رجل العقيدة يسير طوعا لها، ويجد طمأنينته حيث تقرّ عقيدته، وتلقى الرحب والسعة.
والناس ينشدون سعادتهم فيما تعلّقت به هممهم، وجاشت به أمانيهم، وهم ينظرون إلى الدنيا وحظوظهم منها على ضوء ما رسب في نفوسهم من عواطف وأفكار..
فطالب الزعامة يرضى أن ينقم، وينشط أو يكسل بمقدار قربه أو بعده من أمله الحبيب.
انظر المتنبي كم مدح وهجا؟ وكيف انتقل من الشام إلى مصر، ومن مصر إلى غيرها، وانظر إلى ذكره أحاديث الناس عنه وعن بغيته:
يقولون لي: ما أنت في كلّ بلدة وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يسمى
والذي جلّ أن يسمى صرّح به في مكان اخر، فطلب أن تناط به ضيعة أو ولاية!! أي بعض ما وضعته الحظوظ في أيدي الملوك والملاك؛ وإنه ليتعجّل هذا الأمل من كافور فيقول:
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله؟ فإنّي أغنّي منذ حين وتشرب!
والمتنبي في نظري أهل- بكفايته- للمناصب الرفيعة، ولكنّ التطلّع إلى الدنيا بهذا النزق والإلحاح، محكوم بالمشيئة التي ذكرتها الاية الكريمة:
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ.. [الإسراء: ١٨] .
[ ١٨١ ]
ومن الناس من يتعشّق الجمال، ويجري وراء النّساء، ويجد في المتعة بهن نهمته، التي يسكن بعدها، ويستكين، ويقول:
لا أرى الدّنيا على نور الضّحى بل أرى الدّنيا على نور العيون
ومنهم من يبحث عن المال، ويقضي سحابة نهاره وشطر ليله يتتبّع الأرقام في دفاتره، يحصي ما وقع في يده، ويتربّص بما لم يقع، وربما ذهل عن طعامه ولباسه في غريزة الاقتناء التي سدّت عليه المنافذ.