قال السهيلي: وكانت زمزم كما تقدم سقيا إسماعيل ﷺ فحفرها له روح القدس بعقبه.
وفي تحفيره إياها بالعقب دون أن يحفرها باليد أو غيره: إشارة إلى أنها لعقبه وراثة وهو محمد ﷺ وأمته، كما قال تعالى: وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ أي في أمة محمد ﷺ. انتهى.
ولم يزل ماء زمزم ظاهرًا ينتفع به سكان مكة.
ولما توفي الله ﷾ إسماعيل بن إبراهيم ﷺ ولي البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل ما شاء الله تعالى أن يليه، ثم ولي البيت مضاض بن عمرو الجرهميّ وبنو إسماعيل وبنو نابت مع جدهم مضاض وأخوالهم من جرهم. ثم نشر الله تعالى ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخؤولتهم وقرابتهم، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغيّ أو قتال.
ثم إن جرهما بغوا بمكة واستحلّوا حلالًا من الحرم، فظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فرقّ أمرهم، فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة من كنانة وغبشان من خزاعة ذلك أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة، فآذنوهم، أي أعلموهم، بالحرب، فاقتتلوا، فغلبهم بنو بكر وغبشان فنفوهم من مكة، وكانت مكة في الجاهلية لا تقرّ فيها ظلمًا ولا بغيًا، ولا يبغي فيها أحد إلا أخرجته، ولا يريدها ملك يستحلّ حرمتها إلا أهلكته مكانه.
فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض بغزالي الكعبة وبحجر الركن، فدفن الغزالين في زمزم وردمها، ومرت عليها السنون عصرًا بعد عصر إلى أن صار موضعها لا يعرف حتى بوّأها الله تعالى لعبد المطلب.
وانطلق عمرو بن الحارث بن مضاض ومن معه من جرهم إلى اليمن.
حفر عبد المطلب وروى قصة حفر عبد المطلب لزمزم ابن إسحاق عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، والبيهقي عن الزهري: أن عبد المطلب بينا هو نائم في الحجر أتي فقيل له: أحفر برّة. قال: وما برّة؟ فذهب عنه، حتى إذا كان الغد فنام في مضجعه ذلك فأتى فقيل: له: احفر المضنونة. قال: وما المضنونة؟ فذهب عنه، حتى إذا كان الغد فنام في مضجعه ذلك فقيل له:
[ ١ / ١٨٧ ]
احفر ظبية. قال: وما ظبية؟ فذهب عنه فلما كان من الغد عاد إلى مضجعه فنام فيه فأتى فقيل له: احفر زمزم. قال: وما زمزم؟ قال: لا تنزف ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم.
ثم ادع بالماء الرّوى غير الكدر تسقي حجيج الله في كل مبرّ [(١)]
ليس يخاف منه شيء ما عمر
فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش فقال: تعلّموا أني قد أمرت بحفر زمزم. فقالوا: فهل بيّن لك أين هي؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت، فإن يك حقا من الله يبيّن لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك. فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه وقال: اللهم بيّن لي. فأرى في المنام: احفر تكتم. وفي لفظ:
فقيل له: احفر زمزم إن حفرتها لم تذمّ، وهي تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم، ينفذ فيها ناذر لمغنم، تكون ميراثًا وعقدًا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم. فقال: وأين هي؟ فقيل له: بين الفرث والدم، في مبحث الغراب الأعصم، في قرية النمل.
فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمّي له من الآيات، فنحرت بقرة بالحزورة فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم بين الوثنين إساف ونائلة فنحرت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها، فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث عن قرية النمل.
فقام عبد المطلب فحفر هنالك ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره، فجاءته قريش فقالت له: ما هذا الصّنيع؟ قال: أمرت بحفر زمزم، فلما كشف عنه وبصروا بالطّيّ كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقًّا فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل، أن هذا الأمر خصصت به دونكم. قالوا:
تحاكمنا؟ قال: نعم. قالوا: بيننا وبينك كاهنة بني سعد بن هذيم، وكانت بأشراف الشام.
فركب عبد المطلب في نفر من بني أمية وركب من كل بطن من أفناء قريش نفر، وكانت الأرض مفاوز فيما بين الشام والحجاز، حتى إذا كانوا بمفازة من تلك البلاد فني ما عند عبد المطلب وأصحابه من الماء حتى أيقنوا بالهلكة، ثم استسقوا القوم قالوا: ما نستطيع أن نسقيكم، وإنا نخاف مثل الذي أصابكم. فقال عبد المطلب لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك. قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته، وكلما مات رجل منكم دفعه أصحابه في حفرته حتى يكون آخركم يدفعه صاحبه، فضيعة رجل أهون من ضيعة
_________________
(١) [(١)] الأبيات في البداية والنهاية ٢/ ٢٤٣، والسيرة النبوية في الروض الأنف ١/ ١٦٨.
[ ١ / ١٨٨ ]
جميعكم. ففعلوا. ثم قال: والله إن إلقاءنا للموت بأيدينا لا نضرب في الأرض ونبتغي لعل الله تعالى يسقينا لعجز. فقال لأصحابه: ارتحلوا. فارتحلوا وارتحل، فلما جلس على ناقته فانبعثت به انفجرت عين من تحت خفّها بماء عذب، فكبّر عبد المطلب، وكبّر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه وآستقوا وأسقوا، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله تعالى. فجاؤوا وآستقوا وأسقوا، قالوا: يا عبد المطلب قد والله قضي لك علينا، لا نخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي أسقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا. ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلّوا بينه وبينها.
فلما رجع عبد المطلب أكمل حفر زمزم وجعل عليها حوضًا يملأه ويشرب الحاج منه، فيكسره أناس من حسدة قريش بالليل فيصلحه عبد المطلب، فلما أكثروا إفساده دعا عبد المطلب ربّه، فأري في المنام فقيل له: قل: اللهم إني لا أحلّها لمغتسل، ولكن هي لشارب حلّ وبلّ. ثم كفيتهم. فقام عبد المطلب فنادى بالذي أري، ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه عليه أحد إلاّ رمي في جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته.
وذكر ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- أن عبد المطلب وجد في زمزم غزالين من ذهب وهما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم حين خرجت، ووجد فيها أسيافًا قلعيّة وأدرعًا. فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحقّ. قال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بيني وبينكم، نضرب عليها بالقداح. قالوا: وكيف نصنع؟ قال: اجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له.
قالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقدحين أسودين لعبد المطلب وقدحين أبيضين لقريش. ثم أعطوا صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل، وهبل صنم في جوف الكعبة، وقام عبد المطلب يدعو وصاحب القداح يضرب القداح، فخرج الأصفران على الغزالين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدرع، وتخلّف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حلّيته الكعبة.
قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى-: فلما حفر عبد المطلب زمزم ودلّه الله تعالى عليها وخصّه الله بها زاده الله بها شرفًا وخطرًا في قومه، وعطّلت كل سقاية كانت بمكة حين ظهرت وأقبل الناس عليها التماس بركتها ومعرفة فضلها، لمكانها من البيت وأنها سقاية الله ﷿ لإسماعيل ﷺ.