ينبغي أن يعلم أن أجل أسباب انشراح الصدر هو: التوحيد. وبحسب كماله وتمامه، وقوته، وزيادته، يزيد انشراح الصدر. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١) وقال الله تعالي: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) فلا جرم أن يكون التوحيد، والهداية، من أعظم أسباب انشراح الصدر، والشرك والضلالة هن أعظم أسباب ضيق الصدر والقلب.
ومن جملة أسباب انشراح الصدر، نور يجعله البارى تعالى، في قلب العبد، ضياء وذلك نور الإيمان، فمتى ما وقع في قلب العبد، دخله الفرح، والسرور، والانشراح وسعة القلب، وظهر فيه.
وإذا فقد ذلك النور وقع في ضيق القلب، وابتلى بالشدة، والمشقة، وقال - ﷺ -: "إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح" قالوا: وما علامة ذلك
_________________
(١) سورة الزمر آية ٢٢. وروى أن هذه الآية نزلت في علي وحمزة ﵄ وأبي لهب وابنه وهما اللذان كانا من القاسية قلوبهم. وفي الكلام محذوف يدل عليه الظاهر .. تقديره: كالقاسى القلب والمعرض عن أمر الله. " وشرح الله صدره" استعارة لتحصيله للنظر الجيد والإيمان بالله. و"النور" هداية الله، وهي أشبه شيء بالضوء. قال ابن مسعود ﵁: قلنا يا رسول الله كيف انشراح الصدر؟ قال: "إذا دخل النور القلب انشرح وانفسخ" قلنا: وما علامة ذلك؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور، والتأهب للموت" أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود - ﵁ - وأخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن ابن عمر - ﵄ - أن رجلا قال: يا نبى الله أي المؤمنين أكيس؟ قال "أكثرهم ذكرا للموت". ثم أخرج عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، عن رسول الله - ﷺ - نحوه. وزاد فيه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الدر المنثور.
(٢) سورة الأنعام الآية رقم ١٢٥.
[ ١٢٣ ]
يا رسول الله؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله" (١).
وينبغي أن يعلم أن نصيب الشخص، من انشراح الصدر، وسعة القلب، بحسب نصيبه من كثرة النور، ومن هذه الجهة للنور المحسوس أيضا من فرح الخاطر، وشرح الصدر، حظ وافر، والظلمة المحسوسة بعكس ذلك.
ومن جملة أسباب دلك أيضا العلم، فإن العلم يجعل كل زاوية من روايا القلب، أوسع، وأشرح من السماء والأرض، وكلما زاد علم الشخص، زاد انشراح صدره، وليس المراد من هذا كل علم، بل العلم المورث من الأنبياء. فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا، ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، أشار إلى ذلك العلم.
وأهل ذلك أوسع قلبا، وأطيب عيشا، وأحسن خلقا، من سائر الخلق ومن هذا العلم تتولد الإنابة، ومحبة الحق، وللمحبة في شرح الصدر مدخل عظيم، وكلما نمت المحبة، وقويت، زاد شرح الصدر، وكمل، وأعظم أسباب ضيق الصدر وأقوى موجباته الإعراض عن الحق، وتعلق القلب بغير ذلك الجناب، والغفلة عن ذكر الحق، ومحبة غيره.
ومن أحب غير الحق عذب به، وحبس معه، ولم يك في العالم أسوأ حظا منه، ولا أمر عيشة ولا أكثرهما، لأن المحبة محبتان:
إحداهما: سرور النفس، ولذة القلب، ونعيم الروع، ودواء الهموم، وهي محبة الحق ﷾ بكل قلب.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في تفسيره (ج ١٢ ص ١٠٠، ١٠١) من طريقين عن عبد الله بن مسعود، وكلاهما ضعيف، وأورده ابن الجوزي في تفسيره (ج ٣ ص ١١٩ - ١٢٠)، وابن كثير (ج ٣ ص ١٧٤)، بعد أن ذكره من طريق مرسل عن أبي جعفر الهاشمى، وقال. فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا. وانظر تعليق الأستاذ محمود شاكر على الحديث في تفسير الطبرى (ج ١٢ ص ٩٩، ١٠٠).
[ ١٢٤ ]
والأخرى: عذاب الروح، وهم النفس، وحبس القلب، وضيق الصدر، ومادة كل بلاء وهي محبة غير الحق، وأيضا جملة أسباب شرح الصدر: دوام ذكر الحق في حال، وأيضا الإحسان إلى خلق الله، مهما أمكن من جار، ومال، وغير ذلك، وأيضا الشجاعة، وأيضا تطهير القلب، من الصفات المذمومة.
والرسول - ﷺ - كان صاحب الكمال، في مجموع هذه الخصال، ومن جعل اتباعه قصده، يكون أكمل الخلق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
[ ١٢٥ ]