كانت سنة ست من الهجرة، في ذي القعدة، وهذا هو الصحيح «٣» .
_________________
(١) - الطبقات الكبرى (٢/ ٩٣، ٩٤)
(٢) - الطبقات الكبرى (٢/ ٩٥) وجوامع السيرة النبوية لابن حزم ص ١٦٤ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية (٣/ ٢٨٦) وتاريخ الطبري وابن سيد الناس (٢/ ١١٣) وشرح المواهب (٢/ ١٧٩) .
(٣) - وهو قول الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقال هشام بن عروة: خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية في رمضان، وكانت في شوال. وهذا وهم لا دليل عليه، بل إنه منقوض لأن غزوة الفتح كانت في رمضان.
[ ١٠٠ ]
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أنس﵁- أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، فذكر منها عمرة الحديبية» «١» .
كان معه ﷺ ألف وخمسمائة على أكثر الأقوال وقيل كانوا ألفا وثلاثمائة، وقيل غير ذلك والصواب هو ألف وخمسمائة وغير ذلك وهم لا دليل عليه.
ولما شعر القرشيون بذلك استنفروا وأجمعوا أمرهم لصد رسول الله ﷺ، وكان ﵊ قد خرج بمن معه من الأنصار والمهاجرين، ومن اتبعه من العرب، وساق الهدى، وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة؛ ليعلم أنه لم يخرج لحرب.
تقدم المشركين خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغميم، فورد خبر ذلك إلى رسول الله ﷺ وهو بعسفان، فسلك طريقا خرج منه في ظهورهم، وكان دليلهم فيه رجل من أسلم، وذلك ذات اليمين بين ظهري الحمض، في طريق أخرجه على ثنية المرار وهي مهبط الحديبية من أسفل مكة، فلما نما ذلك إلى علم القرشيين بقيادة خالد بن الوليد؛ كرّوا.
فلما كان رسول الله ﷺ بذلك المكان من الحديبية بركت الناقة، فقال الناس:
خلأت- أي حرنت- فقال ﷺ: ما خلأت- وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها.
ثم نزل رسول الله ﷺ هنالك، فقيل له: يا رسول الله، ليس بالوادي ماء، فأخرج سهما من كنانته، فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء «٢» حتى كفى جميع أهل الجيش، وقيل إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير ابن يعمر
_________________
(١) - حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح، ومسلم (١٢٥٣)، وأبو داود والترمذي في جامعه الصحيح (٨١٥) والإمام أحمد في المسند (٣/ ١٣٤) .
(٢) - جاش بالرواء: فاض بالماء الكثير.
[ ١٠١ ]
بن دارم بن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أقصى بن أبي حارثة، وهو سائق بدن رسول الله ﷺ «١» .
ثم سعى الفراء بين رسول الله ﷺ وبين الكفار من القرشيين، حتى أتاه سهيل بن عمرو، فقاضاه على أن ينصرف عامه ذلك، فإذا كان من قابل أتاه معتمرا، ثم دخل مكة وأصحابه بلا سلاح، حاشا السيوف في القرب فقط. فيقيم بها ثلاثا لا مزيد عليها، على أن يتم بينهما الصلح الموصول لمدة عشرة أعوام يخالط الناس بعضهم بعضا ويداخلون بعضهم البعض آمنين، ولكن هذا مشروط بأن من يأتي المسلمين من الكفار مسلما يرد إلى الكفار، أما الذي يرتد من المسلمين إلى الكفار فلا يرد، وكان هذا أمرا شاقا صعبا على المسلمين قبوله، وكان أمر الله مفعولا.
لقد كان صلح الحديبية أمرا لا مندوحة عنه، ولا مصرف ولا تحويل عن طريقه ليعيد المسلمون حساباتهم، ويرتبوا أوراقهم، وليعمدوا إلى تنسيق صفوفهم وأمورهم حتى يأتيهم أمر الله.
وقد جرى الصلح بين المسلمين، وأهل مكة على وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم من بعض، وأن يرجع عنهم عامه ذلك، حتى إذا كان العام القادم المقبل قدمها، وخلّوا بينه وبين مكة، فأقام بها ثلاثا، وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب، والسيوف في القرب، وأن من آتانا من أصحابك لا نرده عليك، ومن أتاك من أصحابنا رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة «٢» . وأنه لا إسلال ولا إغلال «٣»، فقالوا: يا رسول الله، نعطيهم «٤» هذا؟ فقال عليه الصلاة
_________________
(١) - وقيل: بل نزل به البراء بن عازب. البدن: الناقة.
(٢) - العيبة: التي يودعها المرء حر متاعه، ومصون ثيابه، والمقصود بالعيبة المكفوفة: الصدور السليمة، والنيات الصادقة في الإلتزام بالإتفاقية كعهد وميثاق.
(٣) - لا إسلال ولا إغلال: الإسلال السرقة، والإغلال من الغلول أي الخيانة.
(٤) - كره سهيل بن عمرو أن يكتب صدر الصحيفة «محمد رسول الله» وأبى علي بن أبي طالب كاتب الصحيفة أن يمحو «رسول الله ﷺ» بيده، فمحا رسول الله ﷺ هذه الصفة بيده وأمره أن يكتب «محمد بن عبد الله» .
[ ١٠٢ ]
والسلام: من أتاهم منا فأبعده الله، ومن أتانا منهم فرددناه إليهم جعل الله له فرجا ومخرجا «١» .
وفي غزوة الحديبية أنزل الله تعالى فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة، أو النسك في شأن كعب بن عجرة.
وفيها أيضا دعا ﷺ للمخلفين ثلاثا بالمغفرة، وللمقصرين مرة واحدة، وفيها أيضا تحروا البدنة عن سبعة ونحروا البقرة عن سبعة.
وفي غزوة الحديبية نزلت سورة الفتح، وفيها أيضا دخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم «٢» .
وكان ﵊ قبل تمام الصلح قد بعث عثمان بن عفان رسولا إلى مكة، وشاع أن المشركين قتلوه، فدعا رسول الله ﷺ إلى المبايعة على الموت، وأن لا يفروا عن القتال، وهذه هي «بيعة الرضوان» التي كانت تحت الشجرة «٣» .
وقد قال ﷺ: «لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» فكان هذا تبشيرا بالفوز بالنجاة من النار.
وبعد أن تم الصلح، وانعقدت الإتفاقية، أمر النبي ﷺ أن ينحروا، ويحلوا؛
_________________
(١) - أخرجه أبو داود (٣/ ٢١٠/ ٢٧٦٦) والإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٢٥) ينحوه. وكان أتى أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده فرده رسول الله ﷺ إلى أبيه، وقال ﵊ «إن الله سيجعل له فرجا» .
(٢) - وكان في الشرط المعقود بينهم أن من شاء أن يدخل في عقده ﵊ دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش دخل. وكان قوم من قريش أتوا- قيل كانوا بين الأربعين إلى الثلاثين فأرادوا الإيقاع بالمسلمين، فأخذوا أخذا، فأطلقهم رسول الله ﷺ، فهم العتقاء الذين ينتمون إليهم العتقيون.
(٣) - قال تعالى: - «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة» الفتح (٤٨/ ١٨) فإن أولئك المبايعين تحت الشجرة مرضي عنهم بنص القرأن الكريم، فطوبى لهم وحسن ماب، فإن من ﵁ شمله رضوانه ورحمته.
[ ١٠٣ ]
ففعلوا يعد إيباء كان منهم وتوقف أغضب رسول الله ﷺ ثم وفقهم الله تعالى ففعلوا، وقيل: إن الذي حلق رأس رسول الله ﷺ هو خراش بن أمية بن المفضل الخزاعي.
ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية هاربا، وكان ممن حبس بمكة، وهو ثقفي من بني ثقيف حليف لبني زهرة، فبعث إليه الأزهر بن عبد عوف عم عبد الرحمن بن عوف، والأخنس بن شريق الثقفي، رجلا من بني عامر بن لؤى ومولى لهم، فأتيا النبي ﷺ فأسلمه إليهم فاحتملاه، فلما صار بذي الحليفة نزلوا، فقال أبو بصير لأحد الرجلين، أراني هذا السيف، فلما صار بيده ضرب به العامري فقتله، وفر المولى فأتى النبي ﷺ فأخبره بما وقع، وأضل أبو بصير، فقال: يا رسول الله، وفت ذمتك، وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم، وقد امتنعت بديني أن أفتتن فيه، أو يعبث بي، فقال رسول الله ﷺ: ويل أمه سعر الحرب «١»، لو كان له رجال فعلم أبو بصير أنه سيرده، فخرج حتى أتى سيف البحر، موضعا يقال له العيص «٢» . فقطع على رفاقهم «٣» ثم استضاف إليه كل من ندّ وفر من قريش ممن أراد الإسلام؛ فاذوا قريشا، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ بأن يضمهم إلى المدينة.
وأنزل الله تعالى بفسخ الشرط المذكور في ردّ المثياق والعهد، ومنع سبحان ﷿ من ردهن، ثم بعد ذلك نسخت براءة كل ذلك، ولله الحمد والمنة.
وهاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فأتى أخواها عمارة والوليد، ابنا عقبة، فمنع الله تعالى من رد النساء، وحرّم الله تعالى حينئذ على المؤمنين الإمساك
_________________
(١) - سفر الحرب: سجرها وموقدها.
(٢) - وهو موقع من ناحية ذي المروة على طريق قريش إلى الشام.
(٣) - الرفاق: جمع رفقة وهم المسافرون وأكثر ما تسمى (رفقة) إذا نهضوا في طلب الزياد بالإمتيار أي في طلب الميرة.
[ ١٠٤ ]
بعصم الكوافر، فانفسخ نكاحهن من المسلمين، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة.