يزالون في عالم الغيب لم يخلقوا بعد.
_________________
(١) الآية ٥٩ النمل.
(٢) الآية ١٧ ص
[ ٤ ]
.. وهو ما يُظهر أن عصمة سيدنا رسول الله ﷺ، وسائر الأنبياء والمرسلين – عليهم الصلاة والسلام – مبنية على إرادة إلهية يمتنع معها وقوع المعصية منهم.
ويقول ﷿: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءَنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُرًا من قبله أفلا تعقلون﴾ (١) .
ففى قوله: ﴿فقد لبثت فيكم عُمُرًا من قبله﴾ يقدم رب العزة حياة رسوله ﷺ، وسيرته الطاهرة قبل بعثته، دليلًا على عصمته ونبوته. والمعنى فى الآيتين: إنى جئتكم بالقرآن عن إذن الله لى فى ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أنى لست أتقوله من عندى ولا افتريته؛ أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقى وأمانتى منذ نشأت بينكم إلى حين بعثنى الله ﷿، لا تنتقدون علىَّ شيئًا تُعِّيرونى به. ولهذا قال: ﴿فقد لبثت فيكم عُمُرًا من قبله أفلا تعقلون﴾ أى: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل!
والقارئ لسيرة سيدنا رسول الله ﷺ، لا يشك فى عصمته فقد كانت نشأته ﷺ، منذ ولدته أمه إلى أن بعثه الله ﷿ رحمة للعالمين، أكمل نشأة، تولاه الله تعالى فأدبه، ورباه فكمِله، ورعاه فحفظه مما كان يشين حياة قومه من وثنية، وعادات مستقبحة، حتى غدا أكمل إنسان فى بشريته، فلم تعرف له فى سيرته هفوة، ولم تحص عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وحسن الأحدوثة بين الناس، ثم نبأه الله تعالى وبعثه، فنمت فيه هذه الفضائل وترعرعت حتى أصبحت حياته فريدة فى تاريخ هذه الحياة الدنيا.
_________________
(١) الآيتان ١٥، ١٦ يونس.
[ ٥ ]
.. فمن أين له هذا؟ وهو اليتيم الذي تعرض منذ طفولته لمحنة اليتم والفقر! وهو الأمي الذي لم يجلس طيلة حياته إلي معلم يثقف عقله! وهو الذي نشأ في بيئة سيطرت عليها الجاهلية سيطرة كاملة في مجال العقيدة والفكر، وفي مجال الأخلاق والسلوك، وطبعت الناس بطابعها البغيض حتي لا تكاد تجد إنسانًا يسلم من وراثة البيئة، وعدوي التقاليد الجاهلية الموروثة عن الآباء والأجداد. فكيف نجا سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم من تلك المؤثرات القوية؟.
إنك لا تستطيع أن تدرك سر كمال عقله وعقيدته وأخلاقه، وبراءته من كل نقائص ومثالب بيئته التي نشأ فيها إلا أن تقول: إنه الإعداد الإلهي للنبوة و﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (١) إنها العصمة الربانية التي حفظته صلي الله عليه وسلم من بيئة الجاهلية أربعين عامًا لم يصبه أذي من غبارها، فشب أكمل الناس خَلْقًا وخُلُقًا.
وشهد له صلي الله عليه وسلم بتلك العصمة ربه ﷿ في عشرات الآيات القرآنية منها إجمالًا قوله تعالي: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثني وفرادي ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ (٢) .
وقوله سبحانه: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوي﴾ (٣) ففي هاتين الآيتين ونحوهما كان التعبير فيها بـ "صاحبكم" تذكيرًا وتقريرًا بأن كفار مكة أعرف الناس به، فرسول الله صلي الله عليه وسلم لم يفارقهم، وهم لم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، وهذا يفيد أن كفار مكة في اتهامهم لرسول الله صلي الله عليه وسلم بعدم العصمة ووصفه بالضلال والجنون والسحر مكابرون، والدليل حاله قبل نبوته حيث صحبتهم له منذ نشأته بينهم، واعترافهم له بالأمانة والصدق، ورجاحة العقل، والخلق القويم.
_________________
(١) جزء من الآية ١٢٤ الأنعام.
(٢) الآية ٤٦ سبأ.
(٣) الآية ٢ النجم.
[ ٦ ]
.. وإذا طعن كفار قريش قديمًا فى عصمة رسول الله ﷺ، وتبعهم من لا يعتد بخلافهم من الفضيلية والأزارقة من الخوارج والكرامية وغيرهم، فقد ظهر حديثًا أذيالهم من المنكرين للسنة النبوية، الزاعمين أن رسول الله ﷺ غير معصوم، ويجوز عليه ما يجوز على سائر البشر من الذنوب؛ كما زعموا أن سيرة رسول الله ﷺ الواردة فى السنة المطهرة تختلف عنها فى سيرته فى القرآن الكريم، وأن فى الأحاديث المتعلقة بسيرته ﷺ ما يطعن فى عصمته، ويشوه شخصيته.
وقد استند هؤلاء المشاغبون فى عصمة النبى ﷺ إلى بعض النصوص القرآنية التى قد يُتوهم من ظاهرها أن رسول الله ﷺ، كان فى ضلال أو غفلة أو شك، وكذلك نصوص ورد فيها بعض التنبيهات الموجهة مباشرة إلى ضمير خطابه ﷺ.
كما استندوا أيضًا إلى بعض الأحاديث التى قد يتوهم من ظاهرها عدم عصمة رسول الله ﷺ فى عقيدته وقلبه، وبلاغه للوحى، واجتهاده، وسلوكه وهديه.
وهذا ما دفعنى إلى اختيار موضوع هذه الرسالة: "رد شبهات حول عصمة النبى ﷺ فى ضوء السنة النبوية الشريفة" وقد هدفت من تسجيله إلى عدة أهداف منها:
أولًا: بيان أن عصمة الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا رسول الله ﷺ ضرورة دينية، وأنها سبيل حجية وحى الله تعالى من القرآن والسنة.
ثانيًا: أن يكون هذا البحث هاديًا لمن تأثر من أبناء الإسلام بشبهات أعداء السنة حول عصمة رسول الله ﷺ، مما يوجب على من عرف الحق أن يأخذ بأيديهم إلى بر الأمان.
[ ٧ ]
ثالثًا: إرادة توطيد إيمان المؤمنين، وتقوية محبتهم لرسول الله ﷺ، ومعرفتهم بمكانته العليا، وحفاوة الله تعالى به فى تربيته حتى فى الآيات المتشابهات التى يتعلق بها أعداء الإسلام ومقلدوهم من المسلمين، مما يظهر أن ما ورد من ظاهر تلك الآيات مما يمس عصمته غير مراد.
رابعًا: بيان أن سيرة رسول الله ﷺ الواردة فى صحيح السنة المطهرة تعتبر فى ميزان العقل البشرى والعلمى معجزة، لا تستطيع الأمم جميعها فى الحاضر والمستقبل أن تفعل مثلها، إذ لم يحفظ لنا التاريخ من بين جميع الأمم، حياة رجل منذ طفولته إلى وفاته، مثلما حفظه المسلمون عن رسولهم ﷺ بكل دقة، وبكل حب وإخلاص.
خامسًا: بيان أن أئمة السيرة ورواتها لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة إلا تثبيت ما هو ثابت منها بمقياس علمى دقيق، يتمثل فى قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفى قواعد علم الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم؛ ولا تستطيع أى أمة من الأمم فى السابق واللاحق أن تأتى بمثل هذا الميزان العلمى، أو حتى تلتزمه فى ميدان التطبيق العمِلى.
سادسًا: بيان أن سيرة رسول الله ﷺ لها أهميتها فى فهم الإسلام قرآنًا، وسنةً، وحضارةً٠
سابعًا: بيان أن حملة التشكيك فى السيرة العطرة الواردة فى السنة النبوية مرض عقلى، ووباء فكرى، يصيب الحاقدين، وهو مذهب الذين فى قلوبهم مرض، الذين يستهدفون أن يفقد المسلمون الصورة التطبيقية لحياة رسول الله ﷺ، وبذلك يفقد الإسلام أكبر عناصر قوته، فأحببت أن تكون لى مشاركة فى رد تلك الحملة، وإيقاف زحفها، مع من بذلوا جهودًا فى الدفاع عن السيرة، لحماية حصنها من التهديم والتخريب، راجيًا بذلك المثوبة من الله تعالى.
[ ٨ ]
ثامنًا: بيان أن الباطل مهما لمع بريقه، وتكاتف من ورائه أناس على تقويته، إلا أنه سرعان ما يخفت هذا اللمعان، ولا يجنى أصحاب هذا الباطل من وراء باطلهم إلا الخيبة والخسران.
وما شأن شراذم البغى قديمًا وحديثًا، ومحاولاتهم النيل من سيرة المعصوم ﷺ، وسنته المطهرة، إلا كشأن من قال عنه الأعشى بن قيس:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل.