فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي سُجُودِ السَّهْوِ
ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: («إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي») .
[ ١ / ٢٧٦ ]
وَكَانَ سَهْوُهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى أُمَّتِهِ وَإِكْمَالِ دِينِهِمْ، لِيَقْتَدُوا بِهِ فِيمَا يَشْرَعُهُ لَهُمْ عِنْدَ السَّهْوِ، وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُنْقَطِعِ الَّذِي فِي " الْمُوَطَّأِ ": («إِنَّمَا أَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ») .
وَكَانَ ﷺ يَنْسَى، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى سَهْوِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ تَجْرِي عَلَى سَهْوِ أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَامَ ﷺ مِنِ اثْنَتَيْنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، وَلَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَأُخِذَ مِنْ هَذَا قَاعِدَةُ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَرْكَانٍ سَهْوًا، سَجَدَ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَأُخِذَ مِنْ بَعْضِ طُرُقِهِ: أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ ذَلِكَ وَشَرَعَ فِي رُكْنٍ، لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمَتْرُوكِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ سَبَّحُوا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ: أَنْ قُومُوا.
وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي مَحَلِّ هَذَا السُّجُودِ، فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عبد الله ابن بحينة، («أَنَّهُ ﷺ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَلَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ») .
وَفِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا: («يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ») .
[ ١ / ٢٧٧ ]
وَفِي " الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنِ المسعودي، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ قَالَ: («صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ، فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا صَنَعَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ») وَصَحَّحَهُ الترمذي.
وَذَكَرَ البيهقي مِنْ حَدِيثِ عبد الرحمن بن شماسة المهري قَالَ: («صَلَّى بِنَا عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَلَمْ يَجْلِسْ وَمَضَى عَلَى قِيَامِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُكُمْ آنِفًا تَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لِكَيْمَا أَجْلِسَ، لَكِنَّ السُّنَّةَ الَّذِي صَنَعْتُ») .
وَحَدِيثُ عبد الله ابن بحينة أَوْلَى لِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ المغيرة.
الثَّانِي: أَنَّهُ أَصْرَحُ مِنْهُ، فَإِنَّ قَوْلَ المغيرة: («وَهَكَذَا صَنَعَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ») يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى جَمِيعِ مَا فَعَلَ المغيرة، وَيَكُونُ قَدْ سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا
[ ١ / ٢٧٨ ]
السَّهْوِ مَرَّةً قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَرَّةً بَعْدَهُ، فَحَكَى ابن بحينة مَا شَاهَدَهُ، وَحَكَى المغيرة مَا شَاهَدَهُ، فَيَكُونُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ المغيرة أَنَّهُ ﷺ قَامَ وَلَمْ يَرْجِعْ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ المغيرة لَعَلَّهُ نَسِيَ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ وَسَجَدَهُ بَعْدَهُ، وَهَذِهِ صِفَةُ السَّهْوِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.