والمقصود أنه كان يفعل في الصلاة أحيانًا شيئًا لعارضٍ لم يكن من فعله الراتب. ومن هذا لما بعث (^١) - ﷺ - فارسًا طليعةً، ثم قام إلى الصلاة وجعل (^٢) يلتفت في الصلاة إلى الشِّعب الذي يجيء منه الطليعة (^٣). ولم يكن من هديه الالتفات في الصلاة. وفي «صحيح البخاري» (^٤) عن عائشة قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة؟ قال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد».
وفي الترمذي (^٥) من حديث سعيد بن المسيِّب عن أنس قال: قال
_________________
(١) ص: «ولهذا لما بعث النبي».
(٢) كذا السياق في جميع الأصول دون جواب لما.
(٣) أخرجه أبو داود (٩١٦، ٢٥٠١) والنسائي في «الكبرى» (٨٨١٩)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٧٨).
(٤) برقم (٧٥١، ٣٢٩١).
(٥) برقم (٥٨٩) وقال: حسن غريب. وكذلك أخرجه مطولًا الطبراني في «الأوسط» (٥٩٩١) و«الصغير» (٨٥٦) من طريق شيخ الترمذي. وأما إسناده فقد كفانا المؤلف مؤنته. وذكر ابن عبد البر في «التمهيد» (١٧/ ٣٩١) أنه من أحاديث الشيوخ لا يحتج بمثلها. وقد وقع عند المزي في «تحفة الأشراف» (١/ ٢٢٦) وابن عبد الهادي في «المحرر» (٢٩٢) قول الترمذي: حديث حسن صحيح، وكذلك نقل الحافظ في «بلوغ المرام» (٢٤٢) وأشار إليه المنذري في «الترغيب والترهيب» (٧٦٠ - ط. المعارف) أنه في بعض نسخه كذلك. ولكن ذكر في «النكت الظراف» (١/ ٢٢٧ - مع التحفة) أثناء الكلام على هذا الإسناد بالذات أن الترمذي قال في النسخ المعتمدة عن هذا الإسناد في أبواب الاستئذان: حسن غريب، ووقع بخط الكرخي: حسن صحيح غريب، وأن النووي اعتمد عليه في «الأذكار»، ثم قال: «وتصحيح مثل هذا من غلط الرواة بعدَ الترمذي، فإنه لا يقع ممن له أدنى معرفة بالحديث».
[ ١ / ٢٨٥ ]
رسول الله - ﷺ -: «يا بُنيَّ، إياك والالتفاتَ في الصلاة، فإنَّ الالتفات في الصلاة هَلَكة. فإن كان لا بدَّ ففي التطوُّع، لا في الفريضة»، ولكن للحديث علَّتان. إحداهما: أنَّ رواية سعيد عن أنس لا تعرف. الثانية: أنَّ على طريقه (^١) علي بن زيد بن جُدعان. وقد ذكر البزار في غير (^٢) «مسنده» (^٣)
من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ -: «لا صلاة للملتفت».
_________________
(١) كذا في جميع الأصول والطبعات القديمة، وفي حاشية ص كتب بعضهم بعد التضبيب على «على»: «في لعله». وأثبت الفقي: «في طريقه» على الصواب دون تنبيه.
(٢) حذف الفقي كلمة «غير» مع ثبوتها في الطبعات السابقة، وتابعته طبعة الرسالة.
(٣) لعله في «أماليه». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٧٨): «رواه أحمد والطبراني في «الكبير»، وفيه ميمون أبو محمد، قال الذهبي (٤/ ٢٣٦): لا يعرف» .. قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (٤٥٦٩) وأحمد (٢٧٤٩٧) عقب الحديث المرفوع، كلاهما من قول أبي الدرداء موقوفًا. وأخرجه الطبراني (٣٧٦، ٣٧٧) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام هذا عن أبيه عن النبي - ﷺ -. وفيه الصلت بن طريف، فيه لين. وهو أيضًا في «أمالي البزار» كما في «الميزان» في ترجمة الصلت بن مهران (٢/ ٣٢٠). قال الدارقطني في «العلل» (١٠٧٩) بعد أن ساق طرقه: «والحديث مضطرب، لا يثبت». وانظر كذلك: «التاريخ الكبير» (٤/ ٣٠٣).
[ ١ / ٢٨٦ ]
وأما حديث ابن عباس (^١): «إن رسول الله - ﷺ - كان يلحظ في الصلاة يمينًا وشمالًا، ولا يلوي عنقَه خلفَ ظهره»، فهذا حديث لا يثبت. قال الترمذي فيه: «حديث غريب»، ولم يزد.
وقال الخلال: أخبرني الميموني أن أبا عبد الله قيل له: إن بعض الناس أسند أن النبي - ﷺ - كان يلاحظ في الصلاة، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا حتى تغيَّر وجهه، وتغيَّر لونه، وتحرَّك بدنه، ورأيته في حالٍ ما رأيته في حالٍ قطُّ سواها (^٢)، وقال: النبيُّ - ﷺ - كان يلاحظ في الصلاة؟! يعني أنه أنكر ذلك، وأحسبه قال: ليس له إسناد. وقال: مَن روى هذا؟ إنما هذا (^٣) عن سعيد بن المسيِّب (^٤). ثم قال لي بعض أصحابنا: إن أبا عبد الله وهَّن حديثَ سعيد
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥٨٧) والنسائي في «الكبرى» (٥٣٤) وابن خزيمة (٤٨٥) وابن حبان (٢٢٨٨) والطبراني (١١/ ٢٢٣) والدارقطني (١٨٦٥) والحاكم (١/ ٢٣٦) والبيهقي (٢/ ١٣)، كلهم من طريق الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس به. قد أعله الترمذي والدارقطني والبيهقي بأنه لم يروِه مسندًا غير الفضل بن موسى، وقد خالفه وكيع فرواه عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن بعض أصحاب عكرمة عن النبي - ﷺ - مرسلًا، أخرجه الترمذي (٥٨٨) والدارقطني (١٨٦٥) والبيهقي (٢/ ١٣). وقال أبو داود في رواية أبي الطيب الأشناني (تحفة الأشراف- ٥/ ١١٧) عن المرسل إنه أصح، وقال الدارقطني في «سؤالات البرقاني» (ص ٧٦) عن حديث الفضل إنه ليس بصحيح. وانظر: «العلل الكبير» (ص ١٠٤)، «نصب الراية» (٢/ ٨٩، ٩٠)، «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٣١٧، ٣١٨).
(٢) هكذا في جميع النسخ والطبعات القديمة. وفي طبعة الرسالة: «أسوأ منها»، وهذا من تصرُّف الشيخ الفقي - ﵀ -.
(٣) «إنما هذا» ساقط من ص.
(٤) أخرجها ابن أبي شيبة (٤٥٨٤) عن هشيم قال: بعض أصحابنا أخبرني عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: كان رسول الله - ﷺ - يلحظ في الصلاة ولا يلتفت.
[ ١ / ٢٨٧ ]
هذا، وضعَّف إسناده، وقال: إنما هو عن رجل عن سعيد.
وقال عبد الله بن أحمد (^١): حدَّثتُ أبي بحديث حسَّان بن إبراهيم عن عبد الملك الكوفي قال: سمعت العلاء قال: سمعت مكحولًا يحدِّث عن أبي أمامة وواثلة: «كان النبيُّ - ﷺ - إذا قام في الصلاة لم يلتفت يمينًا ولا شمالًا، ورمى ببصره في موضع سجوده»، فأنكره جدًّا، وقال: اضرب عليه.
فأحمد - ﵀ - أنكر هذا وهذا، وكان إنكاره للأول أشدَّ لأنه باطل سندًا ومتنًا؛ والثاني إنما أنكر سندَه، وإلا فمتنه غير منكر. والله أعلم.
ولو ثبت الأول (^٢) لكان حكايةَ فعلٍ، لعله كان لمصلحة تتعلَّق بالصلاة ككلامه - ﷺ - هو وأبو بكر وعمر وذو اليدين (^٣) في الصلاة لمصلحتها، أو لمصلحة المسلمين كالحديث الذي رواه أبو داود (^٤) عن أبي كبشة (^٥) السَّلُولي عن سهل ابن الحنظليَّة قال: «ثُوِّب بالصلاة ــ يعني صلاة الصبح ــ
_________________
(١) «العلل ومعرفة الرجال» (٢٧٠١)، وعنه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة حسان بن إبراهيم الكرماني (٤/ ٤٣) والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٤٦).
(٢) «الأول» من ق.
(٣) كذا في جميع النسخ: «أبو بكر» و«ذو اليدين» بالرفع.
(٤) برقم (٩١٦). وأخرجه أيضًا مطولًا أبو داود (٢٥٠١) والنسائي في «الكبرى» (٨٨١٩) والطبراني (٦/ ٩٦) والبيهقي (٩/ ١٤٩). صححه ابن خزيمة (٤٨٧) والحاكم والألباني في «الصحيحة» (٣٧٨). وانظر: «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٧٢، ٧٣).
(٥) العبارة: «غريب ولم يزد كبشة» ساقطة من ع.
[ ١ / ٢٨٨ ]
فجعل رسولُ الله - ﷺ - يصلِّي وهو يلتفت إلى الشِّعب». قال أبو داود: يعني: وكان أرسل فارسًا إلى الشِّعب من الليل يحرُس. فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في تداخُل العبادات كصلاة الخوف.
وقريب منه قول عمر - ﵁ -: «إني لأجهِّز جيشي وأنا في الصلاة» (^١)، فهذا جمعٌ بين الجهاد والصلاة (^٢). ونظيره التفكُّر (^٣) في معاني القرآن واستخراجُ كنوز العلم منه في الصلاة، فهذا جمعٌ بين الصلاة والعلم. فهذا لون، والتفات الغافلين اللاهين وأفكارهم لون آخر. وبالله التوفيق.
فهديه الراتب - ﷺ - إطالة الركعتين الأوليين من الرُّباعيَّة على الأخريين، وإطالة الأولى من الأوليين على الثانية. ولهذا قال سعد لعمر: «أما أنا فأطيل في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله - ﷺ -» (^٤).
وكذلك كان هديه - ﷺ - إطالة صلاة الفجر على سائر الصلوات كما تقدم. قالت عائشة: «فرض الله الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله - ﷺ - زيد في صلاة الحضر إلا الفجرَ، فإنها أُقِرَّت على حالها من أجل طول القراءة، والمغربَ لأنها وتر النهار». رواه أبو حاتم ابن حبان في
_________________
(١) علقه البخاري مجزومًا به تحت (باب يفكر الرجل الشيءَ في الصلاة) قبل (١٢٢١)، وصله ابن أبي شيبة (٨٠٣٤)، وبنحوه أخرجه صالح بن الإمام أحمد في «مسائله» عن أبيه (٢/ ١٩٢).
(٢) وانظر: «الداء والدواء» (ص ٣٦٣).
(٣) ص، ج: «الفكر».
(٤) أخرجه البخاري (٧٧٠) ومسلم (٤٥٣).
[ ١ / ٢٨٩ ]
«صحيحه» (^١)، وأصله في «صحيح البخاري» (^٢).
وهذا كان هديه - ﷺ - في سائر صلواته: إطالة أولها على آخرها، كما فعل في الكسوف، وفي قيام الليل لما صلَّى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، حتى أتمَّ صلاته.
ولا يناقض هذا افتتاحه - ﷺ - صلاة الليل بركعتين خفيفتين وأمره بذلك (^٣)، لأن هاتين الركعتين مفتاح قيام الليل، فهي (^٤) بمنزلة سنة الفجر وغيرها. وكذلك الركعتان اللتان كان يصلِّيهما أحيانًا بعد وتره تارةً جالسًا وتارةً قائمًا مع قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (^٥)، فإن هاتين الركعتين لا تنافي (^٦) هذا
_________________
(١) برقم (٢٧٣٨)، وأخرجه ابن خزيمة (٣٠٥، ٩٤٤) والطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ١٨٣، ٤١٥) و«شرح المشكل» (٤٢٦٠)، من طريق محبوب بن الحسن عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة به. وأخرجه ابن أبي شيبة (٦٧٧٤) مختصرًا وأحمد (٢٦٠٤٢، ٢٦٢٨٢) والبيهقي (٣/ ٢٤٣)، من طرق عن داود عن الشعبي عن عائشة به ــ قال ابن معين في «تاريخه» برواية الدوري (٣/ ٤٨٥): ما روى الشعبي عن عائشة فهو مرسل ــ، وبه أعله ابن خزيمة فقال: «هذا حديث غريب، لم يسنده أحد أعلمه غير محبوب بن الحسن، رواه أصحاب داود فقالوا: عن الشعبي عن عائشة، خلا محبوب بن الحسن»، ومحبوب هذا، ضعفه أبو حاتم والنسائي. وانظر للاختلاف في طرقه ومخارجه: «العلل» للدارقطني (٣٦٢٠).
(٢) برقم (١٠٩٠)، وكذلك أخرجه مسلم (٦٨٥).
(٣) أخرج مسلم فعله من حديث عائشة (٧٦٧) وأمره من حديث أبي هريرة (٧٦٨).
(٤) يعني: فهذه الصلاة. وفي طبعة الرسالة: «فهما»، وهذا أيضًا من تصرُّف الفقي.
(٥) أخرجه البخاري (٤٧٢) ومسلم (٧٥١) من حديث عبد الله بن عمر.
(٦) كذا في جميع النسخ، يعني الصلاة. وأصلحه الفقي في نشرته: «لا تنافيان»، وكذا في طبعة الرسالة.
[ ١ / ٢٩٠ ]