إن الذى يتتبع القرآن الكريم، ويتقصى آياته العظيمة، ويمعن النظر فيه، ينتهى منه إلى رصيد ضخم، وثروة لا حدود لها، من الثناء الحلو، والمديح الطيب، والتنويه الذى ليس قبله ولا بعده، برسول هذه الإنسانية، وسيد هذا الكون، حتى لكأنه بلغ قمة الثناء، وغاية المديح، وكل ذلك تجده حتى فى الآيات المتشابهات التى استدل بها خصوم السنة المطهرة والسيرة العطرة.
إن مما يشرح الصدر، ويبهج النفس أن المتتبع للآيات المتشابهات التى استدلوا بها على عدم عصمتهم ﷺ، يرى أنها ورادة فى مقام المنَّة على رسول الله ﷺ، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه ﷿ فى الدنيا والآخرة، بأعظم ما يكون البيان.
ويرى بوضوح وجلاء أن كل آية من تلك الآيات تأتى بنوع من الترفق برسول الله ﷺ فى الخطاب طمأنة لقلبه الطاهر، وتنادى بأن ما ورد من ظاهر تلك الآيات مما يمس عصمته ﷺ غير مراد، وتنادى بأن ما صدر منه من خطأ فى الاجتهاد، ووجه إلى الأخذ بالأصوب منه فيما يستقبل من حوادث، لم تؤثر على شئ من عصمته، ولا مما ناله من شرف القرب، والرضا عليه من الله ﷿، مما يمكن أن يقال فيه: إنه مسح بيد الرحمة على القلب الطاهر الرحيم، الذى جعله رب العزة هدى ورحمة للعالمين.
ومن هنا من يتأمل ما استدل به أعداء الإسلام من آيات قرآنية على عدم عصمته ﷺ، لا يستطيع إلا أن يقرر بأنها افتراءات أطلقوا عليها اسم أدلة وبراهين وقد لا يصل القارئ إلى هذا التقرير، إلا بعد أن يتأمل جيدًا، ويرجع إلى النصوص، ويمحصها بدقة فيخرج بنتيجة حاسمة، وحكم نهائى، بأن ما زعموه أدلة وحججًا وبراهين، إنما هى من نفخ الشيطان وهمزه ونفثه، سولها لهم الشيطان، وحسنها فى قلوبهم، ودفعهم بأن يقولوا أنها حجج قرآنية.
[ ١٨٠ ]
.. وسوف نناقشها فقرة فقرة، وننقضها لبنة لبنة، حتى يقتنعوا أن ما زعموه من أدلة هى السراب الباطل الذى يحسبه الظمآن ماءً.
إنى أقول ذلك ومعى تأكيدًا له شواهد من التاريخ، والنقل الثابت من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة على عصمته ﷺ من الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها من كل ما يمس قلبه وعقيدته وخلقه وعقله بسوء، ومبرهنًا فى نفس الوقت أن رسول الله ﷺ أجل وأعلى، وأرفع وأقدس من أن تناله الشبه.
فإلى بيان ذلك من خلال استعراض شبهاتهم والرد عليها فى المطالب التالية.